إذ مُتُّ فجأةً

 

إلى هيوا عُثمان

غادرتُ البِلاد بعد مرور قُرابة عامٍ على اندلاع الثورة. وصلتُ إلى باريس، وطوال الرحلة لم يُغادرني إحساسٌ بأن الطائرة يُمكن أن تسقط في أي لحظة. كانت جليستي في المقعد المجاور امرأةٌ كُردية من يزيدييّ جورجيا، لم تتعب طوال الرحلة من سرد الحكايات اليزيدية عن الموت والانبعاث والأرواح. أخبرتني بأنها غادرت مع عائلها مدينة تبليسي مُنذ أربعين عاماً، لأن أخاها اغتال جورجياً مسيحياً، وأنهم لم يعودوا إلى المدينة قط، رُغم اشتياقهم الجمّ لها. فجأةً سألتها: «ألا تتألمين لذلك!!»، أجابت بُكل راحة ضمير: «سنعود قريباً، إن لم يكُن في هذا العُمر، ففي أعمار قادمة»، حسدتها وصمتّ، وأخبرتُني في سري: «وماذا يفعل الذي لا يؤمن إلا بعُمر واحد له!!».

وصلتُ مطار «أورلي» ظهراً، جلستُ مع حقيبتي الصغيرة أتأملُ آلاف الناس المُتحركين، مُسرعين مُنهمكين، لم يملك أحدٌ مُنهم وقتاً أو فضولاً حتى للنظر إلي. لا أعرف كيف وصلتُ إلى حُجرة العبور، نظر الشُرطي الأسود وكلمني بفرنسية لم أفهم أي كلمة منها، بقيتُ صامتاً، إلى أن أشارَ لي بأن أتبعه إلى الغُرفة المجاورة. بعد قُرابة عشر دقائق جاءت المُترجمة، ولأكثر نصف ساعة وأنا أُجيب على أسئلةٍ عن مكان حصولي على سِمة الدخول الخاصة هذه، وسبب حصولي عليها، وأين أريد الذهاب، وتقريباً كانت كُل إجاباتي «لا أعرف»، وطوال الوقت لم أكن أنظر إلا إلى عيني كلب كبير كان جالساً باسترخاء في زاوية تلك الغُرفة، فمثل عيني أُمي كانت عيناه، سوداوتان كبيرتان، وطافحتان بحنانٍ مجاني.

*****

أوصلني قصابٌ لُبناني، تعرفت إليه صُدفةً على رصيف المطار، إلى مركز المدينة. انتظرتُ هناك ثلاث ساعات، لم أجلس في المقهى، بالرغم من المبلغ المعقول الذي كان بحوزتي، لكن كان ثمة أحساس بأنني لن أفعل أي شيء قط. في تلك الساعات الطويلة، التي كُنت واقفاً فيها على طرف الطريق أراقبُ العابرين والأشياء بتمعن وتحديق، وعلى غير عادتي لم أُكلم أحداً، إلى أن سمعت عن قريب شابين يتكلمان التُركية، ودون أي تفكير أو انتباه ناديتهما بالعبارة التُركية الوحيدة التي أعرفها «هوش كالدنيز/ أهلاً وسهلاً». لا أعرف بالضبط ما الذي دفعني لفعل ذلك، سوى ذلك المزيج الرهيب من الخشية والطمأنينة لحظة اكتشافي لوجود أناس آخرين هنا، وهم مثلي «من هُناك البعيد».

كان منزل الشخص الذي ذهبتُ بصُحبته غريباً، فقد كان في الطابق السادس، لكن المصعد الكهربائي المُخصص لشخصٍ واحد فقط، يُوصلك من الطابق الثاني حتى الخامس، أما باقي الطوابق فعليك أن تصعدها بسلمٍ ضيقٍ جداً. أوصلني الشخص إلى تلك الغُرفة دون أن نتحادث تقريباً طوال الطريق، وغادر مُباشرةً، وأخبرني بأنه لا يعرف متى يُمكن أن يعود.

بقيتُ أتأملُ الشارع من تلك الغرفة الصغيرة جداً لقُرابة نصف ساعة، ثمة جهزت رُكناً من الغُرفة للنوم. في لحظاتٍ قليلة، بات كُل شيءٍ يتوارد إلى ذهني بكثافة لا توصف: ما الذي أفعله هنا؟ وكيف سأعيش؟ وكيف سأتدبر الأحوال؟ ماذا سأعمل؟...الخ، وفجأةً انقطعَ ذلك الشريط الكثيف من الخواطر والهواجس، حينما حضرَ السؤال المُريع: «ماذا لو مُتُّ  فجأة هنا؟!»، وبقي ذلك السؤال يلاحقني لأيام وشهور وسنوات، حتى الراهن. لم يكن ذلك سؤالاً في فكرة الموت أو في فلسفة الوجود وما إلى هنالك، بل شكلاً من التفكير بالحال والمصير، والمآل. منذ تلك الليلة لم يغادرني ذلك السؤال ليلة واحدة، ولم يُغير من صيغة طرحه.

في تلك الليلة مثلاً، كُنت أتخيلني صباحاً وأنا جثةٌ ميتة، وكيف مثلاً لو تأخر هذا الشاب في مجيئه؟ إذ كيف سيعرف الآخرون أني مُت، وكم من الأيام قد تمضي إلى أن يحدث شيء ما، ويعلم أحدهم بأنه ثمة جُثةً ما في تلك الغُرفة الصغيرة الباردة الوحيدة في الطابق السادس. وكيف ستكون حالة جُثتي فيما لو مضى عليها أسبوعان أو ثلاثة، كُنت أتخيل أشكال العفونة التي ستغزو جسدي، حيث ثمة كثيرٌ منها في أطراف الغُرفة، وكذلك كثيرٌ من الحشرات وهي تنهش أجزاءَ من جسدي، وبالذات منها عيناي. وأفظع ما في الأمر، أنها فيما لو فعلت ذلك، وعادوا بجثتي إلى البلاد، كيف سيصرخ أبواي وأخوتي الكثيرين وهو يفتحون التابوت لأول مرة، وهم يتفحصون ما بقي من ابنهم البِكر.

ليس بعيداً عن ذلك، كُنت أتخيل ذلك الشاب وهو يدخل غُرفته بعد أيام قليلة، مُشاهداً هذه الجُثة المتفسخة، يُقلبها بيده، وربما بقدمِه. أتخيله يهرول نازلاً من الدرج، وهو لا يعرف ما الذي يستطيع فعله لهذه الجُثة التي لا يعرف حتى اسم صاحبها. وما الذي يُمكنه أن يُخبره لمركز الشِرطة وللآخرين؟ وهل سيصدقونه؟ شخصٌ تعرّف عليه في الشارع وأتى به إلى بيته، ثم عاد بعد أيام ليجده جُثة مُتفسخة.

يا رب السماوات، وكيف سوف يُنزلونني ضمن تابوت في ذلك المكان، في ذلك الدرج الصغير جداً، وذاك المِصعد الذي لا يسع إلا لشخصٍ واحد فحسب. وقتها يجب أن يضعوا التابوت بالطول، وسوف تنهار جُثتي وتخُر هامدة، بالضبط مثل ذلك الطفل الحمصي الذي سقط حينما لكمه العسكري بأخمص بُندقيته على أنفه. في تلك اللحظات كنت أنظر للنافذة، أتخيل رافعةً تابعةً للشرطة وهي تُنزِلُ جثتي للشارع المُزدحم، سأموتُ في شارعٍ لا يعرفني أي أحد فيه، ولا حتى بواب العمارة أو صاحب البيت.

*****

في باريس سعيتُ لتأسيس صداقاتٍ متينة؛ لكنني كُنت أعرف في قرارة نفسي دوماً بأني أسعى ليعرفني أحدٌ ما هُنا، أن يسأل عني ويهاتفني على الدوام، أن يتواصل معي ويتابعني، أن يفتقدني ويسأل عني فيما لو تأخرتُ بالتواصل معه، وأن يتابع بحثه ذلك، أن يجدني فيما لو متُّ فجأة، أن يجدني قبلَ أن أتحول إلى جُثةٍ مُتفسخة.

على غير تلك «المُنى» كانت الحياة وشبكة التواصل في تلك المدينة «السائلة»، فالناس والأصدقاء والعلاقات مثل الأشياء بالضبط هناك، مُستعجلون مؤقتون سريعون عابرون، يأتون لقضاء لحظات قليلة معك، في المقاهي والأماكن العامة، يتحدثون عن الأشياء العامة المُجردة الباردة، لا شيء خاص وشخصي ودافئ وحميم، لا عائلة ولا إفشاء للمواجع والأسرار والحكايات التي لا يُمكن أن تُقال إلا للصديق.

ليس من الصُدفة أن كل الذين يُمكنك التعرف عليهم تتواصلُ معهم في المقهى، أُناسٌ كالمقهى تماماً، عامون وعموميون، فمثلما يجالسونك هُناك، يُمكنُ أن يجالسوا أي أحد آخر، ومثلما يحادثونك يُمكن أن يحادثوا شخصاً تعرفوا عليه للتو. فأنت في عالمهم لستَ أحداً، بل أنت أي أحد. وليس من خارج التكوين أن المقاهي في باريس كُلها في الشوارع، مفتوحة على الخارج ولا عالم داخلياً لها. تشعرُ وكأنك تُجالس العابرين بالضبط مثلما تُجالس الشخص الجالس قُبالتك على الطاولة، وطبعاً نادراً ما تجلسُ مُقابلَ أحد ما في مقاهي باريس، فعلى عادة الباريسيين في المقاهي، تجلس غالباً إلى جانب أحدٍ ما في المقهى، وكِليكُما تنظران إلى الشارع وتتحدثان عنه وعن أحواله، لا عنكُما أنتُما. بكلمةٍ واحدة، لن يستفقدكَ هؤلاء الذين تلاقيهم في المقهى إن أنت غبت، ويُمكن أن تموت فجأة وتتفسخ جُثتك ولا يسأل عنك أحد.

لم يزدني كُل ذلك إلا مزيداً من الشعور بـ«الوحدة» واللامعنى والفقد، حيث لم يكن الفزع من إمكانية الموت فجأة ووحيداً ودون أن ينتبه أحد لذلك، سوى تكثيفٍ شعوريٍ مُعبّرٍ عن ذلك. لم يُقلل من ذلك تشردي الدائم في عوالم باريس الغريبة، في المكتبات والمتاحف والمسارح والسينما، بالذات في مكتبتي «جورج بومبيدو» و«فرنسوا ميتران».

إذ ما هذا العالم الرهيب الكبير جداً حد الذُهول الذي لا يُحتمل؟! ما هذا العالم الغني الواسع والمتعدد الذي لا أنتمي إليه من جهة، ومُجبرٌ على التفاعل والتواصل معه بحُكم الظرف الذي أعيشه من طرف آخر؟

وبالتالي، كم أنا صغير ومُهمل وهامشي وغير مرئي بالنسبة لهذا العالم الفسيح/الغريب. لم تكن تُغادرني أثناء مروري اليومي على تلك المكتبات الباريسية العامة، لم تكن تُغادرني صورة «أبو دانيش» مُدير مكتبة المركز الثقافي في القامشلي. فقد كان يعرفُني منذ أن كُنت صغيراً، يبتسم لي كُلما رآني، يبتسم حتى لو لاقاني في مكان ما خارج المكتبة، في إشارة مُستبطنة لانتمائنا للعالم نفسه، للكُتب والطاولات والصمت الذي في ذلك المكان الصغير.

صَدفَ طوال شتاء عام 2013 أن كُنت أجلس في قسم مكتبة الآداب الأجنبية في مكتبة «فرنسوا ميتران»، فهناك فقط كُنت أستطيع أن أجد بعض الكُتب العربية المُفيدة. صَدف طوال أكثر من ثلاثة أشهر أن عجوزاً كان يجلس قُبالتي مُباشرة، يأتي قبلي دوماً وأغادرُ دوماً قبله. في مراتٍ غير قليلة كُنا نتبادل البسمات وانحناءات الرأس كتحيات سريعة، ساعدته أكثر من مرة على فتح أو إغلاق درج الكُتب الذي كان يأتي منه بما يقرأ، وعرفت صدفة أنه شخص ألماني، حينما سمعته مرة في الممرات يكلم أحدهم برطانة ألمانية. بالمحصلة كُنت أعتقد بأن هذا الشخص هو الوحيد الذي أعرفه ويعرفني في المدينة، فكِلانا يجلس قُبالة الآخر يومياً أكثر من ست ساعات، وهو وقتٌ يزيد عن أي تواصل يومي لأي منا مع أي أحد آخر، كُنت أحسّ أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يُمكن أن يفتقدني فيما لو غِبت يوماً. إلى أن صَدف أن كُنا قريبين من بعضنا في الكافيتريا العامة في المكتبة، قُلت له بشيء من الحذر: «هل يُمكنني أن أدعوك لفنجان قهوة»، ابتسم وقال بمحافظة: «لا شُكراً». استغربتُ من طريقة رده، ورغِبتُ بمزيدٍ من التوضيح له: «عفواً سيدي، أنا الشخص الذي يجلس يومياً قُبالتك في مكتبة الآداب الأجنبية في الطابق الثالث»، ردّ دون أن يبتسم هذه المرة: «رُبما». تركتهُ دون حتى أن انظر إليه، وأنا مليءٌ بشعورٍ عميق: «نعم نعم، لو غبتَ لن يسأل عنك أحد، أي أحد».

كان التعرف على الكاتب اللبناني بشير هلال استثناءاً من كُل ذلك، شخصٌ مليء بذلك العالم الذي أنا منهُ، ليس بالمعنى الجُغرافي فحسب، بل في الذاكرة والاهتمام والتفاصيل. مشرقيٌ بسيط، دافئٌ وكُلي الولاء للمكان والقضايا التي أتى منها، مثلي يعيش عالماً عابراً هُنا، لا تأتيه المعاني ولا الطمأنينة إلا بالتواصل والمساهمة في تلك الأشياء التي هناك.

ما أن تتركهُ لنفسه بُرهةً حتى يغرق في الشرود في كُل الذي قدم منه ولأجله، الذي كان ومازال في الذات والأمل. كان بشير بالنسبة لي صديقاً وحيداً بالمعنى القديم للصديق الذي عرفته، صديق الطمأنينة وكشف الذات، حتى التي فيها دناءات النفس والفعل والسلوكيات، صديقٌ لا تخشى معه أن تموت فجأة وتتفسخ جُثتك. كان بشير ذلك الشخص، لكنه بشير وحدهُ الذي «مات فجأة».

*****

غادرتُ باريس بعد ثلاث سنوات من الحياة المؤقتة والمؤجلة، من البيوت المُعدة على عجل، من الثياب غير المكوية والـ«أصدقاء» العابرين. ثلاث سنوات من الحسّ الدفين المليء برهبة الأفول، كانت خشية الموت فجأة تكثيفاً لتلك الوحدة وذلك اللامعنى، وجزءاً منها، وربما تتويجاً لها. لذا قررت المُغادرة، علّني أغالب ذلك الشيء. لكن العودة للبلاد وحدها يُمكن تتجاوز ذلك، والبِلاد حلم مؤجل، لذا قررتُ العيش في مكان قريبٍ منها.

كانت بيروت مُناسبة تماماً، مدينة أعرفها «بعمق»، عضوية العلاقة مع سوريا ومُجرياتها، وصاخبة بالأصدقاء المُشابهين.

أقمتُ في بيروت لشهورٍ مُتواصلة، ودون تفكير اخترتُ السكنَ في فُندق «أبو عاطف» أول شارع الحمرا. وعايشتُ واندمجت بسرعة بما كان في الذاكرة من المدنية، أماكن العمل والدراسة، الأصدقاء والأجواء، شيفرات المدينة وحيواتها الداخلية التي لا تُكشف على غريب. الأمر الأكثر دفئاً أنني كُنت أسكن في الغُرفة نفسها التي كُنت أُقيم فيها قبل سنوات عديدة في الفندق، حينما كُنت آتي إلى بيروت من قبل. كان ذلك المكان البسيطُ بالغَ الرحابة والطمأنينة بالنسبة لي، غُرفةٌ في الطابق الأول، يتسرب إلها صخب شارع الحمرا الذي لا يهدأ، عالم الحمرا المليء بالأصدقاء القُدماء، شُركاء المشاريع الكثيرة، ونُدماء السهرات؛ باختصار كان ثمة حياة بكُل ما تعنيه العبارة، حياة مضادة تماماً لتلك الخشية المكينة من الموت فجأة.

جرى كُل شيء على ما يرام، إلى أن عُدت إلى المدينة للمرة الرابعة، وكُنت أحمل كُل الأوراق النظامية التي تخولني للدخول. عند بوابة الدخول سلمت جواز سفري للشُرطي، وبعد كتابة الاسم رمقني باحتقار، ثم نادى زميله في الغُرفة المجاورة «يا حاج علي، تعا خدو لعندك، هايدا ممنوع يفوت عالبلد»، قال ذلك بشكل حرفي.

في الغُرفة المجاورة أخبرني الضابط «الحاج علي» بأني ممنوع من الدخول إلى لُبنان، بناءاً على مُذكرة صادرة من الأمن العام اللبناني، ورُغم سؤالي عن الأسباب والإجراءات، إلا انه لم يجب قط، أخذ مني كُل الأوراق الرسمية التي بحوزتي، وأخذني إلى غُرفة في الطابق الثالث، كانت مليئة بالحشرات وأعقاب السجائر. بقيتُ أكثر من عشر ساعات دون أن يسأل أحد عني، صرخت ورطمت الباب، أتاني صوت جهوري من آخر الممر «اسكوت ولاااك، ولو محصور في تواليت بطرف الغرفة».

لاحظتُ وجود هاتفين نقالين مُكسرين، أحسست أن شخصاً أو أشخاصاً من قبلي كانوا هُنا، ووصل بهم الضجر وفُقدان الأمل حد تكسير هواتفهم. مضت ساعاتٌ أكثر، بقيتُ في تلك الغُرفة أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة دون أن أشعر بالنُعاس رُغم التعب الرهيب، كان ثمة خشية عميقة بداخلي من أي نوم.

أتاني ضابطٌ وأخبرني بأنهم سيعيدونني إلى مطار إسطنبول، وأني ممنوع من دخول بيروت بشكل مُطلق، وبينما هو يقرأ في أوراقي التي كانت بحوزتهم، رمقني باحتقارٍ قائلاً «ولك أهلا بالبطل أهلا، يالله قريباً بنشوفك بالشام». صعدتُ الطائرة، وكان الجو بالغ السوء، فعاصفة تُرابية كانت تضرب عموم المنطقة، ورغم سوء الإقلاع والسيّر والهبوط أثناء الرحلة، لم أشعر بأي قلق قط، كُنت فاقداً لأية خشية أو قلق، كُنت شخصاً «مكسور الخاطر» فحسب.

*****

خلال السنة التي تلتها، جربت العيش في كُل من مدينة عينتاب وأربيل، في تُركيا والعراق، فكلاهما مدينتان صاخبتان بالأصدقاء وعموم السوريين، وفيهما روابط عميقة مع المسألة السورية بأكثر من شكل وطريقة، وفوق ذلك قريبتان من الحدود. كانتا مدينتان يُمكن أن تُشكلا منصتان للتغلب على «اللامعنى» العميق الذي كُنت أعيشه في «المنفى» البعيد.

في كِلا المدينتين، ولأسباب مُركبة وغير مفهومة، فشلت في الحصول على إقامة نظامية. كانت المدينتان بمعنىً ما مُطابقتان لبيروت في هذا المنحى، فشروط كِلتاهما كأماكن قريبة من البلاد يُمكن أن تمنحك الحياة والمعنى والحضور، شرطَ أن تفرض عليك لُغتها ومنطقها وخياراتها، أي معناها هي، وأن تسحبَ منك قدر المُستطاع معناك أنت. إذ حتى تمنحك الأمان من خوفِ أن «تموت فجأةً»، تقتُلك.