أين أصبحت حكاية ما قبل النوم؟

 

مَنْ منّا لا يذكر قصة ليلى والذئب أو لم يسمعها من أحد أفراد أسرته، القصة التي تتجاوز في دلالاتها مسألة طاعة الأم، إلى حتمية تغلّب الخير على الشرّ عبر شخصية الصياد، الذي ينقذ ليلى بطلة القصة ويعيدُ التوازن إلى مسار الأحداث. أو قصة علي بابا والأربعين حرامي، أو بائعة الكبريت، أو أي واحدة من القصص التي دَرَجت على حكايتها لنا أمهاتنا وجدّاتنا، فأغنت ذاكرتنا ووجدننا بالصور، وأتاحت لنا اكتساب العِبَر.

انكمشت هذه العادة شيئاً فشيئاً في عموم المجتمعات السورية، لتغدو في وقتنا الراهن نادرة جداً، وذلك لأسباب وعوامل عديدة سيحاول هذا النص تناولها.

تراجع الحكاية مع تراجع القراءة

كانت دار الكتب الوطنية في حلب، التي أُنشئت عام 1924، تحتوي عشرات المطبوعات التي قد يجد فيها الآباء والأمهات ما يحتاجونه لإغناء مخيلتهم بقصصٍ متنوعة محلية وعالمية يحكونها لأبنائهم، وكانت تضمّ قاعتين للمطالعة، وثالثة للمحاضرات. كان السيد فائز أطلي، (65 عاماً) من أهالي مدينة حلب، من رواد هذه المكتبة الدائمين في شبابه، وهو يذكر جيداً المدى الواسع لانتشار عادة حكاية القصص للأطفال في حلب، وارتباط هذا بانتشار عادة القراءة نفسها. يقول أطلي الذي التقيته في مدينة غازي عينتاب التركية: «لم تقتصر هذه العادة -روي الحكايات للأبناء- على طبقاتٍ معينة كالمهتمين بالتعليم أو الأثرياء، إذ دأبت فئة ليست قليلة من السوريين عليها، وكانت بالنسبة لهم أشبه بطقسٍ يومي، يبعث على التسلية واختبار الحكمة في آن، وحتى الآباء الأميّون كانوا يطلبون من أبنائهم قراءة الكتب والقصص لهم بعد تمكّنهم من القراءة، ما يشي بوجودها وتغلغلها في المجتمع السوري كوسيلة وأداة فاعلة للتنوير وإكساب واكتساب المعرفة».

أضاف أطلي: «لم تكن هذه العادة حكراً على النساء فحسب، بل كانت أيضاً مهمة الرجال من الآباء والأجداد الذين كانوا يجمعون أطفال العائلة غالباً في المساء ويروون لهم القصص والحكايات، وأشهرها قصص عنترة وعبلة، الزير سالم، وحكايات من الأدب العالمي كبائعة الكبريت، وكوزيت (البؤساء)، غيرَ أن طابع العفوية في الطرح كان يتغلّب على بعض الجلسات العائلية التي تختلف بطبيعتها عن جلسات الحكواتي في المقاهي. بعض الأجداد كانوا ينسجون قصصاً من واقعية الحياة، وبعضهم الآخر كان يذهب إلى تغيير حبكة القصص أو خواتيمها بما يتواءم مع الفئة العمرية للأطفال الموجّهة لهم».

يذكر السيد أطلي، وكثيرون غيره ممن التقيتهم للسؤال عن هذا الأمر، كيف تراجعت هذه العادة بشكل تدريجي منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وكيف كان تراجعها متزامناً مع تراجع عادة القراءة نفسها. ولا شكّ أن ثمة ترابطاً بين الأمرين، وأن تراجع القراءة ومعها موقعُ الثقافة عموماً في حياة المجتمع السوري، قد كان أحد أبرز العوامل التي قادت إلى انقراض هذه العادة.

تفيد دراسة صادرة عن منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان العقد الضائع منتصف عام 2016 بأنه: «بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، قام بحظر جميع الصحف المستقلة وكانت تتجاوز الـ 50، وعلى مدى السنوات الأربعين التالية، فإن ثلاث صحف فقط وجدت في سوريا، وجميعها كانت تتبع الحزب: البعث (الناطقة الرسمية باسم الحزب منذ عام 1947)، الثورة (يومية تصدر عن حزب البعث منذ عام 1963)، وتشرين (يومية تصدر عن حزب البعث منذ عام 1973)».

ربما يكون هذا المثال كافياً للدلالة على التراجع الكارثي للقراءة والثقافة والعناية بالشأن العام في سوريا خلال أربعين عاماً، ويستذكر السيد أطلي معنا هذه المرحلة الطويلة التي تشمل نحو ثلثي حياته بعبارة مقتضبة: «بعد وصول البعث إلى الحكم، تدريجياً لم يبقَ في متناول أيدينا سوى مطبوعاته أو المطبوعات التي يوافق عليها». هيمنَ البعث بالتدريج على كل مفاصل الحياة في البلاد، وخاصة بعد انقلاب الأسد، ثم جاءت عهود القمع الرهيب في الثمانينات ومعها الحصار الاقتصادي وتراجع مستوى دخل عموم السوريين، لتُشيع أجواءً من فقدان الأمل، ومعه فقدان الإيمان بالثقافة والقراءة كوسيلة للتغيير والترقي الاجتماعي. ورغم أنه تمّ إلحاقُ مكتبات صغيرة بمعظم المدارس في المحافظات المركزية، إلا أن الخطّ التعليمي المُتّبع لم يكن يولي في حقيقة الأمر أيّ أهمية للقراءة كعادة ضرورية، بل كانت مكتبات المدراس تلك أشبه بالديكور، وقد تزامنَ ذلك مع حقبة اجتياح التلفزيون للمجتمع السوري منذ أوائل التسعينات، الذي كان وسيلة ترفيه أسهمت إلى حدٍّ كبير في مزيدٍ من تقليص هذه العادة بين الأمهات والآباء، حتى باتت تقترب من الاختفاء رويداً رويداً.

تراجُعُ الثقافة ودورها في الترقي الاجتماعي، مع انتشار وسائل تسلية بديلة تتمثل في التلفزيون ثم الإنترنت لاحقاً، كلها عوامل قادت إلى تراجع عادة قصّ الحكايات للأطفال قبل النوم حتى كادت تنقرض، لكن هذا التراجع لم يكن شاملاً، بل ثابر بعض الأشخاص على تلك العادة، وكانت بالنسبة لهم مرادفاً للمدرسة ولأي منبع آخر يمكن أن يتعلم الأطفال من خلاله.

أين حكايات الأطفال في المجتمع السوري اليوم

اعتادت غادة جمعة، وهي مدرّسة وناشطة اجتماعية سورية، على رواية القصص القصيرة لأطفالها قبل نومهم، وكانت لأجل ذلك تُطالع كثيراً وتحاول إغناء ذاكرتها بأفكارٍ وقصص مفيدة، كي لا تقع في إحراج أثناء تهيئة أولادها للنوم، وتعتبر غادة أن هذه العادة كانت سبباً رئيساً في نجاح أولادها الثلاث (شابين وفتاة) وتحقيقهم تميّزاً على المستوى العلمي.

تقيم غادة (60 عاماً) في مدينة غازي عنتاب التركية، وتنشط في العديد من المجالات المدنية والثقافية، وهي منتسبة أيضاً لـ (كورال حنين) الذي يضمّ مجموعة من النساء السوريات اللواتي يحيين أمسيات غنائية تراثية متنوعة في تركيا. تقول لـ الجمهورية: «من خلال نشاطي أتعرف يومياً على نساء وأمهات سوريات، ولاحظتُ أنهنَّ لا يحكينَ لأبنائهنّ قصصاً قبل النوم، وفي إحدى الجلسات النسائية السورية سألتهنّ عن أسباب نأيهنَ عن هذه العادة على الرغم أهميتها؟! كانت الإجابات متباينة، إلا أنها بالمجمل تدلّ على قّلة اهتمام. بعضهنَّ اعتبرنَ أن هذه الممارسة ثانوية، ولا مكان لها أمام اكتساح التكنولوجيا عقول الأطفال وسيطرتها على مجمل نشاطهم اليومي التعليمي والترفيهي».

تعتبر غادة أن هذه العادة (قراءة أو رواية القصة القصيرة للأطفال قبل النوم) كانت من أهمّ الوسائل الترفيهية للأطفال من الأجيال السابقة، وعادةً ثابرت عليها الجدّات، أمرٌ مهمٌ جداً، ويؤسّس لعلاقة صحية ومثالية بين الأم وأولادها، كذلك يوسّع فهمهم ويزيد من قدرتهم على التعلّم والاستنتاج، ذلك لما تحويه القصص القصيرة من عِبَر وحبكات تساعد الطفل على فهم الحياة والتعلّم واكتساب الفضيلة.

قالت: «أعزو النجاح الذي حققه أولادي في تحصيلهم العلمي وعملهم إلى مواظبتي على رواية القصص القصيرة لهم يومياً. هذه الممارسة ضرورية في السلم فكيف ونحن اليوم نعيش تغريبة قصوى على كل المستويات، ويتعرّض الأطفال السوريون لعنف يومي، سواء من هم داخل سوريا، أو حتى اللاجئون الذين لا يعيشون حياة طبيعية بالمطلق. الأطفال السوريون اليوم بحاجة إلى بناء علاقات سليمة مع محيطهم وأهلهم وأصدقائهم وكل من حولهم، هم لم يدركوا معاني الحياة الطبيعية والقيم الاجتماعية، لذا لا بدّ من إغناء مخيلتهم بقصص قصيرة ذات فحوى، تحكيها الأم -برمزها وقداستها- لأطفالها فتنزع عنهم وشاح الغربة».

يؤدي تعرّضَ الطفل للتكنولوجيا لساعات طويلة إلى نوع من العزلة الاجتماعية، وبحسب عدد من المختصين الاجتماعيين والعاملين في السلك التعليمي ممن التقينا بهم، فإن «عدداً لا بأس به من الأطفال السوريين في بلاد اللجوء يعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية وتأخّر في تطوّر النطق، بسبب ابتعادهم عن الأجواء الاجتماعية والعاطفية السليمة وإدمانهم التكنولوجيا».

أضافت المُدرّسة السورية: «لا شكّ أن انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة بين الأطفال (هواتف ذكية، وحواسيب... إلخ)، أسهمَ في تصدّع العلاقة مع الأهل، الذين بات من الصعب عليهم توجيه أطفالهم، لكن ينبغي على الأمهات والآباء إيجاد الفرصة المناسبة للتواصل السمعي والبصري مع أبنائهم، وإلا فإن ما يشاهدوه على هذه الشاشات سيكون مرجعهم الوحيد للتعلّم ومراكمة المعارف والخبرات».

من جهةٍ أخرى، أرجعت غادة ابتعاد الأهل عن هذه العادة الصحية إلى الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعة على عاتقهم وأضافت: «بعض الأمهات والآباء يعانون مشكلات نفسية ولا يتعاملون بشكل متوازن مع أبنائهم، فيما يعاني بعضهم الآخر من ضغط في العمل، لذا تكون تسلية الطفل أو إلهائه عبر الهاتف أسهل من رواية القصة».

لاحظَتْ غادة أن اهتمامات السوريين وخاصة في المهجر اختلفت، وطبيعة العلاقات أيضاً، إذ أصبح همُّ الأهالي تأمين حاجيات أبنائهم المادية، فيما تراجعَ إيلاء الأهمية والمساحة للحاجات المعرفية والفكرية والروحية، وهو ما عدّته تصرفاً خاطئاً لا يمكن تبريره دائماً: «لا نستطيع القول إن كل النساء السوريات يعشنَ ظروفاً مأساوية، بعضهنَّ ظروفهنّ جيدة وينعمنَ باستقرار، إلا أنهنَّ لا يحاولنَ تغيير عادات خاطئة، نحاول -كمرشدات اجتماعيات- لفت أنظارهنّ، لكن الاستجابة تكون معدومة»، مشيرةً إلى أن «ابتعاد الأهل عن هذه العادة بالمطلق سيؤسِّسُ لجيل لا يقرأ، لأن الطفل يراقب أمه، والأم التي تروي قصصاً لأبنائها بحاجة دائمة للمطالعة، وتحضير قصصٍ جديدة لتحكيها لهم، وبالتالي يشاهدونها تقرأ فيتعلمون منها».

بِدورها أكدت هناء محمد، اختصاصية اجتماعية سورية، على صعوبة إعادة إحياء طقس حكايا قبل النوم للأطفال في عموم المجتمعات العربية، وقالت لـ الجمهورية: «على الرغم من بساطة هذه الممارسة، غير أن تطبيقها في الوقت الراهن غدا صعباً وأقرب إلى المستحيل، ذلك أن الأجهزة الذكية سدّت الحاجات الترفيهية للأطفال بالمطلق».

أضافت: «من السذاجة بمكان أن نتوقع أن تُحدِثَ التوعية (توعية الأمهات والآباء بضرورة هذه العادة) فارقاً، وهي ظاهرة تحتاج دارسة حقاً ومرتبطة بمتغيرات تأثير التكنولوجيا على كل أفراد الأسرة، فالأمهات اللواتي كان لديهنَّ في السابق اهتمامٌ بسيطٌ بالمطالعة يستعضنَ عنها في الوقت الراهن بوسائل التواصل الاجتماعي، وشتّان ما بين الكتاب/المجلة وتلك الوسائل. وجود أمهات وآباء يحكون قصصاً لأبنائهم، يعني بالضرورة أنهم لم يتأثروا بالتكنولوجيا الحديثة إلا بشكل انتقائي وفق رؤيتهم وإرادتهم، وهذا يتطلّب مستوى جيداً من التعليم والثقافة والاستقرار والظروف التي تساعد على الانتقاء والاختيار. وهنا نعود إلى نقطة البداية: كم عدد النساء والرجال السوريين الذين يتمتعون بهذه الصفات، وتتوفر لهم هذه الظروف في الوقت نفسه؟!».

ولادة حكايات جديدة!

رأيٌ آخر ربما يكون أكثر إيجابية. تقول «سلام»، وهي سيدة سورية مقيمة في تركيا تعمل مع جمعية ترعى الأطفال: «كما انتشرت بعض أهازيج الثورة الشعبية بين الأطفال السوريين في المُغتربات بشكلٍ يثير الدهشة، في الحفظ والأداء، والإحساس العميق بالكلمات ومعانيها، ستتنشر في وقت قريب حكايات من زمن الثورة، سترويها أمهات الشهداء والمعتقلين والمهجّرين قسراً، وسينشرها أطفال سوريا في مختلف أرجاء العالم، وستكون ولادة لجيلٍ جديد يدرك فحوى القصة وأبعادها».