إدلب: درون ونصرة وخوف من اللاجئين

 

يبدو أن المخاوف من وقوع كارثة إنسانية قد دفعت البيت الأبيض لتسريع تحركاته الدبلوماسية للضغط على روسيا، التي تعتزم بدء عمليات عسكرية في إدلب ضمن حلفها العسكري مع النظام السوري. وكانت صحيفة الشرق الأوسط قد نشرت تقريراً قالت فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تنبه إلى الكارثة التي قد تقع في إدلب إذا ما بدأت العمليات العسكرية هناك، ليدفع المؤسسات الأمريكية للتحرك وبذل جهود في سبيل التخفيف من مستوى المعركة المقبلة، ويبدو أن التركيز الأمريكي، حسب التقرير، سيكون على اشتراط تسريع المعارك وتوجيهها نحو النصرة ومنع وقوع كارثة إنسانية.

من الواضح أن الهاجس الأبرز الذي يدفع إلى مثل هذه التحركات هو التخوّف من وصول أعداد النازحين من مناطق المعارك إلى ما يزيد عن ثمانمائة ألف نسمة حسب التوقعات، الأمر الذي سيؤدي إلى عجز المراكز الخدمية والمنظمات المدنية عن تلبية احتياجات السكان، ومن المتوقع أن أوضاعاً كهذه ستكون مفجراً لموجة جديدة من اللاجئين نحو أوروبا.

وفي حين أن مصادر مقربة من النظام قالت إن العمليات العسكرية ستكون بداية في محيط المحافظة لا في عمقها، إلا أن خط المعارك الذي تحدثت عنه تلك المصادر يصل إلى معرة النعمان من الجنوب وإلى جسر الشغور غرباً، أي أن المساحة المستهدفة تشكل عملياً نصف مساحة إدلب تقريباً، ما يعني أن هذه المعارك التي قد يسوّقها الروس على أنها محدودة وتشمل هيئة تحرير الشام فقط هي غطاءٌ لاستهداف مساحات واسعة من المحافظة والأرياف المحيطة بها، ما يجعل منها كارثة حقيقية لا تقل عن تلك التي ستحصل لو كانت المعارك ستشمل عمق المحافظة.

إضافة إلى ذلك فإن تكتيكات موسكو في العمليات العسكرية شملت دوماً القصف العنيف لكامل خطوط الجبهات والعمق المدني لتلك الجبهات، ما يؤدي إلى موجات نزوح كبيرة حتى في المناطق التي لم تكن على خط النار، وبالنتيجة فإن عملية عسكرية حتى بالحجم والمدى الذي يشمل جنوب وغرب إدلب ستكون لها آثار كبيرة جداً على المستوى الإنساني، خاصة أن هذه المناطق تضم أعداداً كبيرة من السكان كباقي مناطق إدلب.

هذه العمليات العسكرية، أو المرحلة الأولى منها، تهدف إلى حماية قاعدة حميميم الجوية من هجمات طائرات درون وفق تحليلات عديدة وتصريحات روسية مختلفة. والواقع أن استهداف هذه الطائرات للقاعدة قد تزايد خلال الفترة الماضية، إلا أن سيطرة النظام وروسيا على تلك المناطق (المثلث بين ريف اللاذقية وجسر الشغور وسهل الغاب) قد لا تكون كافية لحماية القاعدة الروسية من تلك الهجمات. وفي الحقيقة، يعرف الروس تماماً أن هذه الهجمات لن تتوقف حتى بسيطرتهم على جميع تلك المناطق، فإطلاق طائرات درون الصغيرة نحو قاعدة حميميم لا يتطلب قواعد انطلاق ثابتة أو منشآت، كما أنه يقوم على عمليات ينفذها أفراد مشاة يتقدمون إلى خلف خطوط قوات النظام عبر المناطق الوعرة في الجبال. ويعني هذا أن سيطرة النظام على المناطق الأقرب لحميميم في إدلب لن يؤدي إلى حماية القاعدة من مثل هذه الهجمات، وهكذا يبدو واضحاً أن هذا الهدف هو أحد الشعارات غير الحقيقية للعملية العسكرية في إدلب.

أما بالنسبة لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) فلا يبدو أن العمليات العسكرية ستوجه ضربة قاضية لها بالتأكيد، فالتنظيم الجهادي قد بدأ بإعداد مقاتليه وتغيير تكتيكاته منذ فترة للتأقلم مع واقع عسكري وميداني جديد في سوريا، ليعود الحديث بين صفوفه حسب عدة مصادر متقاطعة عن العمليات الأمنية والخلايا والتحصن في الجبال، مما سيجعل التنظيم أكثر قدرة على التأقلم مع أي تطورات جديدة. وحتى في حالة سيطرة النظام على مناطق واسعة في إدلب وريف اللاذقية، فإن التنظيمات الجهادية ما زال بإمكانها التحصن في المناطق الجبلية الوعرة، خاصة بعد أن تنكمش إلى كتلة أصغر وأكثر صلابة تضمّ المهاجرين والقيادات البارزة وعدداً من المقاتلين المحليين، وهي ستكون طوال الوقت قادرة على توجيه ضربات لقوات النظام خلف خطوطه والقيام بعمليات واسعة، ويبدو أن جغرافيا المنطقة ستعطي لهذه التنظيمات، سواءً الهيئة أو غيرها من التنظيمات الجهادية، نقاط ارتكاز أفضل حتى من تلك التي انشأها تنظيم داعش في البادية، ما سيجعل الحديث عن إنهاء النصرة في إدلب أمراً مستبعداً أيضاً في أي عمل يقوم به النظام ضد المحافظة.

قد تكون العناوين الثلاث (النصرة، الدرون، أزمة اللاجئين) أبرز المخاوف المعلنة المتعلقة بالأوضاع في إدلب، إلا أن المحافظة تمثل أكثر من ذلك بكثير، فمصير الأوضاع فيها يعني تحديد اتجاه العملية السياسية في سوريا، التي تدفع موسكو باتجاه أن تكون نتيجتها إعادة الاعتراف بحكومة مجرم الحرب مقابل تقديم جوائز ترضية للأطراف الدولية والإقليمية، على غرار التصريحات التي أطلقها لافروف خلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره السعودي، وتحدّث فيها عن وقوف موسكو إلى جانب الرياض في حربها على الإرهاب.