إبرة ليّنة

 

العام 2009، المكان صالة شعيب؛ معرضٌ لبعض الرسامين الهواة، الساعة السابعة مساء، واليوم هو يوم افتتاح المعرض. كثيرٌ من الزحام؛ أحدّق طويلاً في لوحة جميلة لعازف يحمل كماناً أخضر اللون، يقترب مني الشاب الذي رسمها، يشرح لي بفخر عنها، كلانا في العشرينيات، يدخل أهلي فجأة إلى الصالة، يرى أبي ذاك الشاب واقفاً إلى جواري، يحمرّ وجهه، يقول لأمي حانقاً: «منى واقفة مع شب»، يغادر الصالة وهو يرتجف، ولا يكلمني بعدها لثلاثة أيام.

كان ذلك منذ أحد عشر عاماً، تغيّر خلالها أبي، وتغير معه آباء كثر، وأهالٍ كثر، وتغيرت بالضرورة عادات اجتماعية كثيرة، كما تغيرت بعض المفاهيم الدينية التي كان كثير منها مرتبطاً أصلاً بعادات اجتماعية متجذرة، يسألني شخص مغترب: هل حقاً هناك تراجع للدين والطقوس الدينية عندكم؟ يقصد نحن الذين نعيش في مناطق تحت سيطرة النظام. يبدو التفكير في جواب مُربكاً، أحمل السؤال وأجري به إلى من يمكنني سؤاله، ومعظم من أسألهم يجمعون بالإيجاب المطلق، حدّ البكاء بالنسبة لبعضهم، ويُرجعون ذلك إلى أسباب كثيرة ليس أولها العولمة ولا آخرها الكارثة التي حلّت بالبلاد. أسأل نفسي أيضاً السؤال ذاته، وأحارُ بالجواب لأني لا أملكه، ولا يمكنني الإحاطة به. البوصلة هنا ذات إبرة لينة مثل زنود النساء؛ أبلع ريقي حين أنتبه إلى كل تلك التغييرات التي مرّت من تحت عيوننا دون أن ننتبه، وأبلع ريقي مرة ثانية حين أجد أنّ هناك خطين متوازيين يجريان من دون توقف، لكن هناك الخط الذي يسبق دائماً، أعني ذاك الخط المتجه إلى المستقبل.

حيّ الغوطة الحمصي، بيت فاخر، ثلة من السيدات اللواتي يرتدين المانطو والحجابات البيضاء، جلّهن تجاوزنَ الخامسة والثلاثين من العمر، وجلّهن أيضاً خريجات جامعة، وموظفات، يجمع بينهنّ أنهنّ ينتمين إلى عائلات معروفة في حمص، ويجمع بينهنّ أيضاً أنّ كثيرات منهنّ لهنَّ نصيبٌ وافرٌ من العلم الشرعي. هؤلاء سيدات لا علاقة لهن بجماعة القبيسيات، وإن كانت قليلات منهنّ قد انشققنَ عنها عند الثورة، لكن باتت لديهنَّ أهداف مختلفة عن السابق ومشتركة الآن، فمعرفة السيرة النبوية وحفظ القرآن وتجويده لم تعد أموراً كافية بالنسبة لهنّ، إذ أصبح هدفهنَّ الاطلاع على الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ والسياسة.

تقول إحداهنّ إنه لا بد أن نفهم ما الذي أوصلنا إلى هنا، يجري جدال حامٍ حول شخصية معاوية وشخصية عبد الله بن الزبير، وعلى كل منهنَّ مهمة البحث في بطون الكتب وعلى الانترنت عن معلومات تساعدها في إقامة حججها. في نهاية الجلسة، تشعر الحاضرات بغبطة هائلة، ولا بدّ من ذكر أن لكلّ منهنّ مأساتها جرّاء الحرب. تختتم الجلسة بكؤوس «المغلي» التي تقدمها السيدة المستضيفة، تعبق رائحة «الشمر» واليانسون والمكسرات المحمصة في الأجواء، ترفع إحدى السيدات الكأس إلى أنفها وتستنشق..

الله...!

حي الإنشاءات، بيت صغير أنيق، الأسرة معروفة في كل المدينة، وفخورة بإرسال ابنتها في بعثة إلى خارج القطر، ما هي إلا سنة، حتى يصل إلى الأسماع أن الابنة خلعت الحجاب. سنة أخرى، الابنة أحبّت شاباً أجنبياً، الابنة تزوجت الشاب الأجنبي، الابنة تزور أهلها الآن؛ يقول الأهل «لا نريد ان نخسر البنت». تكثر الحكايات عن الفتيات اللواتي خلعن الحجاب، لاسيما اللواتي يسافرن، أو حتى اللواتي لم يسافرن، بالإضافة إلى أن كثيرات بتنَ يتمهّلنَ في وضع الحجاب ويتهرّبن منه حينما يحين الأوان، وذلك حسب وضع الفتاة وأهلها؛ تظل كذلك إلى أن تأتي مشيئة الأهل الصارمة، أو «تقتنع البنت» بارتدائه أخيراً لوحدها.

شارع الدبلان الشهير، تبحث صديقتي عن «مانطو» يصل إلى الكاحل. نتجول في الأسواق، معظم «المانطويات» التي تناسب الصبايا تصل إلى منتصف الساق، أو ما دونه بقليل. يجادل البائع صديقتي، ويقول لها «مشّيها عاد»، ويقترح عليها أن ترتدي جوارب سميكة تحته، أو تقطع قماشاً من لون مشابه وتضيفه إلى المانطو لإطالته. تصرخ صديقتي في البائع وتقول له بأنهم، أي الباعة، «لا يحسبون حساباً للفتيات اللواتي يُردن الحفاظ على التزامهنّ الديني». تبكي صديقتي وتقول إنها، والبقية الباقية من مثيلاتها اللواتي يردن الحفاظ على اللباس الشرعي، أصبحنَ فعلاً كالقابضات على الجمر؛ تنهمر دموع صديقتي مدرارة لأنها لا تجد ما يناسبها من اللباس، تضطر في النهاية لأن تشتري قماشاً من السوق لتفصّله بما يناسبها عند خيّاطة بارعة. «المانطو» الذي كانت معظم الفتيات والسيدات يرتدينه بدأ أيضاً بالانحسار إلى حدّ ما بجميع أشكاله، الطويل والقصير منه، حيث استعاضت عنه كثيرات من الصبايا والسيدات بارتداء معاطف أو قمصان تصل إلى الركبة، وأخريات كثيرات خلعنه تماماً، ومن شعرت بالحرج من خلعه، بادرت إلى ارتداء قمصان أو معاطف حديثة ضيقة ملونة تصل إلى منتصف الساق، وأشبه بالثوب لرقتها؛ الأسواق تعجّ بها، والصبايا يصبحنَ ملفتات للنظر عندما يرتدينها.

لكن مع هذا، فإن كل ما ذكر ويذكر هنا خاضعٌ للنسبية، حيث يوجد كل شيء من كل شيء، فها هي فتاة من منتصف جيل التسعينيات ملتزمة بارتداء المانطو، وتتحدث بحسرة عن فُرصها الضائعة في الحياة بسبب موقف اتخذته يتناسب مع التزامها. الفتاة لم تتجاوز السادسة والعشرين، وتملك صوتاً حريرياً رائقاً، لكنها تمتنع عن الغناء على العلن رغم تواجد الفرص الكثيرة من حولها لكي تستفيد من موهبتها. تقول إنها لا تريد أن تكتسب إثم سماع صوتها من قبل الرجال، وتكتفي بالغناء في بيتها أو لصديقاتها وقريباتها، أو حتى تكتفي بالغناء لي على الطرقات حين نمشي معاً فيها وتكون شبه خالية من المارّة. أستمع لها وهي تغني مقطعاً من أغنية أحبها لسناء موسى، وقبل أن تنتهي أقاطعها بحماس:

الله…!

صالة ضخمة للأعراس، العرس مقام على «مولِدٍ» بناء على رغبة الأهل. الأساس أن يقام العرس على «أغانٍ عادية»، والعرس قسمان للرجال والنساء، قليلون من تكون  أعراسهم مختلطة، وقليلون أيضاً من أصبحوا يقيمون أفراحهم على «مولِد». «الموالدية» يجلسن في زاوية قرب العروس؛ «ألو ..ألو.. يرجى من الفتيات اللواتي تظهر عوراتهنّ أن يقمن بتغطيتها وشكراً»، لكن كثيرات من الفتيات اللواتي تظهر عورتهنّ يضحكنَ ويُهملنَ النداء الآتي من الميكروفون، بينما تغطي بعض السيدات رُكبهنَّ الظاهرة من أثوابهنّ أو تنوراتهنّ القصيرة باستخدام شالات ملونة. عندما يكون العرس على «مولِد»، توضع أناشيد دينية بدلاً من الأغاني الحديثة، لكن المشكلة أن كثيراً من الأناشيد الدينية تم تلحينها ألحان الأغاني العادية نفسها، فيختلط الأمر على السامع. ورغم إدراكهم ذلك، تفضل كثيرٌ من الأسر القيام بهذا، إما لأن أهل العروسين أو أحدهما لا يحضرون مناسبات على أغانٍ، أو بناء على رغبة العريس، أو العروس، أو لأسباب أخرى من بينها وجود شخص متوفى حديثاً من العائلة.

إحدى «الموالدية»، وهي سيدة أربعينية فاتنة، ترتدي جلباباً وخماراً أسودَ بينما بناتها معروفات بأنهنّ خارجات عن التقاليد المتعارف عليها في المدينة. تمسك تلك السيدة «الموالدية» أثناء العرس بودرة لتلوين الخدود، ثم تنخفض قليلاً خلف المزهر لتلون خديها بالبودرة. تضحك السيدة عندما تراها بعض الحاضرات، وتقول لهنّ بأنها لا تستطيع الاستغناء عن أحمر الخدود، وتضيف بأنها أوصت بناتها عند وفاتها أن يضعنَ لها أحمر الخدود على وجنتيها وهي ملفوفة في الكفن كي لا تبدو صفراء قبيحة. تمسك السيدة مرآة صغيرة، ثم تنظر إلى نفسها بفخر بعد أن تضرج خداها بالأحمر، وتقول:

الله...!

صالةٌ كبيرة، سيدات وفتيات من أهل البيت متشحات بالسواد، العزاء في كثير من الأحيان يكون بالنسبة لكثير من السيدات مناسبة لتطبيق العنوان الشهير «الأسود يليق بك»؛ كعوبٌ عالية، معاطف فروٍ ثمينة، كنزات سوداء مزينة باللؤلؤ والألماس، ومانطويات قديمة مهترئة من الأسفل، كل شيء موجود. منذ سنوات بعيدة، كانت العادة أن يصاحب عزاء النساء صوت القرآن على مسجلة، لكن هذه العادة «بطلت»، بينما بقي صوت قراءة القرآن حاضراً في عزاء الرجال. تكتفي بعض النساء الآن بوضع أجزاء القرآن الثلاثين والمسابح على طاولة في منتصف الصالة، لكي تقرأ المعزيات «ختمية» عن روح الفقيد، أو يسحبن له الدعاء على المسبحة بأن يبدله الله داراً خيراً من داره و أهلاً خيراً من أهله. لكن حتى هذه العادة صارت تختفي أحياناً، فتغيب المسابح وأجزاء القرآن من الصالة، ليتحول العزاء في لحظة إلى زيارة نسائية عادية، تتبادل النساء فيها الأخبار عن زوج فلانة المفقود، وابن فلانة المعتقل، وصهر فلانة المستشهد تحت التعذيب، وابن خالة فلانة الذي مات وهو يقاتل مع الجيش، وابن فلان الفلاني الذي سافر بين ليلة وضحاها خارج البلد، وأبو فلان الذي باع كل أملاكه لكي يخرج ابنه من السجن، ولم يخرج، وعم فلانة الذي استشهد في الثمانينات وأولاده الذين في السعودية ويفكرون بمغادرتها لأن الحال هناك أصبح غير محتمل بالنسبة للسوريين.

كثيراً ما تضيع «ختمية» الفقيد وتأخذ المعزيات حصصهنّ منها إلى البيت، كل ذلك وأكثر يجري بينما قريبات الفقيد في عالم آخر، غارقات في الحزن والدموع. تنتبه إحدى المعزيات إلى ما يجري، فتأخذ على عاتقها إصلاح الموقف، وتقرأ بصوت رخيم وبالتجويد بعض الآيات من سورة الرّوم، يصمت الجميع، يعود العزاء ليصبح عزاءً، والأسود ليصبح مجردّ أسود. تتابع السيدة تلاوتها للآيات بصوتها الخاشع، وعند انتهائها تهتف بعض النساء بحسرة:

الله...!