إلى حسان عباس: لقد آن آوان الحداد

 

هذا ليس بوحاً يا حسان، ولا رثاء. هذه شذرات من أحاديث ورسائل مؤجَّلة، كان صراعك مع المرض قد دفعني مراراً لأن أمتنع عن إرسالها لك في كل مرة هَمَمتُ بذلك. هذه كلمات غير منتظمة، لن تقرأها، ربما لهذا بالذات أُخرجها الآن للعلن.

ولأنها كلمات ابتلعتُها مراراً في الشهور الأخيرة، سيصعب عليّ ترتيبها، وسيستحيل إتمامها دفعة واحدة. هذه حكاية جيلَين يا حسان، جيلِك وجيلي. هذه حكاية مازلنا نحاول فهمها ولملمة أجزائها المبعثرة بوقع القمع والهزائم والانكسارات المتوالدة.

لكن من أين أبدأ؟ ربما من لقائنا الأول. كنتُ أنا في الثامنة عشرة، وأنت في الثالثة والأربعين. كان صيفَ العام 1998 حين زرتُك في بيتك في حي مشروع دمر بدمشق، رفقةَ صديق عمري أوس، لتعهد لي بمهمة ستغيّر حياتي تماماً: أن أُشرف على دروس ولديك يزن وآرام أثناء غيابكما اليومي عنهما، أنت وزوجتك زهرة، مساء كل يوم بسبب العمل. كان يزن في الصف الأول، وآرام في الرابع. كنتُ أنا على وشك الالتحاق بالسنة الأولى في قسم الأدب الإنكليزي بجامعة دمشق. الشاب الذي كنته في حينها كان تواقاً لخلع زي المدرسة الثانوية ودخول الجامعة. كان في حقيقة الأمر مازال طفلاً. أدركتَ أنت هذا، وقلته لي لاحقاً. قلت لي إن هذا ما جعلك تختارني لهذه المهمة، لأنك أردت صديقاً لآرام ويزن وليس أستاذاً خصوصياً. وهكذا كنا. لقد جعلتم مني جزءاً من عائلتكم. نشأت بيننا صلة قربى تقوم عُراها على الاختيار، لا الولادة والنسب. صلة قربى لن يفتتها شيء... حتى الموت. اليوم أعرف هذا بشكل قاطع.

ومنذ لقائنا الأول ذلك، ومكتبتك الكبيرة الوافرة بالكتب والمجلات والأفلام والتسجيلات الموسيقية باتت مكتبتي أيضاً. في ساعاتي الطويلة التي سأقضيها هناك، طوال السنوات الخمس اللاحقة، سأقرأ بنهم سأفتقده كلما كبرت، وكلما اعتقدت مزهواً بحُمق أني بتُّ أعرف أكثر. بين تلك المكتبة ومكتبة أسامة ووفاء، جيرانِكما في نفس البناء ووالدَيْ رفيقَي طفولتي أوس وملهم، قرأتُ كل شيء وقع تحت يديّ. من هيغل وماركس إلى فوكو ودريدا، ومن ثربانتس وغوته إلى توماس مان وويليام فوكنر. ما لم أفهمه حينها كان على الأغلب أكثر مما فهمته، لكني كنتُ كمن وقع على كنز ولا يريد التفريط بأي شيء منه.

بين هذين البيتين أيضاً سيتشكل وعيي السياسي، كما هو حال الكثير من الصبايا والشباب من أبناء جيلي. ففي البيتين الذين تفصل بينهما أمتار قليلة فقط، سأتعرف على فنانين وكتاب وسينمائيين وحقوقيين ومعتقلي رأي قضوا سنوات طويلة في سجون النظام السوري. البيتان أصبحا عالماً رحباً لا حدود لمعارفه ومفاجآته بالنسبة لي. في بيت وفاء وأسامة ومعك سنلتقي رياض الترك عقب خروجه من اعتقاله الطويل الأول في 1998. هناك سألتقي معك أيضاً للمرة الأولى برزان زيتونة، ولاحقاً بزوجها وائل حمادة. وستتولد صداقات أَدين لها بالكثير، كتلك التي جمعتني بياسين الحاج صالح وسميرة الخليل. 

لكن أكثر ما أندم عليه وأنا أتذكر تلك الأيام حماقاتي المتكررة في نقاشاتي معك، وأنا أحاول أن أستعرض معارفي الهشة. كم كنتَ صبوراً حينها يا حسان، وكم أعانني صبرك ذاك فيما بعد لأفهم كيف تكون الممارسة الثقافية فعلاً مقاوماً، وكيف يمكن اجتراح هوامش هذه المقاومة في بلد يحكمه الخوف من العسكر والمخابرات. من بيان سألتَني إن كنتُ أرغبُ بتوزيعه في جامعة دمشق، لجمع التوقيعات عليه دعماً لرواية ممدوح عزام قصر المطر التي كانت تتعرض لهجمات تكفيرية من بعض مشايخ عقل الطائفة الدرزية؛ إلى طلبك مني المساعدة في تحضيرات «نشاط الجمعة الثقافي» في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في دمشق، والتي كنتَ تُديرُ فيها حوارات لم تكن تتسع لها أية فضاءات أخرى في المدينة، إذ حرصتَ على إعطاء منبر لكتاب وموسيقيين وسينمائيين مستقلين لعرض أعمالهم.

ثم جاء انخراطك المحموم بربيع دمشق في عام 2000، الذي كان حُلماً أُجهِضَ سريعاً على كل حال. لن أنسى قط القلق والترقُّب على مُحَيّاك تلك الفترة التي أعقبت توقيعك على بيان «الـ99»، ثم عملك الدؤوب لتكريس نشاط «منتدى الحوار الثقافي» في مشروع دمر، وإشراكك لي ولصبايا وشباب آخرين في المنتدى تنظيماً وحضوراً ونقاشاً. هل تعلم كم كان هذا مُلهِماً وكبيراً لصبايا وشباب في أوائل العشرينات يا حسان؟ كم كنتَ كريماً معنا!

هل تذكر النادي السينمائي الأول الذي أطلقناه؟ لم نكن نملك حينها أي مقومات. بالطبع لا التراخيص والموافقات كانت ممكنة، ولا توافر أي فضاء يحتضن هكذا نشاط. فكان الجواب بسيطاً: بيت أسامة ووفاء مجدداً! كنتَ أنت مُرشِدنا مرة أخرى: مجموعة صبايا وشباب يتجمهرون في غرفة جلوس حول شاشة تلفزيون لمشاهدة أولى عروض النادي السينمائي الصغير. وقع اختيارك على فيلم راشومون لكيروساوا كي نفتتح أفلام النادي. كنتَ تمتلك نسخة وحيدة مع ترجمة فرنسية فقط. لم يكن أحد منا يُجيد الفرنسية بالطبع، ولم تكن تلك الأيام في سوريا لا أيام أنترنت ولا أفلام متوفرة على ديفيدي. فاخترعت أنت الحل كعادتك: ستُترجِم لنا الفيلم كدوبلاج مباشر. كان الأمر مَثارَ تهكم بيننا، لكننا وبعد عشر دقائق فقط كُنا غارقين في تحفة كيروساوا بالأبيض والأسود، وبصوتك البشوش يتولى الترجمة. مَن غيرُك يفعل ذلك يا حسان؟

هل تذكر من كان معنا ذلك اليوم؟ شادي، وملهم أيضاً.

شادي كان يكبرني بثلاثة أعوام، وكان حينها يصارع وحده كآبة شديدة أخفاها عنّا. كنتُ فقط أشعر بميله الشديد للانعزال، فأُصِرُّ عليه أن يأتي معي إلى جلسات مشابهة كالنادي السينمائي. شادي لم يتوقف عن الحديث عنك وعن راشومون لشهور عديدة تلت، بالمناسبة. لكنه بعد سنتين تقريباً سيعلن هزيمته في صراعه المديد مع الكآبة. سيمشي وحيداً في الليل في قلب دمشق، يصعد إلى بناء قبيح عالٍ كان ما يزال قيد الإنشاء، ويرمي بجسده ليتحرر من عبء لم نستطع قط مشاركته إياه. ستتصل أنت فيّ مباشرةً بعدما وصلك الخبر. لن تقول لي شيئاً على الهاتف سوى أنك تريد أن تراني بسرعة. استغربتُ إصرارك، الذي بدا لي مزعجاً قليلاً. عندما وصلت إليك، سألتني «كيفك بعد خبر شادي؟». تصنعتُ الصلابة، ولا شك أني بدوت وقحاً في إجابتي حين قلت «أحترم خياره». لن أنسى ما قلته لي حينها: «لا بأس إن حزنت أو حتى بكيت. لن ينتقص الأمر من رباطة جأشك بالمناسبة». أكملتُ أنا تهكمي ولم أبكِ طبعاً.

بعدها بسنوات قليلة سيتوقف قلب ملهم عن الخفقان وهو نائم، ابن أسامة ووفاء الأصغر؛ صديقي المقرّب وابن أصدقائك المقربين. ستعرف هذه المرة مني. كنتُ أحضن سمو وهي تبكي، وكنتَ أنت تتحضر صباحاً للذهاب إلى عملك قبل أن تشاهدنا في الشارع، لأخبرك برحيله وسمو ما زالت غارقة في البكاء. طلبتَ منا أن نصعد معك إلى منزلك، وفعلنا. جلستَ وحرصتَ على مواساة سمو، وكنت تلتفت إلي وأنت تدرك أني ما زلتُ تحت وقع الصدمة. مرة أخرى لم أبكِ. كان ذلك في وقت يموت فيه شباب سوريين لم يبلغوا الثلاثين بعدُ من الكمد في بلد كان يخنقهم باضطراد.

لم نكن نعرف حينها أن ثورة ستندلع بعد سنوات تتلوها مقتلة مفتوحة على كل أشكال الموت وصنوفه، ستحصد شباباً وأطفالاً وكهولاً، لدرجة أننا سنفقد القدرة على إحصاء وتذكُّر من رحلوا. لكن هناك أمراً واحداً تقريباً ثابرتُ عليه، وثابر عليه كل من حولي. لم أبكِ. لم نبكِ. لم أبكِ عمر عزيز حين وصلتْ أنباء موته في سجنه الأسدي، ولا بكيتَه أنت أيضاً وقد أحببتَه كثيراً. لم أبكِ خالد العيسى الذي اغتاله الظلاميون الإسلاميون، ولا صديق الطفولة أنس العظمة الذي شاهدتُ صورة جسده النحيل المُعذَّب ضمن صور قيصر. معظم السوريين حولي، ممن فقدوا أكثر مني بكثير، لم يبكوا أيضاً، أو فعلوا ذلك باقتضاب وبشيء من استعجال ومواربة.

كنتَ أنت أحد هؤلاء بالمناسبة. لا بل كنت من أكثر من عرفتُهم حرصاً على إخفاء مشاعر الحزن أو الضعف ورفض التوقف من أجل الحداد. حرصتَ دوماً على أن تبدو متفائلاً مستبشراً بالأفضل، حتى حين كان من الجلي أنه لن يأتي! فعلتَ ذلك لأنك كنت تشعر بأن من واجبك أن تمد الآخرين بالقوة والأمل. كان هذا عبئاً ثقيلاً وزائداً عن أي حاجة يا حسان، وأخشى أنه من أدخل المرض إلى جسدك الذي أنهكتْه مكابرة الحزن ورفض التوقُّف للإصغاء لأنّاته ولو قليلاً. باتت مقولتنا الرائجة: «مصيبتنا أهون من مصيبة غيرنا!»، وحجتنا الجاهزة: «بخجل إحزن وأنا عم شوف أبو فلان أو إم فلان والوجع اللي عايشينو». لم نُقِمْ مراسم العزاء التي تليق بالرحيل الهائل لموتانا، أو حتى برحيلنا عن بيوتنا ومدننا أو رحيلها عنا. لم نتوقف لنتيح للحداد والحزن وقتاً. كنا مشغولين على الدوام بأن نبقى متماسكين، وربما لنتحضّر لمآتم جديدة قادمة لا محالة بعد حين. نهرول ونلهث ونحن نواجه موت أحبتنا، نهرب من البكاء عليهم بسخاء نحو كتم الحسرات وجعلها تأكلنا ببطء. وهكذا أصبح موتنا سخياً، وبكاؤنا مُمتنعاً، وحدادنا مُبتَسَراً.

لكن مهلاً لماذا عدتُ إلى اللقاء الأول؟ ربما كان يجب علي البدء من لقائنا الأخير يا حسان.

كان ذلك في شهر شباط من العام 2019، أي قبل فترة قصيرة من بدء استيطان المرض اللعين لجسدك. أكثر من عشرين عاماً فصلت هذا اللقاء عن لقائنا الأول في دمشق، امتدّت عبرها صداقتنا وتوطّدت، لا بل إنك في مرحلة ما أصبحت أستاذي أيضاً في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، الذي دَرَّستَ فيه مادة النقد الأدبي لعشر سنوات. في هذا اللقاء، كنتُ أنا أقارب الأربعين، وأنت تجاوزتَ الستين ببضع سنوات. كنتَ تعيش وحيداً في بيروت، فيما زوجتك زهرة في دبي، وآرام في باريس، ويزن في برايتون: حكاية سورية مألوفة! عائلات مشتتة ومتباعدة. كانت هذه زيارتي الأولى لبيروت بعد مغادرتي القسرية لها، وبعد أن ظننتُ أنه لم يعد بإمكاني زيارتها مجدداً.

كل شيء تغير، حلمنا بالتغير في سوريا سُحق، وعالمنا انقلب رأساً على عقب. هناك شيء واحد فقط لم يتغير: إقبالُك على العمل، وعلى اختراع الأمل، وطاقتك المدهشة على ابتكار مبادرات جديدة والتشبيك من خلالها مع جيل الشباب.

ها أنا أَستحضرُ بالضبط شريط لقائنا الأخير ذاك: كنا نتمشى خارج مكتب حسان في حرم الجامعة الأميركية في بيروت، وفي يدي نسخة من كتابه الجديد الموسيقى التقليدية في سوريا، فيما هو يحدثني بشغف عن كتاب جديد يشرع بالبدء فيه حول تمثيل الجسد في رواية الحرب السورية، ومبادرات ومشاريع كثيرة أخرى، تجعلك تُدهَش من قدرة هذا الرجل على العطاء. ثم توقفنا أمام بناء زها حديد الجديد داخل حرم الجامعة. لم أكن قادراً فعلاً على تحديد مشاعري تجاه البناء ذي الكتلة الباطونية الخام البارزة. سألتُه ونحن نتأمل البناء: «ألا تضيق عليك بيروت يا حسان؟». كانت كل أحاديثنا في الأيام السابقة عن انسداد الأفق في بيروت، وبخاصة على وافديها السوريين الذين كانت أوضاعهم القانونية فيها تزداد صعوبة، فيما سُبُل معيشتهم معدومة تقريباً. عدد كبير من أصدقاء حسان وطلابه غادروا بيروت، وكان هو يشعر بثِقَل فراغهم المتزايد من حوله. لكن حسان قال لي وهو يحثني على المُضِيّ لتجاوز المبنى الحديث نزولاً نحو الواجهة البحرية لحرم الجامعة: «أنا كتير مبسوط إنكن سافرتو، إنتوا هلأ بمكان أحسن بكتير». ابتسمتُ وأنا موقن بأنه لن يعترف، ولو تلميحاً، بأن الأمر يسبّب له الضيق.

كم كان متعذراً عليك يا حسان أن تُشعرنا ولو مرة بأننا قادرون نحن على طمأنتك أو بث العزيمة فيك! ليتك منحتَنا الفرصة لمرة واحدة فقط أن نبادر نحن نحوك أولاً، ولو بمقدار قليل من الحب والاهتمام الذي أحطتنا به. حتى في أيام مرضك الأخيرة، وفي الرسائل الصوتية المسجَّلة التي باتت تقل وتتباعد، كنتَ أنت السبّاق معي ومع الآخرين للاطمئنان عليهم. كان هذا يُربكني أكثر ويتركني متلعثماً، أبلع نصف جُمَلي وأُبقيها حبيسة صدري. 

لأكثر من عشرين عاماً يا حسان عرفتُك فيها، بقيتَ أنت أكرمنا. بنيتَ جسوراً كثيرة بين جيلك وجيلي، لم أعرف أحداً مثلك عمل لهذا الأمر بمثل ذاك الدأب. أترى من يودّعونك اليوم يا حسان؟ ليس فقط رفاق دربك، وليس فقط أبناء جيلي ممن كانوا طلابك أو عملوا معك أو تحت إشرافك، لكن صبايا وشباب يصغرونني اليوم بعشرين سنة، يقولون أشياء كثيرة عن نُبلك وعن دروب أَرشدتهم إليها ومشيتَ معهم فيها، كصديق أولاً قبل أن تكون معلماً. لا تجود علينا الأقدار بأُناس من معدنك كثيراً يا حسان.

عندما وصلني خبر رحيلك البارحة، بقيتُ صامتاً وقتاً طويلاً. راعني أني لم أعرف ماذا أفعل! لكن أكثر ما أثار حِنقي هو أني مرة جديدة لم أبكِ. تبادلتُ بعض الرسائل المكتوبة مع أصحابنا المشتركين، لكني رفضتُ الكلام مع أي منهم. كنت أعاود الوصول إلى أرقام زهرة وآرام ويزن على موبايلي، لكني لم أجرؤ على الاتصال بأيٍّ منهم. فقط أرسلتُ لهم رسائل قصيرة. هذا كل ما استطعتُ فعله. كان قلبي ثقيلاً يكاد ينفجر، لكن عيوني بقيت جافة. كُلَّما نظرتُ في المرآة يتراءى لي أنْ لا حياة فيهما. هاتفي لا يتوقف عن الرنين. إنهم أحبتك الكثيرون يا حسان. لكني لا أردّ. مضى اليوم هكذا: أمشي في دوائر داخل المنزل، أَنظرُ في المرآة لأرى عيوناً جافة، أنتظرُ ساعات الليل المتأخرة كي أخرج دون أصدف أحداً. إنها ساعات الليل المتأخرة التي تعرف أني أحبها يا حسان، وكنتَ تتندّر أني بذلك أُشْبه البوم الذين تعشق، والذين علمتني أن أعشق، وأن أعيش حياتهم أيضاً.

الطقس في برلين كان يليق بجنازة متعذرة كجنازات السوريين في السنوات الأخيرة يا حسان. غيوم داكنة ماطرة وريح باردة. سلكتُ دروبي المعتادة بعيداً عن الشوارع الرئيسية في حي نويكولن. أَخترقُ حدائق تبقى مُعتِمة هنا في الليل، ثم أمشي بجانب المساحة الخضراء المترامية الأطراف لمطار تيمبلهوف القديم وهي غارقة في العَتمة. لا أحد غيري يمشي في هذه الليلة الماطرة هنا. ومن فتحة في جدار أعرفها جيداً أدخل إلى مقبرة موازية للمطار القديم، هناك حيث أصادف البومَ حين أكون محظوظاً. أُبطئ من خطواتي قليلاً وأنا أجوب في المكان الذي أُنشد فيه السكينة في تجوالي الليلي المُعتاد. يشتد تساقط المطر، لكني أشعر بجسمي يتعرق وكأني مصابٌ بحُمّى. وكانفجارٍ لِماء من باطن الأرض، تندفع صورك فجأة في رأسي.

تتداعى ذكريات متناثرة وبديعة عبر سنوات طويلة: احتفاؤك بالطعام الذي كنت تتفنّن بإعداده، والموسيقا التي سمعتها من أسطواناتك لأول مرة. تعلمت منك حب الجاز وتشيت بيكر. ينساب صوت إحدى مقطوعاته عالياً في رأسي، فأُكمل المشي دون حاجة لأراقب خطواتي على أرض عشبية مبتلة، فأنا الآن لست في المقبرة قرب مطار تيمبلهوف في برلين. أنا الآن أُعبر الحديقة التي كانت تفصل بيت أهلي في دمشق في حي مشروع دمر عن الشارع الذي يقع فيه البناء الذي تقطن فيه أنت وتقطن فيه عائلة أوس أيضاً. تماماً كما كنت أفعل منذ عشرين سنة تقريباً عندما يجافيني النوم بسبب آلام الحب الأول.

أقترب من بيتك الذي كان في الطابق الأول مطلاً على الشارع الفرعي الهادئ تماماً في هذه الساعة المتأخرة من الليل. أشعرُ بوهنٍ مفاجئ في ركبتَيّ يُجبرني على الجلوس في حديقة بناء بيتكم مقابل نافذة المطبخ. تَغمرني السكينة الآن وأنا أجلس هنا، على مقربة من بيوتي الثلاث. بيت أمي وأبي حيث قضيت طفولتي أنا وأخوتي، وبيتك أنت وزهرة وآرام ويزن، بجانب بيت وفاء وأسامة وأوس، في هذين البيتين كبرتُ واختبرتُ الحب وانكساراته والكتابة وخيباتها للمرة الأولى. الثقل السقيم يتلاشى من صدري وكذلك حرارة جسمي المرتفعة. وحيداً في هذه اللحظة المتخففة من كل عبء، تبتلّ عيناي أخيراً. أبكي كثيراً يا حسان، أبكي كما يليق بك. أبكي كل من لم أستطع بكاءهم من قبل.

ثم أرى الضوء ينساب من نافذة مطبخك، وأراك وقد نهضت من النوم تشعر ببعض الجوع. أعلم أنك بصدد تحضير بعض «الشنكليش» الآن، وستستغل فرصة أن الجميع نيام كي تضيف له بعض الفليفلة الحمرا التي تؤذي معدتك لكنها تحبها جداً. أراقبك بهدوء وأنت تعد وجبتك الأثيرة هذه، لكنك تراني بالصدفة من نافذة المطبخ، فتقترب مُندهشاً وتخاطبني: «شو عم تعمل هون يا شب؟». أمسح دموعي بسرعة كي لا تلحظ. «ولا شي... مارق بالصدفة». لا تصدقُني طبعاً لكنك تبتسم، فيما أغادرك أنا وأقول لك «تصبح على خير حبيبي حسان… تصبح على خير». أُقفلُ عائداً إلى البيت قبل أن تستيقظ أمي لتصلي الفجر فتلحظ سريري الفارغ. ثم أجد نفسي أمشي بمحاذاة مطار تيمبلهوف في برلين. حبات المطر باتت أخف، والشارع ما زال مقفراً.

أصل البيت وأشرع بكتابة هذه الكلمات لك. تخرج مني دون ضوابط وقيود. لا أعرف كيف بدأتْ لكني أدركُ أن الكتابة لك وعنك لن تتوقف هنا، فيما يلوح ضوء النهار وتبدأ أشعة الشمس النادرة هنا في برلين باختراق نافذتي. هذا نهار مشمس يا حسان بعد ليلة ماطرة كئيبة، نهار يليق بوداع متحرر من امتناع الحداد. يليق ببداية حزنٍ نحتاجه كي لا تسحقنا الحسرة، حزنٍ يُتيح للحب أن يغلب المرارة والقبول أن يغلب الإنكار، حزنٍ نحتاجه لمعاودة الإقبال على الحياة بدل الانسحاب المضطرد منها. هذا وعدي لك يا حسان، أن أتيح لهذا الحزن الكبير عليك كل وقته، وأن أعلن الحداد الذي يليق بك، فيما أراك الآن تردد كلمات إيميلي ديكنسون العذبة:

لأني لم أستطع التوقف للموت

تلطَّفَ هو وتوقف لي

حملتنا العربة وحدنا فقط..... رفقة الخلود

وانطلقنا ببطء، دونما استعجال..

وأنا تركت خلفي تعبي وراحتي.