إن الله يغار

 

سمعت كلمة «غارة» لأول مرة في حياتي عندما عادت أمي من الخارج لترى الطعام قد نفد من البيت، فقالت مازحة إن ثمة «غارة» جرت هنا، أناس حطّوا كالجراد على الأكل وأفنَوه.

كنت ولا أزال طفلاً نهماً، غير أن هذا ليس موضوعنا هنا.

يدلّنا التقليب السريع في المعاجم على أن العنصر الجامع بين أغلب معاني فعل «غار» - مثل الغور والمغارة وغُر في داهية - هو الانخفاض، وربما سمّى العرب هجماتهم غارات لأن الهجوم على الآخرين كان يجري من أراضٍ عالية على أراض منخفضة، فيكون المهاجم «مُغيراً» في الوقت نفسه، يَغُور في الوديان فيقطع دابر أهاليها.

أفترض أن أحد العرب القدامى قال للآخر «لدينا غارة اليوم»، أي «لدينا نَزلة»، أي «لدينا هجمة»، أي «لنتَّجِه غَوْراً»، فأحب الثاني الكلمة. وقد يكون الأول قالها «إغارة»، فسمعها الثاني «غارة». وقد يكون أحد الاحتمالين قد جرى على مدار أكثر من جيل، وعلى لسان آلاف الأشخاص، وقد لا يكون قد جرى أصلاً. أذكّر نفسي دائماً بأنْ لا يقين في هذه الأمور.

على العموم، عندما تُذكَر كلمة «غارة» الآن، نفكّر في فعل واحد بزمنين مختلفين: هجمات العرب على بعض قبيل الإسلام؛ والقصف الجوي - من أعلى إلى أسفل - على القرى والمدن في العصور الحديثة، والجري إلى المخابئ، وصيحة «طفّوا النور»، وبروق السماء من فوقنا بالقذائف.

بفضل كلمة «غارة»، كثيراً ما يتحرّر فعل «غار» من معاني الانخفاض، ليكتفي بمعنى «الهَجمة»، إلى أن يرتبط أخيراً بالشجاعة، كما في وصف «الرجل المغوار» مثلاً. وتُنقَل الكلمة بدورها من معاني الغور بالداخل إلى معاني سرعة الغضب والدم الحامي وعلو الهمة.

* * * * *

تعنى «الغِيرة» على شيء ما الغضب دفاعاً عنه، مثل الغيرة على المقدسات، أو في الحديث النبوي: «إن الله يغار، وغيرته أن تُنتهَك محارمه».

ولكن المعنى الأكثر شيوعاً لـ«الغيرة» يتعلّق بالعلاقات العاطفية، برغبتك في احتكار المحبوب لنفسك.

لا يجد أي من الرجل أو المرأة أزمة كبرى في إعلان غيرته على محبوبه، إذ تأخذ الغيرة هنا مرتبة العيب الذي لا نخجل منه. ولكن مع التمعن في المفهوم، ينكشف لنا بعض الاختلاف بين الرجال والنساء هنا، فبينما تُحيلنا غيرة الرجال إلى الحميّة والكرامة، بل إلى جرائم الشرف أحياناً، تذكّرنا غيرة النساء بتدبير المكائد وقرض الأظافر والحبوب المهدّئة والهالات السوداء حول العيون.

ليس من قبيل الصدفة إذن أن يختار الشاعر كريم العراقي، في كلماته التي كتبها لكاظم الساهر، سلاح الخنجر في قوله إن لغيرة النسوان فعل الخنجر. فلارتباطه بالغدر، عُدَّ الخنجر في الأدبيات القديمة - مثله مثل السم - سلاحاً هابطاً، سرياً وغائراً وغادراً وأقل نبلاً.

يستبطن الكثير من الرجال والنساء هذا الفارق بين غيرة مشرّفة وأخرى أقل تشريفاً، ولنقارن بين المطربة أنغام، في أغنيتها «باغير» - من كلمات نادر عبد الله - وهي تقول: «وافضل اهرب من كسوفي، لو يبان في عينيا غيرة»، وبين الشاعر هشام الجخ، في قصيدته «أيوة بغير» عندما يقرّر: «غيرة الراجل نار في مراجل، نار بتنوّر مابتحرقش».

قد يرجع هذا إلى حق الرجل في التمتع بمحبوبات كثر، مقابل اقتصار المرأة - فيما يُفترض - على حبيب واحد. ولكن في المحصلة، «غيرة الرجل» غالباً ما تتعلّق بالخارج، بطبائع الأمور، وبطبيعة «شرقية» أصيلة ولا تُساءَل لديه، أما غيرة المرأة فتتعلّق بالداخل، بخصلة ذاتية ذميمة تُضنيها وحدها دوناً عن النساء الأخريات. 

* * * * *

في مقابل «غيرة الرجل» التي لا تتبدّل بتبدّل المنافسين، فإن «غيرة المرأة» تشير إلى حقدها على امرأة بعينها تتنافس معها على قلب محبوبها. من هنا تَقصُر المسافة حتى نصل لمعنى آخر، أحدث وأكثر إظلاماً لـ«الغيرة»، وهو الحقد، ويُسمَّى في القرآن بـ«الحسد»: شعور يُنسَب للرجال والنساء على حد سواء هذه المرة، ويمزّق أنفسهم بالطريقة نفسها.

تعني رغبتك في احتكار محبوبتك أنك «تغار عليها»، أما حقدك على زميلك فيعني أنك «تغار منه». وعلى قدر ما نستطيع جميعاً، رجالاً ونساء، أن نقول «أغار عليك»، فلا يقدر أي منا على قول «أغار منك»، إلا مع الوعي الكامل بأنها مجرد إطراء مُجامِل لا يحمل ظلاً من الحقيقة.

«الغيرة على» هو شعور غاضب، أما «الغيرة من» فهو شعور مرير. وبينما يُوجَّه الغضب إلى الخارج، فإن المرارة تعتمل بالداخل، ومن هنا تكمن دناءتها.

من بين ثلاث مترادفات ثقيلة، «الغيرة» و«الحقد» و«الحسد»، غالباً ما يستعمل الناس كلمة «الغيرة» لحداثتها، وبالتالي لما يتصوّرونه فيها من تخفيف للمعنى، فيما يستعملون «حــقـــد» مشدّدين على كل حرف فيها، مع توجيه النظرات المباشرة والكثير من الكزّ على الأسنان، وكأنهم يعون قوتها وإظلامه، أما كلمة «الحسد» فقد بلغ من قوتها - وبدعوى ذكرها في القرآن - أن غادرت مجال النفس الإنسانية لتلتحق بمجال بالسحر والقدرة على تغيير مصائر الآخرين.

قد يكون الحسد أظلم النقائص طُرّاً، ويصعب الدفاع عنه حتى بالمقارنة بنقائص مثل الكذب والغرور والقسوة والرغبة في لفت الانتباه، ومن هنا قد لا يرتاح الكثير من المحدثين لحديث «إن الله يغار»، نظراً لمعنى الحسد الكامن في الغيرة، حتى لو كان مُجاوِراً لمعاني الحمية والكرامة. يمكن وصف الله بـ«الحمية»، ولكن هل يمكن وصفه بـ«الحسد»؟

على الصعيد النفسي، تحسد المرأة أقرانها كما يحسدهم الرجل بالضبط، وتغار على محبوبها كما يغار بالضبط، غير أنه في حالتها بالتحديد، يلامس جذر «الغيرة» معاني الغَور والانخفاض، متخلياً عن مفاهيم «الغارة» و«الهجوم» التي يجري تأكيدها في حالة الرجال ذوي الباع الطويل في الحروب. ربما كي تُنفى عنهم قلة ثقتهم بنفسهم، والتي يتشاركونها مع النساء بلا أدنى اختلاف، بل وحتى ميلهم أحياناً - وميلهنّ - لتسميم ذواتهم ولتدميرها ببطء.