إلى جنيف أم إلى الحرب؟

 

لم تترك التحركات الأخيرة في الخليج خيارات كثيرة في جعبة واشنطن وطهران، فالطرفان يتحركان بحذر في الهامش الأخير قبل الحرب، فيما تضيق المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحلول الصفرية وطاولة المفاوضات. ويرسم الانتشار العسكري الأميركي الأخير في الخليج حدوداً لا يمكن قطعها بأمان بالنسبة للإيرانيين، بينما قد يضع الصبر الإيراني واشنطن في موقف حرج إذا لم تحرز تقدماً بسرعة. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه نبرات التهديد، تحاول بعض التصريحات الدبلوماسية تخفيض التوتر، إلا أنها لن تنجح في ذلك طويلاً ما لم يكن هناك أرضية واضحة للتفاوض.

مع تشديد العقوبات الأميركية على طهران مطلع الشهر الحالي، بات الاقتصاد الإيراني، المتعب أصلاً، في مواجهة انهيار لن ينتظر كثيراً، تحت وطأة الصدمات التي سببتها الإجراءات المتشددة والمتوالية منذ العام الماضي. لكن الآثار السلبية لهذه العقوبات لا تقتصر على الاقتصاد الإيراني وحده، بل تمتد لتشمل الاقتصادات العالمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات عالية، خاصةً وأن أفق هذا التوتر ليس واضحاً.

أما التحركات العسكرية الأميركية في الخليج، فقد قلصت هامش المناورة إلى حد أن أي خطأ غير محسوب قد يذهب بالمنطقة إلى حرب شاملة لن تتوقف عند الخليج وحده، فيما أدت تهديدات القادة العسكريين الإيرانيين، وبعض التحركات التي رصدتها أجهزة المخابرات في الخليج، مثل تحريك قوارب صغيرة تحمل صواريخ بالستية قادرة على استهداف القوات الأميركية والمواقع الحيوية في الخليج، إلى زيادة التوتر واحتمال المواجهة.

وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية كانت واضحة في عدم نيتها خوض حرب واسعة في المنطقة، إلا أن ضغوط حلفائها، سواء دول الخليج أو إسرائيل، تضعها في موقف يصعب فيه التراجع عن التصعيد دون تحقيق إنجازات ملموسة. وفي سجلّ إدارة ترامب تراجعٌ سابق بعد تصعيد، عندما انتهى الأمر بالتصعيد في الأزمة الكورية إلى عقد لقاءات فارغة من المضمون، ألحقت الأذى بموقف الولايات المتحدة مع حلفائها هناك، كوريا الجنوبية واليابان، بعد أن قدم ترامب تنازلات مجانية لكوريا الشمالية إثر لقائه مع كيم جونغ أون، وهو ما كان تعبيراً عن فشل الولايات المتحدة في إدارة الأزمات العالمية. أما في الحالة الإيرانية، فإن إنهاء التصعيد دون الوصول إلى نتائج ملموسة سيكون أثره مضاعفاً على سمعة واشنطن، التي ستكون قد ارتكبت الخطأ نفسه مرتين بفاصل زمني قصير.

ضمن هذه الأجواء بدأت حدود الحرب والسلام بالارتسام، حدود معقدة ودقيقة حتى أن مجرد صاروخ كاتيوشا سقط يوم أمس على محيط السفارة الأميركية في العاصمة العراقية ولم يخلف أي إصابات او أضرار، دفع ترامب لتوجيه تهديدات لإيران قائلاً عبر توتير «إذا أرادت إيران القتال، فستكون هذه نهايتها الرسمية، لا تهدد الولايات المتحدة أبداً». هذه التحذيرات التي أطلقها الرئيس الأميركي، يبدو أنها ترسم بدورها حدوداً جديدةً لمدى التصعيد العسكري الذي تستطيع إيران الخوض فيه دون الوقوع في حرب، وهو يبدو في هذه اللحظات أصغر من أي وقت مضى.

في الواقع، قد يكون هذا التصعيد حدّاً فاصلاً في بنية النظام الدولي، فإذا لم تستطع واشنطن تحقيق تغييرات حقيقية وواضحة في السلوك الإيراني وتوازن القوى في المنطقة في أقرب فرصة، فإن أي شيء آخر لن يفلح في المستقبل، وحتى توجيه ضربات عسكرية عندئذٍ لن يكون ذا جدوى. وبينما استطاعت حرب الخليج الثانية والعقوبات الأممية إخراج نظام صدام حسين من معادلة الصراع في المنطقة نهائياً حتى قبل غزو العراق عام 2003، فإن احتمال قدرة تصعيد واشنطن على تحصيل نتائج مماثلة إذا ما استمر على هذه الحالة قد تتراجع، إذ تعتمد الآثار الاقتصادية والسياسية للتصعيد العسكري والعقوبات الأخيرة على مبدأ الصدمة الذي يؤدي إلى خسائر موجعة للطرف الإيراني، فيما سيقود استمرارها على الوتيرة نفسها، أو التراجع عنها، إلى نتائج عكسية.

ويبدو واضحاً أن النظام الإيراني يراهن على أن الولايات المتحدة لا تنوي الدخول في حرب جديدة، ما سيجعل سقف التصعيد محدوداً بانتظار تغيير يسمح بشروط أفضل له في أي عملية تفاوض جديدة، لكن طهران تعرف جيداً أنها لن تحتمل مزيداً من التصعيد دون أن تضطر إلى اتخاذ أحد الخيارين الصعبين بالنسبة لها، إشعال حرب في المنطقة، أو التفاوض مع ترامب وهو في موقف متفوق.

أما آثار العقوبات والضغوط الأميركية، فإنها ظهرت في وقت أبكر على حلفاء طهران، إذ يواجه نظام الأسد ومنذ بداية العام الحالي أزمة اقتصادية لا تزال تتفاقم نتيجة توقف الدعم المالي الإيراني الذي كان يوفر القدرة على استيراد مستلزمات مناطق سيطرته من الطاقة؛ بينما تتحدث تقارير إعلامية عن توقف حزب الله عن دعم العديد من القطاعات الإعلامية والخدمية التي وفرت له الولاء داخل لبنان؛ أما الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق، فلا يبدو أنها تملك حرية الحركة بعد الضغوط والتحذيرات الأميركية الأخيرة، التي دفعت قوى السياسية ومرجعيات دينية مؤثرة إلى محاولة تحييد العراق عن هذه الأزمة، ما يشي بأن النتائج الأولى لمثل هذا التصعيد ستظهر بسرعة على شبكة الميليشيات والحروب المحلية التي تدعمها إيران في المنطقة. وفي سوريا حيث لا يبدو أن الميليشيات المدعومة من روسيا قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة لوحدها، سيكون تراجع قدرة الميليشيات الإيرانية مدمراً على مستقبل التحالف الذي سمح ببقاء بشار الأسد حتى اللحظة.

يعتمد كل ذلك في الحقيقة على مدى إصرار الإدارة الأميركية على إحداث تغيير حقيقي في الوضع القائم الآن، فإذا ما قرر دونالد ترامب الانسحاب من التصعيد في الخليج من دون تحقيق نتائج تذكر لتجنب خوض حرب في المنطقة، فإنه سيكون من السهل جداً تعويض كل خسائر طهران منذ بداية العام، بينما إذا استطاعت الإدارة الأميركية فرض توازن جديد في الخليج، فإن الصدمات المتتالية التي تتلقاها طهران وحلفاؤها في المنطقة، ستتوج بتراجعات عديدة في سوريا ولبنان وحتى اليمن.