إلى الرّقة عبر خطوط التمزّق

 

«لم يكن محتّماً عليّ القيام بذلك، وأعرف جيداً أن من يقرر الانتقال من جهة إلى جهة في خريطة ممزقة قد يتمزق معها، غير أننا ممزقون على أي حال. لكنني لم أزر هذا الجزء من الخريطة قبل الدمار، فكيف سأزوره الآن؟ وأيضاً من يؤمن لي فيزا العبور إلى منطقة كانت يوماً ما جزءاً من خريطة بلادي؟».

لم يستفزني كلامه عن الزيارة الغريبة التي قام بها بقدر ما استفزني كلامه عن الفيزا، أعرف جيداً أن التنقل بين المناطق أمر صعب بسبب الاصطفافات السياسية والعسكرية الحالية في أجزاء مختلفة من سوريا، لكن أيحتاج الأمر لفيزا بين مدن ومناطق تقع على خريطة واحدة؟

يجيب على تساؤلي: «نعم هذه المناطق هي جزء من الخريطة لكن هذا مع وقف التنفيذ، لذلك أحتاج إلى فيزا للعبور إلى هذا الجزء من الخريطة. هي ليست فيزا بالمعنى الفعلي، إذ لا حاجة لجواز سفر، هويتي كافية، إنما يجب أن يكون هناك كفيل لي في ذلك الجزء من هذه البلاد، هذه الكفالة التي جعلتني أستعيد ما حدث مع والديَّ يوم قررا الهجرة للخليج لعدة سنوات ومن ثم العودة إلى الوطن، إلى الخريطة الواحدة التي عرفنا تضاريسها في المدرسة، السفر لتأمين مستقبلنا نحن الذين أصبحنا شباباً الآن ثم العودة للعيش الكريم هنا، في هذه البلاد الممزقة. يومها احتاجا إلى كفيل يؤمن إقامتهما في المملكة العربية السعودية، وأنا الآن أحتاج إلى كفيل ليؤمن لي زيارة ليومين إلى مدينة تقع ضمن الخريطة التي قالوا لنا في المدرسة إنها "الوطن". لم يكن محتماً عليّ القيام بذلك، لكنني سأجرب، سأفعلها.

(1)

سألتُ عن وسيلة النقل فأخبروني أن هناك بولمانات تعمل بين المنطقتين المتنافرتين الآن، حجزت تذكرة على الهاتف قبل يومين من الرحلة عبر إحدى الشركات العاملة بيننا وبينهم، لكن لم يخطر في بالي أبداً وجود شركات نقل بهذه الكثرة تخدم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، المناطق غير المتجانسة. اكتشفتُ ذلك في كراج حمص الشمالي، وأسعار التذاكر أيضاً كانت منطقية إلى هناك، أكثر بقليل من أسعار التذاكر بين المناطق المتجانسة على الخريطة، لكنها مع ذلك تبدو منطقية لي، بين ستة آلاف ليرة وعشرة آلاف ليرة سعر التذكرة للشخص الواحد في ظلّ هذا التمزق السياسي والتضخم الاقتصادي هو رقم مقبول. الطريق إلى هناك سالكٌ إذن، وليس بالصعوبة التي كنت أتوقعها.

وصلت إلى كراج حمص الشمالي صباحاً، لكن خطأً في الحجز لدى الشركة التي كان من المفترض أن أسافر معها صعّبَ الأمر عليّ قليلاً. قررتُ ألا أستسلم للأمر عند أول مطبّ، فبحثت عن وسيلة أخرى، وقد جعلني وجود شركات بولمان كثيرة إلى تلك المناطق أجرّبُ أن أوقف سيارات أجرة توصلني إلى هناك. جربت أن أوقف العديد منها، ولم أُفاجأ من الاستغراب الذي بدا على وجوه السائقين. من يذهب هذه الأيام إلى الرقة؟ إلى مناطق قسد؟!

بعد عدّة محاولات وجدت ضالتي بسائق سيارة أجرة وافقَ أن يقلّني إلى الرقة، حقيقة الأمر أنني أنا من استغربت الأمر هذه المرة، فمحاولتي لإيقاف سيارة أجرة كانت غير منطقية، ونتيجتها كانت شبه معروفة بالنسبة لي. من الجنون أن تذهب بسيارة أجرة بين جزئين غير متجانسين في هذه الخريطة. 

بعدما ركبتُ مع السائق، اكتشفتُ أنه متطوع ضمن قوات الدفاع الوطني في حمص، ولديه معرفة بكافة الحواجز على كامل الطريق، والخبرة الكافية للتعامل مع عناصر هذه الحواجز، وقد أكّدَ لي أنه سيوصلني إلى آخر نقطة من مناطق النظام، وأن عليَّ أن أكمل مغامرتي في هذا الطريق. كيف سأكمله لا أعرف، لكنها مغامرة، والمغامرة يجب أن تكملها بصرف النظر عن الوسيلة.

(2)

لا أعرف كيف كان الطريق سابقاً بين حمص والرقة، لأنني لم أزرها من قبل، لكنه الآن يمر من مدينة سلمية في ريف حماة نحو منطقة إثريا - خناصر، وهي مفترق طرق بين حلب ودير الزور والرقة. الطريق من بعد إثريا كان موحشاً وشبه صحراوي، ولا يوجد سوى حاجزين للنظام عليه. والمرور في هذا الطريق مخاطرةٌ بحد ذاته لوحشته، فأي طارئ قد يحصل سيعني أنك انقطعت عن العالم.

كان هناك خمسة حواجز للنظام على الطريق بأكمله، حتى نقطة وصولي إلى المكان المتفق عليه مع سائق سيارة الأجرة، وهو آخر حاجز للنظام قبل معبر مدينة الطبقة بكيلومترين اثنين. كنتُ أفكر قبل الوصول بقليل أن أعبر هذين الكيلومترين مشياً على الأقدام، إلى أن صادفني حسن الحظ بمرور بولمان شركة «الأهلية» القادم من حماة باتجاه المعبر. تيقنتُ عندها وبحديث سريع مع أحد الراكبين أن كل المسافرين إلى تلك المناطق هم من أهلها، إما طلاب جامعيون أو أشخاص يعملون في مناطق سيطرة النظام. الراكبون في هذا البولمان كانوا في طريقهم لزيارة أهلهم وبيوتهم، أما أنا، الشخص النافر بين هذا الجمع، وحدي من لم يكن وجوده منطقياً ضمن المسافرين، فليس من المنطقي أن يزور هذه المناطق من تكون هويته غير مطابقة لأسماء المدن والقرى في هذه البقعة غير المتجانسة من خريطة الوطن. ركبتُ في البولمان مسافة الطريق المتبقية حتى معبر الطبقة، أو الحدود، سموه ما شئتم.

(3)

في المعبر الذي هو عبارة عن عدة غرف مسبقة الصنع، والتي يبدو عليها التجهيز التقني الجيد من كاميرات مراقبة وحواسيب؛ ينبغي على الشخص الغريب مثلي أن يثبت سبب الزيارة، وأن يكون سبباً حقيقياً وليس سرداً لقصة وهمية يخترعها العقل، وإلا عرضك الأمر لمساءلة ما، أو أقله رفضاً للدخول. وسببي المُجهز له مسبقاً كان زيارة جمعية خيرية في مدينة الرقة مع ورقة دعوة من قبلهم، هذا هو السبب المخترع من قِبَلي ومن قِبَلِ صديق لي ما زال في الرقة حتى الآن. أما السبب الحقيقي، فهو زيارة المدينة المنسية.

وصلتُ المعبر قرابة الساعة الثالثة عصراً، محاولاً الدخول وتقديم الإثباتات اللازمة، لكن اسمي لم يكن على موجوداً ضمن من يُسمح لهم بالزيارة كما كان قد قال لي صديقي الذي يكفلني ويكفل زيارتي هذه. يبدو أنه لم يكن قد استطاع إدراج اسمي حتى تلك اللحظة، فبدأت محاولة جديدة عبر هذا الصديق وصلاته الشخصية، وعبر التدخل من طرف آخر قريب لصديقي، لديه تواصل مع مسؤول إدارة المعابر في شمال شرق سوريا، وهكذا حصلتُ على وعد بأنه سيكون بإمكاني الدخول خلال ساعات قليلة.

خلال الساعات القليلة التي أمضيتها في المعبر، والتي سأقضي ساعتين أيضاً فوقها منتظراً الموافقة، كان أكثر ما لفت نظري هو لطف التعامل من العناصر الأكراد، لا إهانات أو تجريح أو نظرة كراهية، رغم أنهم غير متجانسين معنا، نحن أبناء الوطن المتجانس! حاولوا المساعدة فعلاً، لكن الإجراءات كانت واضحة ولا تخوّل أي أحد الخروج عليها، إلى أن جاءت الساعة العاشرة مساءً وحصلتُ على الموافقة، موافقة مدتها عشرة أيام، مشروطة بحملي لبطاقة زائر بعد تصويري واحتفاظهم بهويتي الشخصية لحين عودتي، ما يعني ضمانهم عودتي من المعبر ذاته إلى الجزء الآخر من الخريطة المهترئة.

(4)

المشكلة الأكبر التي واجهتني في تلك اللحظات هي وسيلة الوصول إلى الرقة، الوقت تأخر كثيراً ولا يوجد سيارات الآن، ولا وسيلة للتراجع عن الأمر أيضاً. الوسيلة الوحيدة التي وجدتها هي مكيروباص جاء لينقل عائلة ذاهبة إلى منبج، والطريق إلى منبج مختلف عن طريق الرقة، لكنه يمر من الطبقة القريبة جداً من المعبر، وهذا ما شجعني على الركوب معه والوصول إلى المدينة التي كان تميُّزُها واضحاً للعيان رغم عتمة الليل والإنارة الضعيفة؛ بلدةٌ نظيفة والاهتمام بالشوارع فيها هو أو ما تلتقطه العين، ربما لأنها لم تتعرض إلى قصف كبير مثل المدن القريبة منها، أو أن هناك سبباً آخرَ لا أعمله يستدعي هذا الاهتمام. نزلتُ في شارع رئيسي في الطبقة منتظراً أي سيارة أجرة، أيضاً السائقون هنا استغربوا طلب نقلي إلى الرقة، لأن التنقل ليلاً بين المناطق مُستغرب ومُستهجن، إذ يتم التنقل عادةً بين المدن والقرى في ضوء الشمس فقط، فالليل له أهله هنا.

تشجَّعَ أحدهم ووافق أن يقود بي مقابل مبلغ هو ضعف المبلغ المعتاد عند التنقل نهاراً. بداية الطريق كانت بعبورنا جسر سد الفرات الذي يقع عند نهاية مدينة الطبقة على بعد كيلومترات قليلة جداً، كانت المرة الأولى التي أرى فيها النهر الذي بدا وكأن الليل فعل فعلته على سطح مائه. كان موحشاً كهذا الطريق، وكهذه الخريطة التي أعبرها الآن.

بعد أن قطعنا الجسر، وعلى الأوتستراد الواصل بين المدينتين، أكثر ما لاحظته هو الكازيات العشوائية، والكازية عبارة عن مضخة واحدة وأسعارها أرخص من الموجود في حمص كما قرأتُ على اللافتات. يتراوح المازوت بين 40 ليرة و185 لليتر الواحد، ويبدو أن السعر يتراوح حسب نوع المازوت وكيفية صنعه.

 وصلتُ أخيراً إلى بداية الرقة؛ حاجز الفروسية في أول المدينة كان بانتظار أي عابر مثلي ليمنعه من الدخول، لأن الساعة كانت قد وصلت إلى الثانية عشر ليلاً والقانون هناك يمنع الدخول إلى المدينة بعد الساعة 11 ليلاً. اتصلتُ بصديقي/كفيلي، حتى جاء وتدبر أمر دخولي المدينة.

(5)

اليوم هو الثلاثاء، منتصف الأسبوع، تجولتُ في الصباح الباكر ضمن المدينة التي أزورها للمرة الأولى. الطرقاتُ كانت سيئة جيداً والدمار هو سمة المدينة، وإن لم يكن كلياً فهو دمار جزئي. وقد منعني ذلك من التقاط ولو ملمح للرقة أميزها به عن غيرها من المدن القليلة التي زرتها سابقاً في سوريا؛ لا لم ألتقط ملامحها، الرقة لا ملامح لها الآن، قالوا لي أسماء الشوارع والحارات، لكنني لم أحفظ الكثير. ما فائدة أن أحفظ أسماء شوارع مدمرة انتهت صلاحيتها إلا في ذاكرة من سكنها؟ مررنا بسوق المدينة، سوق 23 شباط، كان حيوياً فعلاً رغم أن جزءاً منه مهدّم هو الآخر، لكن الناس أعطوه من روحهم ليحيا في هذا الخراب. معظم محال السوق هي محال للألبسة، وأكثرها محال لبيع الألبسة المستعملة (البالة)، والكثير من المطاعم ومحال صيانة الموبايلات.

انتهيتُ من السوق لأمرَّ قرب حديقة الرشيد المُعاد تأهيلها حديثاً، بالقرب من أحد أبوابها أشاروا لي نحو بناء قالوا لي إنه كان كنيسة اسمها كنيسة الشهداء. لا شيء الآن يدل على أنها كنيسة، البناء متداعٍ ومعظم الأعمدة منحنية والدرج الداخلي للكنيسة تراه بوضوح من الخارج، بعض جدارنها فقط بقيت صامدة، ربما كرمى للشهداء التي تكنّت الكنيسة باسمهم، أو كرمى للشهداء الذين قضوا في الرقة، والذين يشهد عليهم دوار النعيم الذي يعرف جيداً كل من أعدمتهم داعش في منتصفه.

تجولتُ ما استطعت في الرقة، وكان في ودّي أن أصف لكم كل شيء، أن أصف الشوارع أكثر والاتجاهات التي سلكتها وسمات الأبنية، لكن مدينة بلا ملامح هي مدينة لا صفات لها ولا اتجاهات ولا سِمات، ما زالت تحيا لأن أهلها والباقين هنا أرادوا ذلك.

(6)

حاولت التحدث مع الناس في المحال والأسواق، تلمح دائماً حديثاً خفياً بينهم عن الوضع القائم في المدينة وحكم قسد لها، الحكم الذي لا يخفى لكثرة الأعلام الكردية المرفوعة في كل مكان، لكن الحديث يبقى مغلفاً بالحذر والتروي خشية أن يُسمع ممن لا يُرغب في أن يسمعه. قابلتُ أشخاصاً كُثراً عرفني عليهم صديقي الرقّاوي، كلهم كانوا يتمنون زيارة حمص ودمشق وبقية المدن السورية ، لكن ما يمنعهم أنهم إما مطلوبون للنظام أو للخدمة الإلزامية، هذه الخدمة التي يحمل من أجلها حتى الآن عدد جيد من شباب الرقة دفتري تجنيد، دفتر تجنيد مكتوب عليه «الجمهورية العربية السورية»، ودفتر تجنيد آخر فرضته عليهم سلطات الإدارة الذاتية الحاكمة للمكان، وعلى من يرغب في التنقل بين المدن كطلاب الجامعات أن يؤجل خدمته الإلزامية عند الطرفين!

أمضيتُ النهار كله في الشوارع التي لا ملامح لها، هناك روحٌ ما زالت تعيش في المكان، روحٌ تقاوم الدمار والوضع القائم، لكن هذه الروح تختفي عند مغيب الشمس، حين تقلّ الحركة في الشوارع وتُحال إلى العتمة بمعظمها، فالمدينة ما زالت تعيش على الأمبيرات.

لم أشأ أن أُثقل على صديقي في زيارتي هذه، ثقل روحي بعد رؤية المكان كان كافياً، وودتُ لو أن هناك فندقاً لأقيم فيه الليلة الثانية قبل العودة ظهر اليوم التالي إلى حمص وإنهاء هذه المغامرة. قال لي إن منطقة الفندق غير آمنةـ وأنه من الأفضل أن أبيت عنده. سألته عن السبب أمام أصدقائه ونحن نشرب الشاي في أحد المقاهي الشعبية، لكنني لم أصل إلى إجابة، لم يشأ أحدٌ من الموجودين أن يخبرني لمَ الفندق ليس آمناً رغم أن المدينة لا تتعرض لقصف، ومحيطها مؤمن عسكرياً فلا اشتباكات تعكر صفو الرقة، وأنا لم أسأل بعدها.

(7)

صحيحٌ أن تصوراتي السابقة كانت مشابهة إلى حدٍ كبير للواقع الذي رأيته، فالجميع كان يتحدث أن الرقة هي مدينة منكوبة وبحكم المنتهية عمرانياً، لكن الشعور بالمعاناة والخراب والدمار ليس مجرد شعور لدى أهل الرقة فحسب، بل هو واقع معاش بكافة تفاصيله، وهذا ما تستطيع أن تلمسه عندما تطأ قدمك هناك، وسيكون يومٌ واحدٌ كافياً لتشعر بذلك.

أقمتُ في منزل صديقي الواقع في حي الثكنة لليلة الثانية والأخيرة، منتظراً الصباح الذي طال انتظاره أمام مشاعري المختلطة؛ مشاعري المتعلقة بالوطن والانتماء الذي هُتك نهائياً على أبواب الرقة، والحزن على الدمار الكبير جداً فيها. دمارُ حمص قد يكون موازياً وربما أكبر، لكنني عندما رأيتُ الرقة تيقنتُ أننا وصلنا ضمن هذه الخريطة التي نعيش فيها حتى الآن إلى منطقة اللاعودة بالضرر، لا عودة لنا لا عمرانياً ولا اجتماعياً ولا نفسياً، وهذه الخريطة هي مجرد رسم عبثي لا طائل منه في هذا الكوكب، رسمٌ مستباحٌ إلى درجة أنه يُغتصب ويُستنزف يومياً حتى ينتهي عن آخره، وعندما ينتهي سيرمى في أقرب مكبّ قمامة، وكل ذلك لأن هناك من أراد أن نورث أطفالنا أرضاً فارغة من كل شيء، حتى أن أكبر مخاوفي باتت أن نورثهم أرضاً فارغة من المعنى أيضاً.