أوهام اقتصادية تُمرّر عبر معبر نصيب

 

مضت عشرة أيام على افتتاح المعبر الحدودي بين سوريا والأردن عند بلدتي نصيب السورية وجابر الأردنية، وكان الجانب الأردني قد اتفق مع ممثلين عن حكومة النظام السوري على افتتاح المعبر وفق عدة شروط ومحددات، من بينها حصول السوريين الراغبين على الدخول إلى الأردن على موافقة أمنية، كما سمح الاتفاق بحركة شاحنات النقل وسيارات النقل العمومي.

وفي مقابل غياب رسمي أردني عن افتتاح المعبر، برزت خلال الأيام الماضية تصريحات لمسؤولين اقتصاديين ورجال أعمال، قالت إن إعادة العمل بمعبر نصيب/جابر سيؤدي إلى فوائد اقتصادية عالية، وعلى العكس من السنوات السابقة فقد تولى مهمة التبشير بعودة النمو الاقتصادي للأردن رجال أعمال ومسؤولين في هيئات استثمارية وتجارية.

نبيل رمان، رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة الأردنية، قال في تصريحات للصحافة أنه يتوقع ارتفاع صادرات المناطق الحرة الأردنية بعد فتح معبر نصيب إلى مليار دولار، بينما أشار وزير الدولة لشؤون الاستثمار الأردني مهند شحادة إلى أهمية افتتاح معبر نصيب من أجل انخراط الأردن في عملية إعادة الإعمار في سوريا.

ويعد معبر نصيب من أهم المعابر البرية في المنطقة، حيث يتحكم بحركة تجارة الترانزيت البرية بين تركيا والخليج، كما أنه منفذ مهم للصادرات الأردنية. وقد تم التركيز على الأبعاد الاقتصادية لهذا الحدث في وقت عصيب على دول الجوار السوري اقتصادياً، خاصةً الأردن ولبنان.

وبعد أن شكّلت الأوضاع في سوريا نفسها، وتواجد اللاجئين السوريين في دول الجوار، تحديداً في لبنان والأردن، الشمّاعة الأسهل لحكومتي البلدين عند الحديث عن التراجع الاقتصادي وارتفاع الديون وانخفاض مستوى الخدمات إلى منسوب الصفر أحياناً، يبدو الحديث عن توزيع المكاسب المحتملة من عملية إعادة الإعمار في سوريا الطريقة الأنسب لخلق آمال لدى مواطني البلدين بتحسين الأوضاع الاقتصادية في المستقبل القريب. ويبدو أن استراتيجية الحكومة الأردنية بالتحديد بدأت بالمراهنة على دور في هذه العملية لإنعاش اقتصاد متعب ويعاني من مشاكل خطيرة، لكن الحديث عن الأصوات المرتفعة في الأردن ولبنان قد يكون مضللاً، إذ تُظهر التحركات السياسية لدول الإقليم، والتي كانت تقليدياً في موقف مناهض للنظام السوري منذ انطلاق الثورة، توجهات مماثلة، وبعد أن كان عنوان المرحلة الماضية خلال السنتين الماضيتين هو تراجع الاهتمام والانخراط في القضية السورية من قبل دول الإقليم، يبدو أن الملف الاقتصادي هو محرك أساسي لانخراط الدول من جديد في سوريا.

في المقابل، فإن وقائع الأوضاع في سوريا، وعلى الرغم من سيرها نحو تهدئة شاملة بعد اتفاق إدلب، لا تُظهر مؤشرات حقيقية على قرب حل أو انبعاث مناخ سياسي يسمح ببدء عملية إعادة الإعمار، فالتصعيد الأمريكي ضد طهران وتركيز استراتيجياتها على محاربة نفوذ إيران في المنطقة، وتعثر المسار السياسي يظهر أن الأجواء لازالت بعيدة عن الاستقرار الذي يتطلبه بدء الحديث عن عملية إعادة الإعمار، التي قد تفاجئ الكثيرين بأنها لن تكون بالحجم الذي يتوقعونه.

فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي مني بها الاقتصاد السوري، وعلى الرغم من نسبة الدمار العالية جداً نتيجة عمليات القصف الممنهجة التي نفذتها قوات النظام في كثير من المناطق السورية، فإن بدء عملية إعادة إعمار بحجم هذه الخسائر يتطلب شروطاً سياسية غير موجودة في الوقت الراهن، ولا يبدو أنها ستكون متوافرة في المستقبل القريب، خاصة أن ثلاثي أستانا (موسكو وأنقرة وطهران) لا يبدو مستعداً للانخراط في عملية تفاوض جدّية مع واشنطن تسمح بمثل هذه الشروط.

وقد يكون التعويل الروسي على دعم أوروبي لمثل هذه العملية مجرد وهم، ففي وقت ستكون دول مثل ألمانيا وفرنسا مستعدة لتقديم المساعدات الإنسانية لكنها، بالتأكيد، لن تنخرط في عملية إعادة إعمار واسعة، دون تحقق شروط من بينها عودة اللاجئين، والتي أصبحت أصعب، وتزداد صعوبتها يوماً بعد يوم.

هذا ويظهر أن استراتيجيات النظام التي يعتمدها فيما يسميه «إعادة الإعمار» قائمة على خلق فرص لمشاريع استثمارية تنخرط فيها رؤوس الأموال التابعة له بشكل مباشر، مثل المشاريع التي تقيمها شركة أمان القابضة المملوكة لرجل الأعمال سامر فوز، مع محاولة لاستجلاب استثمارات صينية وتقديم مكاسب لروسيا وإيران من خلال توقيع عقود استثمار في مجالات استراتيجية مثل الموانئ والاتصالات.

صورة مثل هذه تظهر مدى الأوهام التي تُعلّق على عملية إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي على نظام بشار الأسد، باعتبارها ضرورة اقتصادية، بينما نحن أمام هروب إلى الأمام، خاصة إذا ما كان الحديث عن حكومة الأردن.

الخطير بالنسبة لهذه الآمال/الأوهام أن تسريع الانفتاح الاقتصادي على النظام سيظهر الحقائق، وفي الوقت الذي تحدثت فيه الصحافة الأردنية عن عوائد المعبر فيما ركزت الحكومة الأردنية على ارتفاع الصادرات من البلاد، لا تبدو الأرقام قادرة فعلاً على تغطية عجز مثل هذه الاستراتيجيات الفارغة من أي مضمون حقيقي.

بعد فتح معبر جابر/نصيب بين الأردن وسوريا في الخامس عشر من الشهر الحالي، لا يبدو أن فتح المعبر سيقدم أي شيء للأردنيين عدا قدرة بعض سكان المناطق الحدودية من شراء الخضروات بسعر أرخص من الجانب السوري.