أيام من صيف حمصي عصيب

 

1

نحن في يوم السبت السابع عشر من شهر تموز، قبل يومين من عيد الأضحى. الساعة الخامسة عصراً، والكهرباء لم تأتِ منذ تسع ساعات. البراد أصبح مثل النملية، واللحمة التي كَلَّفتْها أكثر من عشرين ألفاً تحوَّلَ لونها إلى الأزرق وأصبح لها رائحة تثير الغثيان. رغم ذلك، قامت تلك السيدة بتحميص اللحمة ووضع الملح والفلفل الأسود عليها عسى أن تصبح سائغة للأكل. وضعت اللحمة الفاسدة المقلية والمملحة في صحن بلاستيكي، لكنها ما إن رأت أبناءَها حتى انقبض قلبها ورمت اللحمة في كيس أسود عتيق. نزلت المرأة إلى السوق في السادسة عصراً، وعند اقترابها من الساعة تفاجأت بعشرات العناصر المدججين بالأسلحة، وإلى جانبهم سيارات سوداء مفيمة وضباط بنجوم كثيرة ينظمون العناصر على مداخل ساحة الساعة الجديدة. اعتراها خوف قديم من العساكر والضباط فأسرعت المسير، وأثناء عودتها إلى بيتها في سرفيس طريق الشام فتحت جوالها وتصفحت حسابها على فيسبوك، كانت جميع الصفحات تشتم وزير الكهرباء لأن الكهرباء ظلت مقطوعة طيلة اليوم والحرارة لاهبة وكثير من المؤونة فسدت في البرادات. فتحت المرأة التعليقات على منشور في صفحة نادي شباب حمص الموالية التي كانت تشتم وزارة عرنوس ووزير الكهرباء وتكيل لهم تهم الفساد، فوقعت عينها على تعليق يقول بأن ما يحدث ليس سببه الوزارة بل الرئيس وأنه هو المسؤول. في تلك اللحظة انهالت على صاحب التعليق شتائم يقول أصحابها إنّه لولا «الفورة» لما وصلنا إلى هنا، وإن «الفوّار» الخونة الذين يريدون الحرية هم الذين تسببوا بالأوضاع المزرية التي يعيشها الناس، وبأن بشار حماهم وهم يريدونه وسيبقى داعساً على رؤوس الخونة رغم أنف كل الدول والمؤامرات. شعرت المرأة بمرارة في حلقها ولوهلة شعرت أنها مشمولة بالاتهام، ألغت متابعة الصفحة ثم أغلقت جوالها وضيقٌ في صدرها يخالطه حزن على اللحمة المرمية وعلى مؤونة البزاليا التي لا بدّ أنها فسدت الآن.

2

ما زلنا في يوم السبت وبقي يومان على حلول العيد. الساعة الآن التاسعة مساء، الشوارع المحيطة بالساعة الجديدة مقطوعة والناس يمرون وسط الطرقات دون أن يخشوا مرور السيارات، رجالٌ مسلحون يرتدون الأسود وآخرون يرتدون الأخضر بعيون مفتوحة عن آخرها يراقبون المارين. عند الساعة الجديدة تماماً نُصبت منصة وقف فوقها مطرب مغمور مع فرقته الموسيقية، يغني أغانٍ حماسية صاخبة فرحاً بأداء قسم الرئيس العظيم. كان المطرب يدعو الناس كل عشر دقائق لأن يصفقوا على شرف القائد بشار ووالده الخالد حافظ، وبالمعية أن يصفقوا لصمود أهل حمص العظيم. حول المنصة وُضعت عدة كراسٍ بيضاء بلاستيكية جلس عليها بعض الضيوف المهمين، والمهمون هنا وجهاء من المدينة مقربون من النظام. على بعد عدة أمتار تجمَّعَ عشرات من الشبان والعائلات وهم يأخذون صور سيلفي قرب المنصة التي نُصبت عليها بروجكتورات بأضواء ملونة وبفلات ضخمة لتنقل الحفل العارم السعيد بأداء قسم الرئيس. على بعد أمتار أخرى من الساعة الجديدة وصولاً إلى سينما حمص المدمرة والسوق المسقوف المُرمَّم حديثاً كانت الشوارع مقطوعة أيضاً، وآحادٌ من الناس يعبرون الطريق. أمام المحلات القليلة المفتوحة قرب كافتيريا الشلال الشهيرة، المدمَّرة أيضاً، جلس أصحاب المحال المفتوحة هناك أمام محالهم وهم يشربون الشاي بانتظار الزبائن الذين لا يأتون، ليس سوى العساكر والأمن وبعض الناس يمشون، خمسة عساكر بالكاد خطت شواربهم ببشرة سمراء محروقة ووجوه عابسة كانوا يأكلون البوظة وهم يجلسون على طرف الرصيف، على بعد أمتار منهم كان بضعة شبان يمشون ضاحكين باتجاه الحفل الصاخب وهم يدفعون الكرسي المتحرك لصديقهم المقعد الذي جلس عليه، وهو يتلفت إليهم كل دقيقة ويطلق النكات. إحدى النساء المارات أشارت إلى ابنتها قائلة بأنه خسارة هذا الشاب الوسيم أن يكون على كرسي متحرك، لكنها حين اقتربت منه ورأت كنزته القطنية التي رسم عليها العلم السوري وصورة بشار التي بجانبها صقرٌ جارح، شعرت بأن الشفقة تلاشت من قلبها تماماً من دون أي تبكيت للضمير، نظرت شزراً إلى الشبان وصاحبهم بالكرسي المتحرك، ثم تابعت سيرها نحو بيتها المهلهل في شارع الحميدية حيث ينتظرها هناك صورة زوجها الميت وثلاثة أبناء.

3

نحن الآن في يوم وقفة عيد الأضحى، الساعة الثانية عشر ليلاً. مناطق وسط المدينة (الدبلان- الحمراء- الملعب) تغص بالنساء والصبايا والشبان العشرينين الذين يتجولون وهم يتناولون الشاورما ويدخنون. في بداية شارع الدبلان الشهير وُضعت بفلةٌ ضخمة تَصدح بأغانٍ تُمجّد بشار وصموده ومحبة الناس له واستعدادهم للتضحية بكل ما يملكون من أجل عينيه الزرقاوين. كثيرٌ من السيارات الفارهة التي تمر وحتى سيارات السوزوكي الصغيرة تضع على واجهتها صورة بشار بوضعيات حالمة تحتها عبارة «مكملين معك»، صور بشار تملأ الزوايا والشوارع رغم انتهاء حملته الانتخابية ورغم إزالة الكثير منها بعد «فوزه الجماهيري الساحق» على منافسيه. أمام حديقة الدبلان وقفت سيارات مصفحة وانتشر عناصر الشرطة والأمن بأسلحتهم وهم يتجولون باطمئنان بين المارة ويتناولون أكواز الذرة الساخنة ومشروب السلاش الملون ويدخنون. الحرارة خانقة والمحال ممتلئة عن آخرها بالمتسوقات والمتسوقين، يتساءل أحدهم ببراءة قائلاً: إن كان الناس هنا يشكون الفقر ليل نهار فمن أين لهم المال حتى يتسوقوا ويشتروا بعشرات آلاف الليرات؟، يجيبه آخر بأن هؤلاء الناس لا يمثلون الشريحة الكبرى من أهل المدينة الذين لا يملكون ترف الشراء. تقف متسولة صغيرة ترتدي مزقاً مهلهلة وشالاً مهترئاً، تضع ذراها على كتف أختها الأصغر أمام محل فخم يبيع أحذية بكعوب عالية وقمصان ناعمة يتجاوز سعر الواحد منها سبعين ألفاً وهما تأكلان البزر وعيونهما تلمعان. الكهرباء مقطوعة عن معظم شوارع وسط المدينة وأصوات المولدات تصم الآذان، محل الدروبي الشهير المتخصص ببيع الدخان في وسط شارع الغوطة ممتلئ عن آخره بالشبان والرجال والنساء، الذين يسألون عن الفحم والمعسل ودخان الإليغانس الفضي المقطوع ودخان الماستر الفضي المقطوع أيضاً وغيرها من أنواع الدخان الأجنبي التي فقدت بين ليلة وضحاها ويبحثون عن بدائل بنفس الأسعار. أرطال الفحم وُضعت بجانب المحل وتَرك هبابها ظلالاً سوداء على الرصيف. الكثير من الشبان والرجال اعتادوا شراء الحمراء الطويلة أو الحمراء الكرتون، لأنها أرخص من غيرها، رغم رداءة مذاقها وانطفائها عدة مرات أثناء شربها. الدخّان وسيلة الجميع لتزجية الوقت واللهو والنسيان. في وسط شارع الغوطة أيضاً، قرب ملحمة المهباني الشهيرة، انتشرت رائحة الخرفان التي جُمعت من أجل ذبحها صباح يوم العيد. الخراف السمان متكدسة في مساحة صغيرة تأكل الخضار البائت المرمي على الأرض المتسخة، وإلى جوارها يقف رجل يضع عقالاً أبيض مرتدياً «جلابية» رماديّة عتيقة وهو يربت على صوف الخراف السمان مثل أم رؤوم. الخراف ينتظرها مصير محتوم ولا تدرك ما الذي سيحصل لها بعد ساعات. مشهدُ الخراف المتجمعة في مساحة صغيرة وهي تأكل قمامة الخضراوات بانتظار ذبحها أثار في نفس أحد المارين غصة لم يستطع أن يفهم كنهها تماماً، لكنه لم يفكر بالأمر لأكثر من دقيقة قبل أن يمسح أنفه بيده مبعداً الرائحة الكريهة عنه ثم يمضي بسرعة غارقاً في عتمة الطريق.

4

في صباح يوم العيد ومع السكاكين التي انهالت على رقاب الخراف المعدة للذبح المحتوم، كانت التدابير جارية على قدم وساق لإغلاق الطرقات التي توصل إلى جامع خالد بن الوليد. أحد الرجال الستينين انطلق من بيته الكائن بجانب دوار الجوية في طريق حماة لأداء صلاة العيد في جامع خالد بن الوليد، لكنه فوجئ بدوريات هائلة تقطع الطرقات مانعة إياه من العبور. عاد الرجل إلى بيته بعد أن ضرب تحية للعناصر المسلحين. بعد أداء بشار صلاة العيد في جامع خالد بعدة ساعات كتب أحد الشبان متحمساً على صفحته في فيسبوك بأن «سيادة الرئيس صلى في أكبر معقل "لهم" ودعس على رؤوسهم»، وبأنهم «انتصروا بفضل صموده ولم يبق سوى تطهير إدلب من المسلحين». في التاسعة صباحاً ارتدى الرجل الستيني ثياب العمل وركب سيارته الأجرة بحثاً عن زبائن صباح العيد، هو واحدٌ من القلائل الذين يملكون سيارتهم الأجرة ويسترزقون منها في ظل نقص المحروقات. بعد جولة في أحياء وسط المدينة وصولاً إلى حي الوعر، أوقفته أخيراً في شارع الفردوس في الوعر عائلة مؤلفة من رجل أربعيني وزوجته وابنتيهما، أخذ الرجل يجادل السائق حول المبلغ الذي يريده ليصل إلى حي الادخار، قال له السائق بأنه لا فرق وسيقبل منه أي مبلغ سيعطيه. في الطريق تحدث السائق عن ذهابه صباحاً باتجاه جامع خالد بن الوليد وكيف أنه وجد الطريق مقطوعاً، ثم أخذ يتحدث عن الأوضاع السيئة التي تعيشها البلاد. تابع قائلاً إنه زوّجَ ابنته مؤخراً وتكلَّفَ بكل مصاريف الزواج لأنّ زوج ابنته رجل آدمي لكنه فقير. صمت السائق قليلاً وقال إنه يريد أن يفرح بابنته لأن بقية أولاده «راحوا»، سأله الراكب إن كان يقصد بـ«راحوا» أنهم مسافرون، أجاب السائق: «بل هم أموات»، قائلاً إن «الحكومة» قتلتهم وإن ابنه البكر مات في السجن تحت التعذيب بعد أن سحقوا جمجمته حتى غابت معالم وجهه، وابنه الثاني أصرّ أن يسافر إلى مدينة ثانية كي يجد عملاً له، وعلى طريق حمص طرطوس خطفوه ثم وجدوا جثته بعد أيام. رفضَ الأب استلام جثة ابنه، كانت مليئة بآثار التعذيب. حين وصلت السيارة إلى وجهة الراكب في حي الادخار كان السائق قد شرع بالبكاء والدموع تنزل من عينيه مثل الحبال، ورغم تعاطف الراكب الحقيقي معه إلا أنه كان يتحسس جيبه وهو يفكر بالمبلغ الذي سيعطيه، أخرجَ الراكب من جيبته ألفي ليرة وأعطاها للسائق الذي لم ينظر للمال، أخذه من دون أن يعدّه ووضعه في جيبه وسحب عدة محارم ليمسح الدموع. فرحَ الراكب بأن السائق رضي بالمبلغ القليل وبأنه وصل إلى وجهته البعيدة دون جدال. حاولَ وهو يترجل من السيارة أن يواسي السائق ببعض الكلمات، لكن السائق لم يلتفت إليه وتابع البكاء. وصل الراكب إلى وجهته حيث سيزور أقاربه ليهنئهم بحلول العيد، بينما تابع السائق تجوله في الطرقات وهو يستذكر ابنيه الشهيدين ويمسح عن خديه المتغضنين خيوط الدموع.

 5

في الأول من شهر آب الماضي ركب أبو عارف سيارته «السرفيس» وانطلق بها إلى قرية في ريف حمص. مهمته اليومية أن يوصل معلمات إحدى المدراس الابتدائية إلى وجهتهنّ كل صباح. بين الفينة والأخرى يلقي أبو عارف التحيات على أشخاص يرتدون ثياباً مدنية وآخرين يرتدون ثياباً عسكرية. إحدى المعلمات اعتمدت الجلوس إلى جانبه، وسرعان ما أخذ أبو عارف يتحدث إليها، وفي كل مرة كان يسلم فيها على أحد، كان يلتفت إليها قائلاً: هذا صهري في المخابرات الجوية، وهذا ابن أخي في الفرقة الرابعة، وهذا ابن عمي في اللواء 9، وهذا أخي في المفرزة. تمتلئ المعلمة بالرعب من أبو عارف ومعارفه، رغم أنها حين تنظر إليه، وإلى ثيابه المهلهلة، ورائحة العرق الوخازة التي تفوح من قميصه العتيق المهترئ، إضافة إلى أسنانه السوداء المكسرة داخل فمه، وعينيه الصغيرتين الودودتين تحت نظارتيه السميكتين، كل ذلك لم يكن يوحي للناظر إليه أنه قد يحمل شروراً ما، أو ضغينة ضد أحد، أو أنه مثلاً يحمل في جيبته مبلغاً يتجاوز عشرة آلاف ليرة يحرص عليه، لكن هذه لم تكن الحالة أبداً مع أبو عارف، فهو على الأقل قد آذى عدة أشخاص خلال حياته، إما وشاية أو ضرباً أو غير ذلك. هو يكره الحكومة جداً، ويحقد عليها لأنها فاسدة، لكنه يحب قائد الوطن ويرى فيه الخلاص. مؤخراً، كان يتصل به صباحاً ومساء بقية السائقين الذين يقودون على الخط نفسه لكي ينظموا إضراباً ضد «الحكومة» كي ترفع لهم تعرفة ركوب السرفيس. يرسل لهم أبو عارف على مجموعة الواتس مقطعاً من مسلسل ضيعة ضايعة عنوانه «العين الحمرا»، يكتب له بقية السائقين على مجموعة الواتس ردّاً على المقطع: «لعيونك يا بو عارف، أبشر يا بو عارف، وصِلتْ يا بو عارف». هم يسيرون وراءه ويتّبعون تعليماته حين سيعتمدون الإضراب.

6

في الثامن من شهر آب، وأثناء مشواره الصباحي لإيصال المعلمات إلى مدرستهنّ في ريف حمص، التفت أبو عارف إلى المعلمة التي بجواره وقال لها ساهماً: «الوزير طلال البرازي مليح وقلبه طيب وكبير»، ثم طفق يحدثها عن لقائه المطول بالوزير البرازي، وكيف أنّ الوزير انتفض غضباً لأن أحد السائقين لم يستطيع أن يدفع ثمن جرعات الكيماوي لابنته الصغيرة، حيث أمر البرازي بمكرمة منه أن يتم صرف ثمن الجرعات للابنة، وأعطى رقماً ساخناً للسائق في حال أي شيء اضطراري يحتاج إليه. المعلمة أنصتت إليه باهتمام، لأنها تعلم تماماً أنّ كثيراً من المؤيدين في حمص لا يحبون البرازي منذ أن كان محافظاً للمدينة لمدة سبع سنوات من 2013 إلى 2020، لاسيما أنّ كثيراً منهم يرون أنه لم يقدم شيئاً للمدينة إضافة إلى أنه لم يستطع حماية بعض الأحياء الموالية من التفجيرات التي طالتها بين عامي 2014 و2016. كل ذلك جعل المعلمة تتفاجأ بموقف أبي عارف الصادم، لذا، في العاشر من شهر آب وبعد ظهور التشكيلة الوزارية الجديدة، انتظرت المعلمة رأي أبو عارف فيها، لكنه اكتفى بالقول إن «الدولة فاسدة وتريد أن تعذبنا»، و«البرازي ما مليح والحمدلله شالوه». بالنسبة للمعلمة، ليس سوى المؤيدين من كل الأطياف يتابعون تغيرات الوزراء والتشكيلة الوزارية الجديدة، وبالنسبة لهم فإن بشار «مليح» لكن الوزراء من حوله فاسدون ولا يتقيدون بتعليماته، وهو مُغيَّب عن كثير مما يجري ومما يقترفه وزراؤه باسمه. تذكر المعلمة تماماً ما كتبته إحدى قريباتها على حسابها في الفيسبوك إثر ضيقها من الأوضاع: «يا ريت رئيسنا ياخد عيوني ويشوف شو عم يصير فينا». أما بقية الناس فيدركون تماماً أن لا تغييرَ جوهرياً على الأرض، وأنها لعبة استبدال أسماء بأسماء أخرى لا أكثر ولا أقل، وأنه لا يهم أي وزراء سيأتون وأي أسماء سيضعون، لأن الحال السيء والتضييق والفقر والعوز أكبر من وزير هنا ووزير هناك. هذه المرة أبو عارف همس في أذن معلمة أخرى عن رأيه في الحكومة الجديدة بقيادة عرنوس، لم يتناه إلى سمع المعلمة التي اعتادت الجلوس إلى جواره سوى كلمات تقول «سيئة، بهدلة، نفس الوجوه؟» وإلى ما هنالك. في المرات التالية لصعود المعلمة بجانب أبو عارف، كان قد بدأ يصبح أكثر ارتياحاً معها، فأصبح يتحدث بصراحة أكبر، منتقلاً من «نحن وأنتو» إلى «نحن العلوية وإنتو السنة». أثناء طريقهما، أشار أبو عارف إلى طريق ترابي يفصل بين منطقتين، وأشار إلى فسحة ترابية، وقال إنه هنا كان يحمل البارودة ويحمي الضيعة من هجمات المسلحين. رنّ جوال أبو عارف مراراً أثناء حديثه مع المعلمة، في البداية لم يردّ على أي من المكالمات، ثم ردّ أخيراً، كان كلماته مقتضبة: «طيب.. بسيطة»، أدار وجهه للمعلمة وقال عابساً بأن بعض أصدقائه من «الشوفيرية» أضربوا عن العمل اليوم من دون التقيد بتعليماته، وبأن الأمن ألقى القبض على واحد منهم لأنهم وجدوا في سيارته 6 «بيدونات» مازوت، ثم ابتسم وقال بأن لا داع للقلق، لأن ذاك السائق سيبقى عدة أيام ثم يخرج «متل العادة». لكن في الاتصال التالي الذي تلقاه، كان وجهه قد أصبح أكثر قلقاً، صمت أبو عارف قليلاً ثم التفت إلى المعلمة وقال لها بإنه لن يسمح لزملائه بأن يكون هناك إضراب هذه الفترة لأن الأوضاع لا تبشر بخير، وأنه في أقسى الأحوال فليستلم كل من السائقين مخصصاتهم من المازوت ثم يبيعونها وهم جالسون في بيوتهم لأنّ ذلك أشرف لهم، وقال إنه كما أنّ الناس تعاني من أجل الحصول على المواصلات، كذلك هم يعانون من أجل الحصول على قوتهم. لم تُعلّق المعلمة بشيء، لكنها لم تفهم تماماً سبب هذا البوح المستمر من قبل أبو عارف لظروفه أمامها، وهكذا قررت أن لا تجلس إلى جواره بعد الآن كي لا تتورط بالاستماع لكلامه حتى، لكن أبو عارف رغم ذلك، ورغم أن المعلمة التي أصبحت تجلس بجانبه تغيرت، إلا أنه استمر بالحديث والبوح عن كل ما يجري معه أمام كل من يجلس بجواره، ولا يفتأ عند أصغر موقف أن يهدد من يضايقه، أو يضايق أي من المعلمات اللاتي يوصلهن كل يوم، بأن أخاه في المفرزة وصهره في المخابرات الجوية وابن أخيه في الفرقة الرابعة.