أن نترجم، أو لا نترجم، في زمن الثورة

 

بدأتُ أترجمُ عندما اندلعت الثورة في سوريا. كنتُ حينها أدرس في أوسلو ولم أعرف كيف يمكنني أن أشارك. كل ما كنت أعرفه حينها أنني إذا لم أشارك السوريين ثورتهم فلن أكون قد خذلتهم فقط، بل أكون قد فوتُّ فرصة لاتخاذ موقف لصالح الحق في حدث تاريخي. بدأتُ بترجمة مقالات يكتبها مواطنون عاديون وصحفيون متمرسون. كنتُ جزءاً من جهد ترجمة جماعي كان قد تشكل حول الثورة السورية، إذ قامت مجموعات كمجموعة المترجمون الأحرار، وبدأنا بالتواصل مع كتّاب نقرأ لهم لنسألهم إذا ما كانوا مهتمين بنقل كتاباتهم إلى اللغات الأوروبية. كنا نريد إيصال أصوات السوريين إلى العالم، لنُعرِّفَ الشعوب بقضيتهم، ولأننا كنا نعتقد أنه بأمكان الرأي العام العالمي أن يؤثر على مسار الثورة لصالح المنتفضين. كان الرهان على الغرب، وكان هذا الرهان فادحاً في خطأه في قراءة النظام السياسي والاقتصادي العالمي. كنا نعتقد أن المطالب المحقة ستحرّك الضمير الديمقراطي لدى الرأي العام في الغرب، إلا أن مآلات الثورة في سوريا لقنتنا درساً قاسياً في الإعراض التاريخي المتعمّد عن شعوب الجنوب المنتفضة من قبل مجتمعات تستفيد من الذل المفروض على شعوبنا. وقد كان هذا الدرس الأول لنا جميعاً، والذي شكل وعينا السياسي بعد اندلاع الربيع العربي.

في الموجة الثانية من تلك الثورات كان الوضع قد تغير. سوريا واليمن أضحتا حُطاماً. ومصر أنهكتها الثورة المضادة. عندما بدأت الثورات الأخيرة في السودان والعراق والجزائر ولبنان، كان ملفتاً للمراقب عدم اكتراث المنتفضين بالتعريف عن ثورتهم للعالم الخارجي، فقد تعلموا الدرس؛ العالم الغربي بمؤسساته ووسائل إعلامه لا يهتمّ فعلاً بثوراتهم، ولم تعد تجدي محاولات التعريف عن الثورات أمامه لاستعطافه. لذلك، لم يرهق الثوار أنفسهم في ترجمة ما يجري عندهم.

كذلك، كان علينا نحن العرب الذين نعتبر أنفسنا جزءاً من شعوب المنطقة أن نفتّش عن مصادر موثوقة لمعرفة تطورات الأمور في بلدان أخرى غير بلداننا. مثلاً، لم يكن من السهل علينا نحن اللبنانيون أن نعثر على أصدقاء جدد على فايسبوك يكتبون عمّا يحصل في السودان أو العراق، ولم نكن نعرف من أي صفحة أو مدونة نستقي معلومات عن التطورات هناك. بعد أسبوع من اندلاع الثورة في لبنان، كُنّا في جلسة نقاش مع نشطاء على الأرض، نوّهتُ فيها إلى أن الإعلام الغربي لم يكد يلقي نظرة إلى مظاهراتنا، سوى مقال أهبل في الغارديان ودقيقة تغطية مغلوطة على CNN وحسب. سكت الحاضرون برهة، إلى أن قال أحدهم: «هيدا شي منيح. نحن لا نهتم برأيهم على كل حال وإذا تركونا وحدنا يمكن أن تكون فرصنا بالنجاح أقوى من لو كانت عين العالم علينا». هكذا هو، فما نشره الإعلام الغربي إلى اليوم عن ثورتنا شحيحٌ جداً، ومعظم  هذه المداخلات يكتبها لبنانيون. الغربيون أنفسهم لا يهمهم في غالبيتهم ما يحصل في لبنان والسودان والعراق، أما نحن فيبدو أننا غير مهتمين بترجمة ثورتنا. هل انعدام الاهتمام هذا محق؟ هل سنخسر على المدى الطويل إذا بقينا على هذه الحال، نترجم القليل القليل، وذلك فقط لأننا مجبرون مادياً على إيجاد مصادر دخل تسعفنا اقتصادياً في هذه الأوقات العصيبة؟ ومن أين تَولَّدَ انعدام الثقة بالترجمة كعمل ذا صلة وثيقة بالتغيير والواقع؟

في أوائل الثورة، طلب مني صديقٌ يعمل في أوسلو أن أرسل له تقارير عن مجريات الأحداث في لبنان. ضحكت في نفسي ولم أرُد على الإيميل. ماذا كان بوسعي أن أقول؟ أنني غير معنية أبداً ببذل أي جهد في ترجمة الثورة في لبنان للغرب؟ عدم اكتراثي هذا انبثق أولاً من ضيق الوقت. هل فعلاً سأمضي وقتي في ترجمة الثورة اللبنانية لبشر لن يؤثروا فعلاً في مسارها، أم أنه من الأجدى أن استثمر وقتي في مكان أكثر فعالية؟ لم يكن الوقت يكفي، وها هي الثورة تتسارع وتطلب وتأخذ. إذا بقي أي وقت لنفسي، فإنني أستعمله فقط كي أرتاح وأفكر، فمن البديهي في مثل هذه الظروف أنني غير مهتمة بالترجمة، ومقتنعة بعدم جدواها كما اختبرنا مع سوريا. كيف إذن عليَّ أن أفكر، أنا الباحثة المختصة في الترجمة، كيف سأبلور طروحات عن الترجمة كوظيفة اجتماعية وفكرية أساسية في تطور الفكر الإنساني؟ وكيف لنا أن نختار متى وماذا نترجم نترجم في ظل زمن الثورات العالمية، وثورتنا في لبنان والعالم العربي تحصل في عالم منتفض من شماله إلى جنوبه؟

في زمن الحداثة تبلوَّرَ التفكير حول الترجمة كمنهجية وصل بين جغرافيات الأرض في ظل الكولونيالية. كانت الترجمة بمعظمها نقلاً لنتاج الفكر الغربي المعاصر إلى لغات العالم، ونقلاً لتاريخ الفكر العالمي إلى الغرب. وهكذا تشكلت نماذج الترجمة في الحداثة كوسيطة نظام زمني يهيمن الغرب على حاضره، بينما تتكل بقية الثقافات على تصوّرِ أنها تراث آت من الماضي. في العصور السابقة كان توجه الترجمة مختلفاً. كانت الشعوب تترجم حكمة الشعوب التي سبقتها. هكذا، ترجم العرب الفكر الإغريقي على سبيل المثال، بوصفه نتاج حكمة حضارة غابرة، حفظها العرب من الاندثار من خلال الترجمة. أما في الحداثة، فقد تحوّلت الترجمة عن مسارها  التاريخي، من وظيفتها في وصل الشعوب بإرث ثقافي غابر، إلى عملية وصل جغرافية، أفقية، تعنى بالمعاصرة وتقويم الحضارات حسب المقياس الأوروبي. في وصفه لتلك العملية، كتب هومي بابا أن الترجمة أسست لزمنية اللحاق بركب أوروبا لكونها قائمة على فجوة زمنية تفصل الغرب السبّاق عن بقية العالم المُستعمَر1. الغرب ينتج الفكر ونحن نترجمه، على الأقل هذا هو تاريخ حداثتنا. تغيَّرَ الزمن اليوم، وأصبحنا في اقتصاد ثقافي مغاير للحداثة. اليوم، وفي سياق سوق للأدب العالمي، باتت الترجمة معكوسة؛ يترجموننا، بينما يقرأ مثقفونا الكتب الغربية بلغاتها الأصلية. في هذا السوق، أصبح الدخول إلى الإنكليزية بمثابة نيشان فخر للكاتب، يترتب عليه ربح مادي عند بيع حقوق النشر والسفر في جولات حول أوروبا وأميركا يحتاجها الكاتب في ظل غياب أي نظام وطني لرعاية اللثقافة.

في زمننا هذا، تشكلت نظريات جديدة حول الترجمة، بَلوَرَت العلاقة بين الغرب والجنوب العالمي من خلال التمايز الهوياتي، وسعت إلى لجم الاستهلاك الغربي للنتاج الثقافي العالمي. في هذا المضمار، كتبت غياتري سبيفاك منتقدةً الترجمات الإنكليزية للأدب البوست كولونيالي، فذهبت إلى أنّ السوق تُسطّح التمايز بين الثقافات فتجعل أسلوب امرأة من فلسطين يشبه أسلوب رجل من تايوان، ما حدده لورانس فينوتي من خلال مفهوم الـ domestication، أو تدجين النص ليبدو عند القارئ الأنكلوفوني وكأنه أُلِّفَ أصلاً باللغة الانجليزية. في هذه النظريات، تحدّدَت الأطر الأخلاقية للاستهلاك الأنجلوفوني لأدب الثقافات المغلوبة في قالب تغريبيّ، يؤكد على التمايز الثقافي وعلى الإختلاف المحلي بين الشعوب والبلدان، foreignization2. تحفظ المترجِمة من الثقافة المغايرة حق الاختلاف ورفض الذوبان في العولمة، في عملية تغريبية ترهق القارئ الأنجلوفوني وتطالبه بالانسلاخ عن علاقات القوة المتأصلة في مجتمعه من أجل فهم كيف يعيش الآخرون في بلدان مغلوبة. الإشكالية هنا في إعادة إنتاج الآخر كغريب يستعصي على الترجمة.

تقاطعَ هذا التفكير البوست كولونيالي في الترجمة مع نظريات اتخذت المُغايِرَ المحلي أساسًا لها لفهم عمليات الترجمة النظرية. فأتى العمل المعجمي الذي ترأسته باربرا كاسان ليجادل أن الفلسفة والمفاهيم النظرية هي أيضا وليدة بيئات محلية عصية على النقل الشامل للغات الأخرى3. هناك فضلات تبقى خارج الترجمة، وانطلاقاً من هذه الفضلات كان الكلام عن الـ untranslatable، مفهوم هو نفسه عصيٌّ على الترجمة، على الأقل إلى العربية: فننقله في جملة ناقصة على أنه: ما هو غير قابل للترجمة، لا يُترجم، أو ما لن يترجم. تقول كاسان، وبعدها مترجمتها والباحثة في نظريات الترجمة إميلي آبتر، إن هذا العصيَّ هو بمثابة دعوة إلى ترجمة متكررة، لكون ما يعصى على النقل الشامل والشفّاف يصبح محفّزاً على الإبداع في عملية الترجمة، والمكانَ الأنسبَ لمساءلة الترجمة كعملية وصل بين الثقافات في سياق واقع قائم على علاقات قوة ونزاع4. فهذا الـ untranslatable بتعقيداته المحلية، هو الصلة الأنسب لرفض الذوبان في العولمة من خلال التأكيد على الغنى الموجود في الثقافة المحلية، والذي لا يمكن نقله كما هو لأناس غريبين عن اللغة المحلية.

تأتي ملاحظاتي عن الترجمة في أيام الثورة في هذا السياق، خاصة كما تبلورت نظرياً في مصر في السنوات الأخيرة. نتعلم من التنظير المصري حول الترجمة أن المراوحة في ما هو عصيٌّ على الترجمة قد تتحول إلى عكس ما تأمل إليه هذه النظريات. بالفعل هناك ما يبقى عصياً على الترجمة، ولا أحد يسائل هذا التنظير، ولكن ما يخفى على المشاركين في تطوير هذه النظريات هو أن الترجمة تتعدى الهويات الضيقة وتطالب الثقافات بتخطي الحواجز السياسية بين الشعوب. فالترجمة لا تحصل فقط بين لغات غير متكافئة في حضورها القوي، ولكن أيضاً بين أناس ومجموعات متضررة من النظام العالمي المعولم. وعليه فإن الترجمة أيضاً فعلُ تضامن يقوم على مشاركة الآخر بالنتاج الأدبي والإجتماعي المقاوم للعولمة، والذي ينتج عن احتكاك الكاتبة بالشارع المحلي وصوغ الأفكار والإشكاليات بطريقة تحاكي مسارات مقاوِمة في بلدان أخرى، فتفتح المجال للتثاقف الحقيقي خارج هيمنة العولمة. في هذا السياق، تكتب سامية محرز أن ترجمة الثورة تتشكل في قلب معارك مع النظام لا نعرف كيف ستنتهي، وتنبع من وجهة نظر  سياسية عالمية ترى أننا نعيش تحت نظام معولم ذي أطر «لغوية وجيوسياسية وثقافية» تفرز علاقات قوة نرزح جميعنا تحتها5. أما منى بايكر، فتؤكد على أن عملية الترجمة قادرة على خلق الجسور بين الشعوب المنتفضة من خلال «وظيفة الترجمة في تشكيل فضاءات الاحتجاج»6. تتكون هذه الوظيفة في ما تسميه سماح سليم «الترجمة العميقة التي هي عكس ترجمة الأزمة، والتي تتحرك عمداً إلى ما بعد الصورة والاستعراض، وتهدف لبناء شبكات تضامن عالمية وثيقة التجذر في تضاريس الصراع في مكان معين»7. في هذه الترجمات العميقة لمآلات الثورات العربية، يطالب الشعب في مصر وسوريا والعالم الشعوب الأخرى بالضغط على حكوماتها وزعزعة أسس الطغمة المعولمة التي تتعدى حدود أي دولة بعينها، والتي تستفيد من ديكتاتورية حكّامنا وسرقتهم للسيادة السياسة والاقتصادية على حد سواء في بلدانهم. ولكن هذه الترجمة العميقة لا تكتمل إذا لم تَستَعِد الترجمة معانيها العميقة، وتتجذّر ليس فقط في الفضاء المحلي، بل في الزمن والتاريخ المُعاش للشعوب. على الترجمة الرجوع إلى وظيفتها التاريخية، وإعادة وصل الناس بماضيهم.

مفهوم الترجمة كما عرفه العرب قبل الحداثة كان له معنىً مغايرٌ لا نفهمه ونصطلح عليه اليوم. في الماضي كانت لفظة الترجمة ترمز إلى التاريخ وكتابة السير للأشخاص، وعادةً أشخاصٌ كانوا مرموقين في المجتمع؛ فنتكلم عن ترجمة الحلاق الدمشقي مثلاً، ذلك الكاتب العادي الذي دوَّنَ مصائر الناس العاديين والمرموقين في دمشق في القرن الثامن عشر. قبل الحداثة، تطوَّرَ مفهوم الترجمة من عملية نقل ميكانيكية للنصوص بين اللغات، للتعبير عن الكتابة التاريخية كفعل ترجمة لواقع ملموس ننظره من خلال البشر ومسارات حياتهم. الترجمة كتأريخ إذن، يحفظ للبشر سردياتهم ويحول دون ذوبانهم في التاريخ الأعظم للمجموعة. من خلال المفهوم التاريخي القديم للترجمة، تعطينا العربية طريقتها في التأريخ الجزئي للشعوب، تأريخٌ كان قد كتب عنه كارلو غينزبورغ في كتابه الجبنة والدود. يدافع غينزبورغ عن التأريخ الجزئي بقوله «أن عدداً من الترجمات والسِيَر تبرهن أن الفرد العادي، كونه لا أهمية له ومن خلال عالمه الصغير، يجسد خصائص طبقة اجتماعية كاملة في حقبة محددة. وتكشف هذه الترجمات والسِيَر عن احتمالات كامنة في مجال ما (كالثقافة الشعبية)، الذي نعرفه فقط في شظاياه وتشوهات مستنداته، ما يشكل بالمجمل ما يمكن تسميته أرشيف القمع»8.

عندما نزل تلامذة المدارس إلى الشارع في لبنان في منتصف الشهر الماضي، حمل بعضهم لافتة كتبوا عليها: «نحن لا ندرس التاريخ بل نصنعه». ولهذا علينا، نحن المنشغلون بالكتابة والترجمة أن ننصاع لمطالبهم، فنكتب عنهم ونكتب لهم سرديات تاريخية تساندهم في مسيرتهم النضالية ضد القمع المؤسساتي. إن هذه السرديات هي حقيقةً تراجمُ بمعناها التاريخي والحداثي، ولكنها كذلك تعكس اتجاه الترجمة من مجرد الأمل في التضامن الجغرافي إلى تعاضد حقيقي ومتجذر في التاريخ، يحاول رتق الشرخ الرهيب الحاصل في مجتمعاتنا، الذي أحدثته السياسات القمعية والفاسدة المتحكمة بحياتنا. في سياق الثورة في لبنان، ومن جرّاء خيار البقاء في الشارع، لن يبقى من الوقت ما يسمح لنا بترجمة حلم التضامن العالمي إلى واقع سياسي، فنحن منشغلون بترجمة أنفسنا لبعضنا البعض. أما من هي قادرة على نقل قضايانا للخارج وتدويلها فلتفعل مشكورة، فقد يأتي زمن تكون الشعوب فعلاً قادرة على مساندة بعضها بعضاً في نضالاتها العادلة في كافة بقاع الأرض، إذ أن العدالة لا تستعصي أبداً على الترجمة.

  • 1. Homi K. Bhabha, “Race Time and the Location of Culture”, in The Location of Culture (London; New York: Routledge, 1994).
  • 2. Gayatri Chakravorty Spivak, “The Politics of Translation”, in The Translation Studies Reader, ed. Lawrence Venuti (New York: Routledge, 2004), 369–89. Lawrence Venuti, The Translator’s Invisibility: A History of Translation (London: Routledge, 1995).
  • 3. Barbara Cassin and Centre national du livre (France), Vocabulaire Europeen Des Philosophies: Dictionnaire Des Intraduisibles, Book, Whole (Paris: Le Robert, 2004).
  • 4. Emily Apter, Against World Literature: On the Politics of Untranslatability (Verso, 2013).
  • 5. Samia Mehrez, Translating Egypt’s Revolution: The Language of Tahrir, Book, Whole (New York: American University in Cairo Press, 2012).
  • 6. Mona Baker, “Beyond the Spectacle: Translation and Solidarity in Contemporary Protest Movements”. Translating Dissent: Voices From and With the Egyptian Revolution. Ed. Mona Baker (Taylor & Francis, 2015), 1-18.
  • 7. Samah, Selim. “Text and Context: Translating in a State of Emergency”. Translating Dissent: Voices From and With the Egyptian Revolution. Ed. Mona Baker (Taylor & Francis, 2015), 77-87.
  • 8. Carlo Ginzburg, The Cheese and the Worms: The Cosmos of a Sixteenth-Century Miller, trans. J. Tedeschi (Johns Hopkins University Press, 2013).