إدلب تستعدّ لاحتمالات معركة مصيرية

 

يواصل الطيران الحربي الروسي ومعه مدفعية وطيران النظام السوري أعمال القصف والغارات بشكل يومي على مناطق عدة في ريف إدلب، وعلى وجه الخصوص في ريف إدلب الجنوبي. وقد أسفرت غارات يوم أمس عن قتلى وجرحى في كفرنبل وحزارين وترملا ومحيط سراقب وغيرها، وكانت الحصيلة الأعلى في قرية الملاجة بريف إدلب الجنوبي، التي شهدت سقوط خمس ضحايا من المدنيين وعدد من الجرحى، حسبما نقلت صحيفة عنب بلدي عن الناطق باسم الدفاع المدني.

وأول أمس السبت استهدفت غارة بالبراميل المتفجرة مشفى شام 4 قرب كفرنبل ما أدى إلى إخراجه عن الخدمة، وتأتي غارات الطيران تلك ضمن موجة تصعيد منذ بداية الأسبوع الماضي، شملت غارات على المنشآت المدنية مثل المشافي والنقاط الطبية ومراكز الدفاع المدني، بالإضافة إلى استهداف المدنيين بشكل مباشر. وقال بيان صادر عن فريق منسقو الاستجابة صباح اليوم الإثنين إن موجة التصعيد الأخيرة تسببت بنزوح أكثر من أربعين ألف نسمة من المدنيين، وهو رقم يعكس ضراوة عمليات القصف على ريف إدلب.

بالتزامن مع حملات القصف، قام النظام خلال الأيام الماضية بعدة محاولات اقتحام على جبهتين رئيسيتين، الأولى في ريف إدلب الجنوبي الشرقي والثانية هي جبهة الكبانة بريف اللاذقية الشرقي؛ وقد حاولت قوات النظام التقدم على محور تل دم بريف إدلب الجنوبي الشرقي بهدف كسر دفاعات فصائل المعارضة هناك، وتحقيق تقدم إضافي بعد التقدم الذي أحرزته الأسبوع الماضي على هذه الجبهة، إلا أن الفصائل نجحت في التصدي لقوات النظام هناك. وفي الوقت نفسه تستمر الاشتباكات العنيفة على محور الكبانة بريف اللاذقية بالتزامن مع قصف بالبراميل المتفجرة، إلا أن طبيعة المنطقة الجبلية وقدوم فصل الشتاء يصعّبان من عملية اقتحام هذا المحور الحيوي، الذي يتمتع بأهمية حاسمة في حال أراد النظام التقدم باتجاه مدينة جسر الشغور غرب إدلب.

محور ثالث من المتوقع أن يتم فتحه خلال الأيام القادمة، هو محور ريف حماة الغربي، إذ رصد تقرير لموقع المدن حشوداً للنظام على تلك الجبهة الهامة، بالقرب من معسكر جورين في منطقة الغاب، وهو ما يعطي مؤشرات على اقتراب فتح جبهة كبيرة في المنطقة التي تريد موسكو احتلالها لتأمين عمق واسع لقاعدة حميميم في اللاذقية، يحميها من القصف بصواريخ الغراد أو التعرض لغارات الدرون.

تعطي كل هذه التطورات أدلة على نية النظام بدء معركة برية جديدة على إدلب، يبدو أنها في حال انطلاقها ستكون المعركة الفاصلة، ذلك أن النظام، وعلى الرغم من نجاحه في المعركة السابقة بالسيطرة على ريف حماة الشمالي ومدينة خان شيخون جنوبي إدلب، إلا أنه لم يحرز تقدماً حاسماً يمكّنه من السيطرة على جميع المواقع الاستراتيجية والطرقات الرئيسية، ولم يتمكن من إخراج فصائل المعارضة من المشهد تماماً. ويبدو أن المعركة في هذه المرة ستشمل القتال على عدد أكبر من المحاور، وبينما لا يبدو واضحاً حتى اللحظة مصير جبهة ريف إدلب الشرقي ومحور مطار أبو ضهور، إلا أن النظام يمتلك فرصة فتح تلك الجبهة التي تتميز بتضاريس سهلية تعطي تفوقاً حاسماً لمن يمتلك سلاح الطيران، وهو الأمر الذي يعني حصوله فتح معركة كبرى من أربعة محاور، سيكون الهدف منها إنهاء كل فعالية لفصائل المعارضة، كما ستكون بمثابة إعلان حرب إبادة وتهجير جديدة على السكان، الذين لا يملكون ملجأً من القصف والمعارك بعد اكتظاظ ريف إدلب القريب من الحدود التركية بمئات آلاف النازحين.

يبدو مصير إدلب اليوم متروكاً للقرار السياسي الذي ستتخذه القوى الدولية والإقليمية، إذ أن انضواء «الجبهة الوطنية للتحرير» ضمن ما يعرف بـ«الجيش الوطني» التابع لأنقرة، سيقيد حركة فصائل الجبهة ضمن الهامش المسموح به من تركيا، التي تمتلك وسائل ضغط رئيسية أهمها التسليح وإمساك خطوط الإمداد الخلفية، كما أن تحركات «هيئة تحرير الشام» الأخيرة تعطي مؤشراً على أنها مهتمة بالترتيبات التي ستحكم المنطقة التي تعتقد أنها ستبقى من إدلب، أكثر من اهتمامها بمواجهة النظام للدفاع عن مناطق قد يكون الاحتفاظ بها مستيحلاً دون قرار تركي واضح، وهو ما يجعل تركيزها اليوم منصباً على ضمان موقعها في الترتيبات المقبلة من الناحية الاقتصادية والأمنية. وهكذا يبدو أن مئات الآلاف من السكان متروكون لمصيرهم في مواجهة قوات النظام، التي تستعد لغزو مساحات واسعة جديدة من إدلب بدعم جوي من موسكو.

يبدو اليوم أن أنقرة أقرب للموافقة على عملية للنظام بدعم روسي، يمكن أن تؤدي إلى سيطرة قوات النظام على مدن رئيسية وطرق دولية تمرّ عبرها، مع ترك الأجزاء الشمالية الغربية من إدلب، القريبة من الحدود التركية، لتستقبل عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من النازحين والسكان الذين يرفضون العيش تحت حكم نظام الأسد، وهو ما سيعني كارثة إنسانية جديدة بعد أشهر قليلة فقط من أكبر موجة نزوج شهدتها إدلب وسوريا، فيما ستقف القدرات المحدودة أصلاً للمنظمات الإنسانية عاجزة عن مواجهة هذا التحدي الهائل.

الحل ليس في يد المنظمات الإنسانية، ولا في يد أهالي إدلب، ولا في يد الفصائل التي فقدت كل استقلاليتها نتيجة سياستها الكارثية وصراعها على السيطرة والنفوذ؛ الحل فقط في يد القوى الدولية والإقليمية، القادرة على الضغط لوقف هذا المصير المأساوي في منطقة تصم أكثر من ثلاثة ملايين إنسان نصفهم من النازحين والمهجرين.

لكن لا يبدو حتى الآن أن أحداً مهتمٌ فعلاً بوقف هذه المأساة.