إس 300 للنظام السوري: تصاعد الأزمة الروسية الإسرائيلية

 

أثارت التصريحات الروسية أول أمس الإثنين، التي أعلنت نية موسكو تسليم النظام السوري منظومة دفاع جوي متطورة من نوع إس 300 خلال أسبوعين، ردود أفعال غاضبة من واشنطن وتل أبيب، وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون في تصريح للصحفيين يوم أمس إن: «تزويد الحكومة السورية (بنظام) إس-300 سيكون تصعيداً خطيراً من قبل الروس... وما نتمناه هو أن يعيد الروس النظر في الأمر إذا كانت هذه التقارير الصحفية دقيقة»، وأضاف أن «الطرف المسؤول حقاً عن إسقاط الطائرة الروسية، هو إيران» وأن بلاده لن تخرج من سوريا «ما دامت هناك قوات إيرانية خارج حدود إيران».

الرد الأمريكي السريع على هذا التطور، ترافقَ مع إصرار إسرائيلي على الاستمرار في استهداف مواقع في سوريا، حتى مع تصاعد الأزمة مع موسكو إثر اسقاط طائرة «إيل 20» الأسبوع الماضي بمضادات النظام السوري الجوية خلال غارة إسرائيلية على مواقع قرب اللاذقية، وهي الحادثة التي حمّلت موسكو مسؤوليتها لإسرائيل، متهمة طياريها بالمناورة والاختباء خلف الطائرة الروسية لتفادي الدفاعات الجوية مما أدى إلى إسقاطها، وقد عقدت وزارة الدفاع الروسية مؤتمراً صحفياً مطولاً لشرح ملابسات الحادث، ولتأكيد مسؤولية الطيران الإسرائيلي.

ليست هذه المرة الأولى التي تقول فيها موسكو إنها تريد توريد منظومة الدفاع الجوي إس 300 المتطورة نسبياً إلى النظام السوري، إذ تمت الموافقة على صفقة لتوريد هذا النوع في العام 2010، إلا أنه لم يتم تسليمه أبداً منذ ذلك الوقت. وعادت الإدارة الروسية في شهر نيسان من العام الحالي للقول إنها ستوّرد هذه الأسلحة لنظام الأسد، إلّا أن التدخل الإسرائيلي منع ذلك. ويبدو الموقف التصعيدي بين موسكو وتل أبيب اليوم هو الأكبر منذ تدخل الأولى في الحرب السورية بشكل مباشر إلى جانب النظام، وقد سمحت سابقاً موسكو لإسرائيل بتوجيه ضربات جوية واسعة في الأراضي السورية دون أن تتدخل، وفق اتفاق ومذكرة تفاهم تمّ بموجبها إنشاء مركز تواصل سريع لتفادي الاصطدام بين سلاحي الطيران.

تواجه موسكو منذ سقوط طائراتها «إيل 20» موقفاً محرجاً للغاية، فالدفاعات الجوية التي أسقطت طائرتها، والتابعة لحليفها النظام السوري، هي من نوع إس 200 روسية الصنع، والرواية الروسية عن الحادثة تضمّ عدة ثغرات حول حركة الطائرة الروسية خلال العمليات، وحول مدى قدرة سلاح الدفاع الجوي الروسي الذي يمتلكه النظام على تمييز الطائرات في الجو، خاصة أن الطائرة إيل 20 ذات حجم وحركة مختلفان جذرياً عن طائرات إف 16 الإسرائيلية، مما يعني أن تمييزها على الرادار ينبغي أن يكون أمراً يسيراً على ضباط الدفاع الجوي. ويبدو أن هذا الأمر هو ما دفع موسكو إلى تصعيد الأجواء مع الإسرائيليين، فهي غير قادرة على اتهام حلفيها في سوريا بارتكاب هذا الخطأ الجسيم، لأن هذا الأمر يضع السلاح الروسي نفسه في موضع التشكيك، ويحرج المسؤولين عن الصناعات العسكرية الروسية.

من ناحية أخرى، فإن الوضع الداخلي في روسيا يشهد اضطراباً واسعاً وتراجعاً في شعبية بوتين نتيجة القرار الحكومي القاضي برفع سن التقاعد، ما يجعل حادثة الطائرة الروسية أمراً يزيد في حدة الغضب الروسي تجاه دوائر صنع القرار هناك، وهو ما يعني أن توجيه التهم إلى إسرائيل يمكن أن يكون نوعاً من الابتزاز لحكومة نتنياهو التي تملك صلات واسعة بمئات آلاف الروس الذي يحملون الجنسية الإسرائيلية، بالإضافة إلى عدد كبير من حاملي الجنسية الروسية في إسرائيل، ونوعاً من الضغط على حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي الذي يستفيد إلى حد بعيد من تلك الأصوات، لدفعهم إلى دعم موقف بوتين في الداخل الروسي بشكل أكبر بكثير.

إلا أن العقدة الرئيسية التي تواجه موسكو بعد هذه الحادثة هي مدى قدرتها على التحكم بانضباط قوات النظام السوري، فبمثل هذه الحادثة يظهر أن روسيا لا تملك السيطرة على كل المفاصل العسكرية لدى النظام، وأن الاتهام الذي وجهه بولتون إلى إيران قد يكون حقيقياً بالفعل، ومثل هذا النوع من التصرفات سيجعل من القوات الروسية رهينة أو ورقة تقوم طهران بالتهديد بها إذا ما شعرت بالضغط الكبير من إسرائيل أو الولايات المتحدة في سوريا، خاصة أن طهران تملك عدداً أكبر من القوات في سوريا، وأنها قد حققت اختراقات واسعة لمفاصل النظام السياسية والعسكرية خلال سنوات تواجدها المباشر منذ انطلاق الثورة السورية.

وعلى الرغم من أن منظومة إس 300 أكثر تطوراً من تلك التي يملكها النظام الآن، إلّا أنها ليست عصيّة على الاختراق، خاصة وأن الطيران الإسرائيلي كان قد أجرى مناورات للتعامل مع هذه المنظومة مع قبرص واليونان منذ فترة ليست ببعيدة، وسيكون أي اختراق إسرائيلي لهذه المنظومة إذا ما شعرت تل أبيب بتهديد عمليات نقل سلاح جديدة لميليشيا حزب الله اللبنانية، أمراً محرجاً جداً لموسكو، مما سيزيد من حدة التوتر بشكل أكبر بين الطرفين.

هكذا يبدو واضحاً أن شهر العسل بين بوتين ونتنياهو قد انتهى، مما سيضع الأخير في موقف يدفعه إلى الانخراط أكثر في الاستراتيجية الأمريكية التي يبدو أنها أكثر صدامية مع طهران، بشكل قد يدفع إلى مواجهة مباشرة.