إسبانيا: مانشيتات إيتا الأخيرة

 

يتداول الإعلام الإسباني تسريبات عن نيّة إيتا حلّ نفسها منذ أكثر من شهرين، تسارعت وتيرتها في الأسابيع الأخيرة بعد رسالة مفتوحة عمّمتها المنظمة الانفصالية الباسكية، عبّرت فيها عن أسفها على الألم «الذي تسببت به خلال كفاحها المسلح»، لتصل ذروة الترقب خلال الساعات الماضية مع استلام فعاليات سياسية واقتصادية باسكيّة رسائل من المنظمة لإبلاغها بتفكيك بُنيان المنظمة و«إنهاء حلقتها التاريخية»، ومن المتوقّع أن يصدر الإعلان النهائي خلال الأيام القليلة المقبلة.

مع هذه التسريبات، ظهر مشهد هزلي يبدو القرن العشرين فيه وكأنه يحاول التلصص من قبره على نهاية العقد الثاني من القرن الذي تلاه. فإيتا تنتمي إلى عالم وزمن الجيش الجمهوري الإيرلندي والألوية الحمراء الإيطالية وبادر-ماينهوف الألمانية، لا إلى 2018. ولا شكّ أن إعلاناً كهذا بات حتمياً منذ قرار «وقف نهائي للعمليات العسكرية» نهاية عام 2011 بعد هزائم أمنية متلاحقة وضغوطات من الحاضنة الشعبية والسياسية التاريخية.

إيتا، والصراع معها، محور أساسي في تاريخ إسبانيا المعاصر، ومحور رئيس في مجريات الديموقراطية الإسبانية. تاريخٌ عمره 60 عاماً، و 829 قتيلاً، وآلاف الجرحى والمتضررين، ومجتمع، الباسكي، باتت إيتا جزءاً من ماضيه القاسي والمؤلم والنازف.

تأسست إيتا نتيجة إنشقاق داخل شبيبة الحزب القومي الباسكيّ، الجذع الأكبر والأقدم للهوية السياسية الباسكيّة منذ تبلورها نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم. وقد حصل ذلك الانشقاق في أيار 1958 لاعتراض التيار النقدي (المُنشق لاحقاً) على السياسات المتّبعة من قبل قيادة الحزب اللاجئة في باريس، ودعوتهم لاستبدالها بـ «العمل المباشر» وإعلان «حركة مقاومة باسكيّة» أسوةً بأطروحات عالم-ثالثية شاعت آنذاك متأثرة بأصداء الحرب الجزائرية.

تبلور التمايز مع القوميين التقليديين الباسك خلال المؤتمرات المتلاحقة لإيتا خلال النصف الأول من الستينات، إذ تم تبنّي لغة «يسارية» بالمجمل، متمايزة بعلمانيتها وتقدميتها وأمميتها عن الطابع المُحافظ والكاثوليكي والانعزالي للقوميّة الباسكية التقليدية، وتركيزها على اللغة الباسكية كمَعلم رئيس للهوية الباسكية، في ابتعاد عن المقاربة الإثنيّة التي رسّخها سابينو آرانا، أبو القومية الباسكية. ترسّمت آنذاك معالم ثلاثة تيارات ضمن إيتا، تيار إثنو-ثقافي، مهموم بحدود تمايز الباسك عن غيرهم؛ وتيار شيوعي يقدّم مقاربة طبقيّة للخطاب القومي؛ وتيار «عالمثالثي» يعتبر «قضية التحرر الباسكيّ» منضوية ضمن حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار في العالم الثالث. سيطر التيار الأخير سريعاً على الحركة ككل، ورسم صورة إيتا الخارجية وعلاقاتها الدولية، التي تراوحت بين التضامن الرمزي والتعاون العسكري مع جهات شتى، مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي والقوات المسلحة الثورية الكولومبية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، و، لاحقاً، حزب العمال الكردستاني. ورغم أن إيتا مارست العنف التخريبي اعتباراً من مطلع الستينات إلا أنها لم تعلن «الكفاح المسلح» كاستراتيجية رئيسية للحركة حتى المؤتمر الرابع عام ١٩٦٥.

عام 1968 نفذت إيتا أول اغتيالاتها، إذ استهدفت أحد أعضاء الحرس المدني (المرادف الإسباني للجندرما)، لتتوالى سلسلة استهدافاتها لعناصر وضباط في الشرطة وأجهزة الأمن الإسبانيّة. وقد تمتّعت في تلك الفترة بشعبية كبيرة ضمن المجتمع الباسكيّ، المتعرّض لقمع مُضاف من قِبل نظام فرانكو؛ وضمن الأوساط المناهِضة لديكتاتورية فرانكو ككل، والتي نظرت لإيتا كجزء من جوّ التشكيلات المناضلة ضد الديكتاتورية، وإن تحفّظ الشيوعي الإسباني على الأطروحات القومية المتشددة والعزوف عن التنسيق البرامجي مع القوى المناهضة لفرانكو، التي لم تعتبر إيتا نفسها جزءاً منها أصلاً.

للمفارقة، عجّلت إيتا بمجيء الديموقراطية إلى إسبانيا حين اغتالت، أواخر 1973، الأدميرال لويس كاريرو بلانكو، الذراع اليمنى لفرانكو ورئيس حكومته. كان كاريرو بلانكو أمل الأوساط الأكثر تشدداً ضمن نظام فرانكو في أن تستمر تجربة النظام القومي-الكاثوليكي إلى ما بعد وفاة الديكتاتور، الذي كانت صحته تسوء بشكل متسارع تحت ثقل الشيخوخة. حينها، حفر عناصر إيتا نفقاً تحت شارع كلاوديو كويجو وسط أحد أرقى أحياء مدريد، وحشوه بقنابل فُجّرت بدقّة عند مرور سيارة الأدميرال فوق النفق في طريقه بين صلاته الكنسية الصباحية ومكتبه، لتطير السيارة إلى ارتفاع تجاوز الطوابق الخمس. كان ذلك التفجير ضربةً موجعة جداً لفرانكو في أيامه الأخيرة. احتفل معارضو فرانكو ذلك اليوم، وسرت أسطورة ما زالت دارجة حتى اليوم عن نفاذ الشمبانيا من كل متاجر مدريد، كما لا زالت دارجةً سلسلةُ نكات عن الأدميرال، مثل أنه بطل إسبانيا في القفز العالي، أو أنه أول رائد فضاء إسباني.

بعد وفاة فرانكو عام 1975 وبدء التحوّل الديموقراطي انشطرت إيتا بين مناصري استمرار الكفاح المسلح ودعاة إنهائه وبدء مرحلة سياسية، خاصة عام 1979 بعد إقرار القانون الأساسي الناظم للحكم الذاتي الباسكي، انشطارات عجّت باغتيالات لـ «مهادنين».

شكّلت سنوات التحوّل الديموقراطي في النصف الثاني من السبعينات والعقد الذي تلاها «سنوات الحديد والنار» في عمل إيتا الإرهابي، أكان في استهدافها المفضّل، قوى الأمن والمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين الإسبان، ولكن أيضاً مع توسيع دائرة الاستهداف لتشمل أيضاً تفجير مساكن هؤلاء، موقعةً مجازراً عديدة بين عائلاتهم، وبدء استهداف سياسيين ونقابيين، ثم مواطنين عاديين ضمن جولة عنف عشوائي ضمن فرضية «جعل معاناة العدو مجتمعية». بدورها، حملت أوساط اليسار القومي، المتمثلة بحزب هيري باتاسونا، مهمة التصرّف كجناح سياسي غير رسمي لإيتا في البرلمانين الإسباني والباسكي، والمجالس المحلية لبلديات الباسك، مع هيمنة شبيبتها على مدن وبلدات الباسك عبر «نضال الشوارع»، أي آليات ترهيب وقمع وأعمال شغب كانت، عدا سيطرتها على الشوارع الباسكيّة، تدريباً لـ «مناضلي الشوارع» الأكفاء قبل ترفيعهم للإنضمام لإيتا.

كانت الثمانينات أيضاً عهد «الحرب القذرة» التي شنّتها الدولة الإسبانية ضد إيتا، فعدا استخدام سيء النية لـ «مناطق رمادية» قانونية في التعاطي مع معتقلي إيتا، مثل عزلهم في السجون وتعذيبهم أو نقلهم لسجون بعيدة جداً عن مناطق سكن ذويهم، لجأت القيادات الأمنية للميزانيات السرّية لقوى الأمن الاسباني لتمويل جماعات يمين متطرف، أو تشكيل جماعات وهمية قوامها عناصر مخابرات، أشهرها منظمة «غال»، لاستهداف قيادات وعناصر من إيتا خارج إطار القانون واغتيالهم، خاصة في فرنسا، إذ كان تلكؤ السلطات الفرنسية في التعاون مع إسبانيا في مجال ملاحقة عناصر إيتا الفارّين إلى الشطر الفرنسي من الباسك -حيث نعموا لفترات طويلة بما يشبه التجاهل التام، ما ساهم بنشاط شبه علني لهم- عامل توتر دائم بين البلدين خلال السبعينات والثمانينات وجزء من التسعينات، قبل أن تنقلب السياسة الفرنسية بدءاً من منتصف التسعينات نحو تعاون أكثر، لتصل إلى التنسيق الكامل خلال العقد الماضي، ما كان عاملاً جوهرياً في محاصرة إيتا أمنياً وتعطيل قدرتها على الحركة بشكل شبه كامل.

كان افتضاح مجريات «الحرب القذرة» إثر تسريبات صحفية أوائل التسعينات أضخم فضيحة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية، الفتيّة آنذاك، وأدّت لسجن عدد كبير من القيادات الأمنية وسياسيين من وزارة الداخلية، وكادت تودي بمنصب فيلبي غونثالث، رئيس الوزراء الذي تسيّد المشهد السياسي الإسباني طوال عقد الثمانينات والنصف الأول من التسعينات.

تباهت السياسة الإسبانية العلنية تجاه إيتا دوماً بجذريتها، إذ رُفض اعتبارها مسألة سياسية، بل قضية أمنية بحتة. رغم ذلك، حاولت كل الحكومات الإسبانية المتعاقبة فتح مسارات تفاوضية تُقايض «هُدناً» بأوضاع أفضل لأعضاء إيتا المعتقلين.

ضعفت قوة إيتا اعتباراً من أواسط التسعينات، إذ انهارت شعبيتها حتى ضمن المعسكر القومي الباسكي التقليدي، الذي بقي طويلاً ينظر لها كابن، طائش ومتهوّر وخطّاء، لكنه «ابن» في نهاية الأحوال. لكن خنق إيتا و«نضال الشوارع» للحياة العامة الباسكية، وتبعات الإرهاب الممارس في جباية «الضريبة الثورية» من أصحاب المصالح ورجال الأعمال، أدت لتحوّل العمق الاجتماعي الانعزالي الباسكي نحو مواقف معادية للمنظمة. ثم تزايدت الضغوط السياسية عليها اعتباراً من العقد الأول من القرن الحالي من قِبل اليسار القومي، حاضنتها السياسية التقليدية، إثر حظر أبرز أحزابه بعد تعديل قانون الأحزاب في إسبانيا ضمن توافق سياسي عريض عام 2002. وقد لعب اليسار القومي الباسكي، وخصوصاً هيري باتاسونا، جذعه التاريخي بقيادة أرنالدو أوتيغي، دوراً كبيراً في الدفع باتجاه إنهاء «الكفاح المسلّح» خلال الأعوام السابقة، حتى ضمن مناخ الحظر وسجن عدد من قياداته بتهمة الانتماء لإيتا، وبينهم أوتيغي نفسه. وقد قاد الضغط السياسي، المتزامن مع خناق أمني شديد نتيجة التنسيق الإسباني- الفرنسي ووساطة دولية غير رسمية ولا مُعترف بها، قوامها أكاديميون وشخصيات سياسية، بينهم جيري آدمز، زعيم الشين فين الإيرلندي، وكوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، إلى إعلان إيتا «وقفاً كاملاً ونهائياً للأعمال الحربية» في تشرين الأول 2011.

وصلت إيتا إلى ذلك الإعلان منهكة، فاقدة للقدرة على الحركة والنشاط، عاجزة عن حماية كوادرها من الاعتقال في إسبانيا أو فرنسا. ومنذ ذلك الحين، شرعت إيتا تتحول شيئاً فشيئاً إلى شيء من الماضي يظهر في روايات أو أفلام، ومع تعمّق تعافي المجتمع الباسكي من عقودٍ طويلة من العنف والضغط الأمني، بات من المحتوم أن يظهر إعلان إيتا حلّ نفسها في لحظة ما، وقد طال الانتظار لدرجة أنه، خصوصاً مع استفحال الأزمة الكتلونية، نسي القوم أنهم ينتظرون. يظهر هذا بوضوح في الدراسات الدورية لمركز الدراسات السوسيولوجية الإسباني، الذي يُظهر ضمن تقاريره الشهرية قائمة مرتّبة تنازلياً بأكثر المواضيع إثارة لقلق الرأي العام الإسباني: لم تعد إيتا تظهر اليوم أبداً في قائمة تحتلها أزمة كتالونيا والبطالة والفساد، رغم أنها قضت عقدين ونصف تتصدّر اللائحة كلّ شهر.

تحظى إيتا هذه الأيام بمانشيتاتها الصحفية الأخيرة. هذا خبر سعيد لعموم إسبانيا، وللقوميين الباسك أيضاً.