إشارات روسية بانتظار تحولات محتملة

 


قد لا تكون اللقاءات الروسية الأخيرة مع شخصيات سورية معارضة للنظام حدثاً فريداً من نوعه، لكن توقيت هذه اللقاءات بعد دخول قانون قيصر الأمريكي قيد التنفيذ، والتسريبات المتواصلة حول طروحات روسية مباشرة تتجاوز العموميات المعتادة، يشير إلى أنها قد تكون بداية لتفاعل روسي جديد مع سياسة الولايات المتحدة المتشددة تجاه النظام السوري، وهي السياسة التي تحظى بدعم واضح لا لبس فيه من باقي الدول الغربية. وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، قد قال مؤخراً في لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط إنّ الاتحاد الأوروبي «سيشارك في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يكون هناك انتقال سياسي حقيقي وثابت بموجب 2254»، مؤكداً على الرسالة التي خرج بها أيضاً مؤتمر بروكسل لدعم مستقبل سوريا قبل أيام.

كل الدول القادرة على المساهمة في إعادة الإعمار ستلتزم إذاً بما يفرضه سياق وتطبيق قانون قيصر الذي دخل حيّز التنفيذ رسمياً منتصف الشهر الماضي، وهو ما يعني أنّ الحل الروسي الذي لطالما تمّ طرحه من قبل بوتين ومبعوثيه ليس خياراً مقبولاً. وحتى التجاهل الأوروبي لتحركات موسكو وطروحاتها في سوريا خلال العامين 2017 و2018، والذي فُهِم على أنه قبول مستتر بالرؤية الروسية، يتراجع اليوم أمام تصريحات بالغة الصراحة والوضوح، حول عدم قبول أي حل سياسي لا يستند إلى القرارات الدولية وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 2254.

وكانت موسكو طوال السنوات الماضية تعتمد في طرحها على مرشح وحيد هو بشار الأسد، آخذةً بعين الاعتبار أنّ النظام السوري غير قادر على القيام بأي تغيير سياسي حقيقي، وإن على مستويات دنيا، ليكون شكل الحلول الروسية المطروحة من نوع مسار أستانا، الذي ركّز على عودة المناطق إلى سيطرة النظام وفق اتفاقات مع فصائل المعارضة بعد هزيمتها عسكرياً، أو على شاكلة مؤتمر سوتشي الذي أجرته موسكو بداية عام 2018 على أمل إطلاق مسار سياسي خاص بها، ليفشل المشروع ويفشل تفرعه الوحيد؛ اللجنة الدستورية، التي ذهب وفد النظام إلى اجتماعاتها، ليقول رأس النظام لاحقاً إنَّ «هذا الوفد يعبّر عن موقف حكومته ولا يمثلها رسمياً»، معلناً إفراغ العملية برمتها من أي مضمون.

لكنّ الضغوط الأمريكية والأزمة الاقتصادية التي سبقتها، بما في ذلك اضطراب طبقة رجال أعمال الموالية للنظام بعد الخلاف مع رامي مخلوف، قد أدت إلى ردة فعل روسية غير معتادة، لا من جهة التوقيت ولا من حيث نوع الطروح وشكلها، فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية يوم الخميس، 23 حزيران (يونيو) الفائت، أنّ نائب وزير الخارجية والمبعوث الرئاسي الخاص للشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف قد التقى برئيس الائتلاف السابق معاذ الخطيب في الدوحة من أجل «تبادل مفصّل لوجهات النظر حول الوضع الحالي في سوريا وحولها، مع التركيز على آفاق التسوية السياسية للأزمة في البلد وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254». وبعدها تمّ تسريب محضر اجتماع جرى في وقت سابق بين البعثة الدبلوماسية الروسية في جنيف و«شخصيات علوية في المهجر» للحديث عن الحل السياسي في سوريا، ويشير التوضيح الذي صدر عن أحد من حضروا الاجتماع، المحامي عيسى إبراهيم، بأنّ التسريب الأساسي لمحضر الاجتماع كان مصدره موسكو، وهو ما يعني اهتمام روسيا بالإعلان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن التحركات التي تقوم بها، لدراسة ما قد يكون مساراً جديداً للحل السياسي وفق رؤية روسية.

وتفيد التسريبات التي رشحت عن الاجتماع بين بوغدانوف والخطيب، والتي أكدتها مصادر خاصة للجمهورية، أن موسكو عرضت على الخطيب منصب رئيس وزراء في حكومة «موسعة الصلاحيات»، مع بقاء بشار الأسد في منصبه والحفاظ على الأجهزة الأمنية وحق الأسد في الترشح لمرة أخيرة في الانتخابات القادمة، غير أن هذا العرض لم يلقَ موافقةً مبدئية من الخطيب، الذي قدَّمَ عدداً من الملاحظات عليه كي تناقشها القيادة الروسية. والواقع أن هذا الطرح ليس جديداً مئة بالمئة، وهو لا يختلف جذرياً عن رؤية موسكو القديمة للحل، لكنّ عرضه بشكل واضح على أحد وجوه المعارضة السورية ضمن مباحثات ثنائية يحمل طابعاً شديد الاختلاف ويملك معنىً جديداً.

لطالما كانت الطرحات الروسية المشابهة تأتي في صيغة رؤية عامة غير موجهة، وتتطلب تنازلات غير ممكنة من المعارضة، بحيث أنها كانت تبدو حلّاً تعجيزياً يهدف إلى عرقلة الحل سياسي والإبقاء على بشار الأسد في الحكم، إلّا أنّ طرحها اليوم على هذا النحو، وبعد أيام فقط من طرح الدفعة الأولى من العقوبات الأميركية بموجب قانون قيصر، يعني أنّ موسكو تحاول التفكير في الممكنات التي تسمح لها ببدء حل سياسي جديد يرضي الدول الغربية، بهدف تخفيف تشددها والسماح بتمويل إعادة الإعمار.

وكما أنّه من غير المتوقع أن تطرح موسكو مباشرةً رأس بشار الأسد على طاولة المفاوضات، فإنّ العرض الذي قدمته موسكو بشكل أكثر جديّة هذه المرة لا يمكن أن يتوافق مع شكل وبنية نظام الأسد، الذي لا يبدو قادراً على إجراء تغييرات على أي مستوى فيه، وكان قد رفض تقديم أي تنازلات فعلية مهما كانت صغيرة منذ بداية الثورة في سوريا. على سبيل المثال، تمّ اصدار قانون مكافحة الإرهاب مباشرةً بعد رفع أحكام قانون الطوارئ في بدايات الثورة، وفي السنوات والأشهر الأخيرة، قام النظام بخرق العديد من اتفاقات المصالحة المكفولة روسياً، ونفّذ اعتقالات واسعة في مناطق كان قد سيطر عليها حديثاً بموجب هذه الاتفاقات، وهو ما يعني أن الإصلاحات الشكلية وتغيير الأسماء هو جلُّ ما يمكن لبشار ونظامه أن يقدموا عليه من تنازلات.

بالمقابل، فإنّ أي حل روسي يحاول الوصول إلى نقطة تلاقٍ مع الولايات المتحدة وأوروبا، يحتاج إلى تغيير سياسي حقيقي حتى لو كان على مستوى منصب رئيس الوزراء. لنتخيل أي شخصية معارضة سوريّة كانت قد أخذت موقفاً جذرياً من النظام في أي وقت مضى، تجلس على مقعد رئاسة الوزراء في دمشق، تمر سيارتها على الحواجز الأمنية والعسكرية، فيما يؤدي عناصر حراسة مجلس الوزراء التحية العسكرية لها. على ما يحتويه هذا التصوّر من مشاكل سياسية خطيرة، إلا أنه لا يبدو مقبولاً ولا ممكناً بأي حال من جانب نظام الأسد، الذي لم يظهر في أي وقت أن لديه مرونة يمكن أن تقبل بأمر كهذا، حتى لو لم يكن لدى رئيس الوزراء المعارض هذا صلاحيات أوسع من صلاحيات رئيس الوزراء الحالي.

إذا أرادت موسكو تلبية رغبة بشار الأسد الحقيقية، فهي لن تستطيع تقديم هذه الطروحات خارج إطار الشكليات «غير المؤذية»، تماماً كما حدث في مسألة اللجنة الدستورية، لكنّ موسكو تعرف أنّ هذا ليس كافياً، وأنّ التجارب الغربية معها في موضوع اللّجنة الدستورية قد استنفذت كلَّ حيلها، وهو ما سيعني أنّ التناقض بين رؤية موسكو السياسية ورؤية النّظام السوري قد بدأ. كذلك تشي السرعة الروسية في الإعلان عن تلك التحركات، بعد أقلّ من عشرة أيام من إعلان بدء تنفيذ قانون قيصر، بأن لديها توجهاً لتقديم حلول سياسية بهدف تجنّب انهيار سوريا تماماً نتيجة الأزمة الاقتصادية التي بدأت تتصاعد منذ بداية العام الحالي.

ليس من عادة بوتين التفاعل مع الضغوط الأميركية والغربية مباشرةً، خاصّةً إذا ترافقت تلك الضغوط مع عقوبات اقتصادية قاسية. بوتين يُفضّل في العادة الإصرار على موقفه لفترة أطول من الزمن، بهدف إظهار القوّة أمام واشنطن. في حالة قانون قيصر رأينا العكس، اجتماعٌ خاضه بوغدانوف خلال أقل من عشرة أيام، وتسريب لمحضر اجتماع جرى في وقت سابق، وإعلانٌ عن رغبة روسية بفتح حوار موسّع مع واشنطن حول المسألة السورية استبقت تنفيذ القانون، ردّاً على رسائل وجهها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، وهو ما قد يعني أنّ روسيا لا تملك أي قدرة على ضبط الأوضاع الاقتصادية في الفترة المقبلة، وهي أخبار خطيرة بالنسبة لنا كسوريين ننتظر أوضاعاً أكثر كارثيةً في الأشهر المقبلة، إلّا أنها تعبيرٌ عن إشارات روسية جدية على ما يبدو هذه المرة، لبدء تحول في موقف موسكو تجاه ما تراه حلّاً سياسياً في البلد الذي دمّرته.

التناقض الواضح بين ما تطرحه موسكو وبين ما هو حل أو مسار سياسي مقبول من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما يزال قائماً، والشرخ الواسع بين طروحاتها وطموحات عموم السوريين أوسع بكثير من تلك التناقضات، لكنّ الإشارات الروسية الأخيرة قد تكون بداية لتحولات جديّة للغاية، ربما تتيح لنا نحن السوريين هامشاً من التأثير والعمل لم يكن متوفراً طوال السنوات الماضية.