إلى كنف الكفيل

 

«ما يزال في دمه»، تقول فاطمة (اسم مستعار) واصفةً الطفل الذي دخل به زوجها صبيحة ذلك اليوم، منذ سنة تقريباً. تخبرنا عبر الفيديو أنّه قد غدا الآن يحبو ويملأ عليهم المكان، وأن عائلتها تحبه، وهي تخفي عن ولديها الأخَرين حقيقة «أحمد»: الطفل الذي تكفّلته بعد أن وجدوه مرمياً على قارعة الطريق. وتضيف فاطمة بأنها كانت قد أشفقت عليه في البداية، وقامت بتغسيله وإلباسه ثياباً كانت لابنها الأصغر. غدا الطفل بعدها نظيفاً ووادعاً، ونام بعمق بعد أن قامت بإطعامه، لتبدأ المداولات بينها وبين زوجها الذي وافق على بقائه أمام إصرارها.

أحمد واحدٌ من أطفالٍ كُثر غير موثقين في دوائر النفوس السورية التابعة للمجالس المحلية في ريفي حلب الشمالي والشرقي، والذين لا يُعرف عددهم الدقيق. إلا أنّ تقارير توثيقية صدرتْ عن منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، قالت إنّ حالات التخلّي عن الأطفال حديثي الولادة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام قد تزايدت، وقدّرتْ أعدادهم بأكثر من ثلاثةٍ وثمانين طفلاً في الفترة الممتدة بين منتصف عام 2018 وشهر تموز(يوليو) الماضي. بطبيعة الحال، لم يكن أحمد واحداً من هؤلاء المُوثّقين، لأنّ فاطمة رفضت توثيقه في دوائر النفوس.

وتتداول وسائل التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لأطفالٍ تخلّى عنهم أهلهم دون ترك ما يُثبت نسبهم؛ إذ غالباً ما يوضعون بالقرب من دور العبادة أو المشافي والنقاط الطبية، كما كان بعضهم قد وُجد إلى جانب حاويات القمامة، وكانت توضع قريباً منهم أكياس ألبسةٍ لحديثي الولادة. هنالك أيضاً أطفالٌ وُجدوا داخل عبواتٍ كرتونية أو بلاستيكية أو ملفوفين بقطعة قماش، بعمر ساعاتٍ أو أيام، وهناك من وُجد بعمر الشهرين، وفي ظروفٍ مناخية مختلفة، تسبّبت بموت بعضهم، إذ وثقت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة موت خمسة عشر طفلاً خلال السنتين الأخيرتين، وتداول ناشطون صوراً لأحدهم، في كانون الثاني (يناير) الماضي، مرميّاً في حفرةٍ غدت قبره في بلدة بسامس بريف إدلب، وطفل آخر في مدينة الباب وجد ميتاً في أحد مكبات القمامة.

خانات خاصة والكفالة بالنخوة

عند العثور على طفل تخلّى عنه والداه، يقوم من يعثر عليه بتبليغ الدائرة الحكومية في المنطقة أو إيصاله إلى أحد المشافي، وفي كلتا الحالتين يجري تنظيم محضر «ضبط شرطة» بالواقعة، ليبدأ عناصر الشرطة تحقيقاً للبحث عن عائلته. غالباً لا يصل التحقيق إلى نتيجة، حسب ما يقول شرطي في قسم التحقيق في مدينة إعزاز، وقد أخبرنا أنّ معظم هذه الوقائع تجري في ساعاتٍ متأخرة من الليل، ومن الصعب الوصول إلى تفاصيل حدوثها، لا سيما في ظلّ عدم وجود كاميرات مراقبة أو معدات تسمح للشرطة بتطوير البحث، الذي يُغلق عادةً خلال أيام قليلة.

ويضيف الشرطي أنّ «البحث عن العائلات غير جادّ بما فيه الكفاية، خصوصاً مع وجود شعورين متناقضين تجاه الحالة؛ هما التعاطف والقسوة، إذ من الصعب على أحدهم أن يرمي ابنه في قارعة الطريق دون أن يكون في أعلى درجات اليأس. فضلاً عن ذلك، هناك حالات الحمل لدى "غير المتزوجات" وضحايا الاغتصاب وحمل السفاح..».

بعد تحويل الطفل إلى المشفى والاطمئنان على حالته، تتكفّل إحدى العائلات به من خلال الإعلان عن وجوده، وينحصر دور الشرطة بتنفيذ القوانين وأخذ التعهد ومعرفة مكان السكن والتأكد من سمعة الكفيل ومن أنه متزوج، إذ لا يمكن إيكال الطفل إلى رجلٍ أعزب.

بعد ذلك، تُحال أوراق الضبط والكفالة إلى القاضي الذي يمنح للطفل في دائرة النفوس شهادة ولادة يُحتفظ بها داخل السجل ورقم قيد خاص به، يُثبت فيه اسمه إن وافق عليه أو يقترح أسماء متداولة على العائلة الكفيلة، كذلك اسماً لأبيه وأمه، واللذين يسجلان على أنهما متوفيان. ويمنح للكفيل إخراج قيد للطفل يمكّنه من ممارسة حياته كمواطن سوري، ويستطيع من خلاله الدخول إلى المدرسة أو الحصول على بطاقة شخصية مستقبلاً.

بالنسبة لدور الأيتام، فهي لا تستقبل مثل هذه الحالات، التي يطلق على الأطفال فيها اسم «اللقطاء»، بل يُعهد إلى أشخاصٍ بكفالتهم، خاصةً من الذين فقدوا أبناءهم في الحرب، أو ممن لا يملكون أطفالاً ولا يستطيعون الإنجاب، ولهم الأولوية في ذلك لضمان أن يعيش الطفل ضمن عائلة ووسط ظروف جيدة. ويتوجب على الدولة بموجب القوانين السورية رعاية «اللقطاء» ومعاملتهم معاملة الأيتام، وتقديم الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية لهم حتى عمر الثامنة عشر.

ويقول أحمد الحسين، وهو مرشد اجتماعي يعمل في أحد دور الأيتام بريف حلب، إنّه لم يصادف أحداً من «اللقطاء» في الدور التي عمل فيها، إذ غالباً ما يكونون بأعمارٍ صغيرة وتتم كفالتهم من عائلات دون وجود أي دار مختصة بهؤلاء الأطفال داخل سوريا. ويخبرنا الحسين أنّ الكفالة تأخذ شكل «النخوة»، فالسوريون «شعبٌ عاطفيٌّ يأسى لحال هؤلاء الأطفال الذين لا ذنب لهم فيما ارتكبته عائلاتهم من جرم، إذ يعتبر التخلي عن الطفل جرماً في القانون السوري تصل عقوبته حتى خمس عشرة سنة».

التبني بين التحريم والظرف

يُحرّم التبني قطعياً في الإسلام، بحسب ياسر عبد العزيز (حاصل على ماجستير من كلية الشريعة)، فالنص القرآني واضح في ذلك، وكذلك الأحاديث النبوية، ويرجع ذلك إلى الخوف من ضياع الأنساب وأحقية الميراث وما يثيره من حفيظة وعداوة بين الأخوة. كذلك الأمر التحريم في الخلوة الشرعية، إذ يُعتبر هذا الطفل أجنبياً حتى لو عاش في كنف العائلة. كما يقول المحامي عبد الله الدرويش إن القانون السوري «لا يسمح بالتبني مطلقاً».

بالعودة إلى فاطمة، تقول إنها قامت وزوجها بتسجيل الطفل في خانتها ليكون أخاً لأولادها، وإنها لم تُرِدْ له أن يكبر دون عائلة، وهو ما يخالف القانون السوري المدني والشرعي، بمنع التبني وتحريمه، والتشجيع على الكفالة والرعاية الاجتماعية. ومن وجهة نظرها، هي «تقوم بما فيه خيرُ ذلك الطفل الذي سيكبر ضمن عائلة ووسط أخوته وأب وأم يرعيانه، هو لن يتعرض للتنمر من قبل أقرانه، ولن تصبغ على عائلته صفات لن يستطيع أن يحتمل آثارها النفسية كـ"ابن الحرام أو الزنا"»

يوافق الحسين على ما تقوله فاطمة، لكنه يرى بوجوب إخبار الطفل في سنٍّ مناسبة بقصته، ذلك أن العائلات الكفيلة تدفعها عاطفتها لا عقلها، متجاهلةً ما يمكن أن يتركه أثر ذلك على الطفل المتبنى ذاته.

ويشرح الحسين ذلك: «هذا الطفل سيعرف، شئنا أم أبينا، بقصته من المجتمع المحيط به، أو من أبناء العائلة ذاتها، ما سيشكل أزمة ثقة بينه وبين عائلة الكفيل، التي لن يغفرَ لها كذبها عليه طوال كل هذه السنوات، ليبدأ انطلاقاً من شعورٍ داخلي في عملية البحث عن عائلته الحقيقية، والتي غالباً لن تثمر، ما سيتركه فريسة، خاصةً إن كان ذلك في عمر المراهقة، للإدمان أو الانحراف ومعاداة المجتمع ورفض تقبله».

كفالة دون ضوابط

يقول عماد حمشو، رئيس المجلس المدني في إعزاز، إنه «لا توجد قوانين أو قواعد على الشخص الذي سيكفل الطفل، ويكتفى بالسؤال عن سيرته السلوكية وسمعته وتعامله مع المجتمع. ويقتصر عمل الشرطة على أن تعهَدَ لطالب الحضانة برعاية الطفل بموجب الضبوط القانونية، وبقرارٍ من القاضي الشرعي».

يرى ياسر والحسين أن ذلك لا يكفي، وأنّ «على الجهات المسؤولة متابعة هؤلاء الأطفال باستمرار في منازل كفلائهم، وأن تكون القدرة المادية شرطاً يُضاف إلى الشروط السابقة في الكفالة، خاصةً أن معظم التقارير تتحدث عن الفقر كأحد أهم أسباب تخلي العائلات عن أطفالهم. وما يؤكد ذلك هو رسائل مكتوبة بخط اليد وُجدت مع أولئك الأطفال، تبيّنُ أنّ الظروف القاسية التي يعيشها الأهل، وأملهم في أن يعيش أطفالهم في ظروفٍ أكثر استقراراً هو ما دفع العائلة للتخلي عن طفلها».

ويقول الحسين: «إن المسؤولية هنا تقع على عاتق الحكومات بتأمين دور لـ"اللقطاء"، يعيشون فيها ويتلقّون تعليمهم وتوجيههم، وفي حال عدم توافرها فيجب على المسؤولين متابعة الكفلاء، والتأكد من الحياة التي يعيشها الأطفال، ودخولهم إلى المدارس ومنع إخراجهم منها، أو التأكد من عدم إشراكهم في سوق العمل بسنٍّ مبكرة، لا سيما مع تنامي ظاهرة عمالة الأطفال والتسول في سوريا». ويضيف الحسين: «كذلك، يجب التأكّد من سلامة أجسادهم، وإخضاعهم لفحص طبي دوري للتأكد من عدم تعنيفهم أو ضربهم، وتخصيص جلسات نفسية لهم لتحضيرهم لتلقي الصدمة عند إخبارهم بقصة حياتهم، أو عند مناقشتهم بما يعترضهم من مشاكل».