إيزابيل أجيندي تتحدث عن كتابها الأخير «ما وراء الشتاء»

ترجمة: 

هذا النص هو ترجمةٌ لمقتطفات من أجوبة الكاتبة التشيلية إيزابيل أجيندي1 على الأسئلة المطروحة في مؤتمر صحفي عُقد في «بيت أميركا» في مدريد، وذلك في حزيران/يونيو 2017.

كانت الرواية الجديدة للكاتبة، وعنوانها ما وراء الشتاء، قد صَدَرَت في الشهر نفسه، وهي تتناول وضع المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية، والهويّةَ الأمريكية في الوقت الراهن. وتستهلُّ الكاتبة عملها بمقولة شهيرة للكاتب الفرنسي ألبير كامو: «في وسط الشّتاء تعلمتُ أخيراً أنّ في داخلي ربيعاً لا ينتهي»، ثم تَعرِضُ لنا شخصياتٍ من الواقع الأمريكيّ يمرُّ أصحابها بـِ «أعمق مراحل الشّتاء في حياتهم»؛ امرأةٌ تشيليّة، وفتاةٌ من غواتيمالا دخلت البلاد كمهاجرةٍ غير شرعيّة، ورجلٌ أمريكيٌّ من أصولٍ يهوديّة، يتمكنون من النّجاة بعد عاصفةٍ ثلجيةٍ تحلّ في مدينة نيويورك، وينتهي بهم الأمر إلى اكتشاف أن «ما وراء الشّتاء» يكمن ربيعٌ لا يقهر، وهو الذي تمنحه لنا الحياة في الوقت الذي لا يمكن أن نتوقعه.

  • 1. دَرَجت كتابة اسم عائلة الكاتبة في الترجمات العربية «الليندي»، لكن اللفظ الصحيح للاسم هو «أجيندي»، إذ أن الـ «L» المزدوجة في اللغة الإسبانية تُلفَظ «ج».

Más allá del invierno

قيلَ إنّ روايتك الجديدة هي أكثر أعمالك مقاربةً للطابع الأمريكيّ. هل هذا صحيح؟

أجل، يمكن القول إنّها الرواية الأكثر «أمركةً» من بين أعمالي، إذ أنّ أحداثها تدور في الولايات المتّحدة في مدينة نيويورك، خلال ثلاثة أيام فقط، لكن أيضاً ينعكس فيها ماضي الشخصيّات الذي يتوزع بين البرازيل وتشيلي ووسط أمريكا الجنوبية، أي أنّ أمريكا اللاتينية حاضرةٌ أيضاً في الرواية، من الصّعب جداً أن أكتب روايةً تنحصر أحداثها في الولايات المتحدة، ربما تكون رواية الخطة الأبديّة هي الوحيدة من بين جميع رواياتي التي دارت أحداثها في الولايات المتحدة.

سؤالي سيكون عن شخصيّة «ريتشارد»، كيف تمكنتِ من تكوين هذه الشخصية وعلى ماذا اعتمدتِ في ذلك، هل استوحيتِها من أحد الأصدقاء أو المقربين، أم أنّك اعتمدتِ في بنائها على خبرتك ككاتبة؟

شخصية ريتشارد هي شخصية خياليّة بالطبع، لكنّني في كلّ مرةٍ أخلق فيها شخصيّة جديدة لأحكي قصة ما، أفكر في شخصٍ محدد يصلح كمثال، وأحياناً بشخصين أو أكثر، وهذا بالضبط ما فعلتُهُ هنا، إذ أنّني اتخذتُ أشخاصاً من محيطي كمُلهِمين بَنيتُ بمساعدتهم شخصية ريتشارد. أحدهم كان أخي خوان، ولديه كثيرٌ من صفات ريتشارد باستثناء ماضيه، الذي أضفتُه، أمّا من صديقي العزيز كارتر فقد أخذتُ بعض الأقوال والصفات اللازمة لبناء الشخصية. والطريقة ذاتها اتبعتُها في بناء شخصية «لوسيّا».

تناولتِ في جميع أعمالك المآسي والدراما التاريخية، أيُّ كتبكِ جعلكِ تبكين، وأيُّهم كان مصدر ابتسامة لك؟

العمل الذي أبكاني هو بالطبع كتاب باولا، ابنتي، إذ أنّني أنجزته وأنا في حالة حزن، لكنه ساعدني كثيراً على تخطي العام الأول الذي أعقبَ وفاتَها، وهو عموماً الفترة الأصعب بعد فقدان شخصٍ عزيز، وقد أمضيتُه في استحضار ذكرياتي معها وجميع التفاصيل والأحداث حتى يوم وفاتها. وبالنسبة لي هو العمل الذي منحني، وما زال إلى اليوم، دافعاً معنوياً كبيراً، إذ أنني ما زلتُ أتلقى بضع رسائل أسبوعيّاً من أشخاص قرأوا الكتاب حديثاً، وتأثروا به، وهو يُشعرني بأن ابنتي دائماً حاضرة معي.

أمّا الكتاب الذي جعلني أضحك، فهو الثعلب أو زورو، فقد كنت أفكر خلال كتابته في الممثل أنطونيو بانديرا (إذ أنّ هذا العمل الأدبي الذي تحدّث عن حياة زورو جاء عقب ظهور شخصيّة زورو في السينما، والذي كان قد جسدها الممثل المكسيكي أنطونيو بانديرا)، وهي شخصيّة ممتعة جداً.

كان لكِ تعليقٌ حديثٌ حول الرئيس ترامب، وأودُّ في هذا السياق أن أعرف رأيك في الأحداث الراهنة بشكل عام، والاعتداءات الإرهابية التي حدثت مؤخراً.

هذا ما أصفه بـ «الشتاء السياسي»، حيث ظهرت أعداد كبيرة من الإرهابيين ومن اللاجئين المشردين، ونشهد عودةً واضحةً نحو اليمين المتطرف، والقوميّة والعنصريّة ورهاب الحيوان. اليوم في عهد الرئيس ترامب، نشهد تفاقم أسوأ الظواهر، لكن باعتقادي أنّها مرحلة عابرة، إنّها أشبه بنقطة السكون حيث تتراوح الظواهر جيأةً وذهاباً. بالطبع نرى ردّات فعلٍ مُسيئة، لكنّها مؤقتة.

هنا أريد أن أذكر حادثة تعرفونها جميعاً، إذ أنّها انتشرت في وسائل الإعلام، وهي تعكس حقيقة الوضع الراهن الذي نعيشه في الولايات المتحدة بشكلٍ دقيق، حيث تطفو ظواهر خطيرة إلى السطح، ظواهر دائماً ما وُجِدَت في المجتمع، لكن لم يكن يُصرَّحُ بها علناً كما هو الحال الآن، كالعنصرية والشعور بتفوق العرق الأبيض وكراهيّة النساء. حدث ذلك منذ حوالي الأسبوع في حافلة لنقل الرّكاب في مدينة بورتلاند، إذ أقدمَ شخصٌ ينتمي إلى الجماعة التي تؤمن بتفوّق العرق الأبيض، على التّهجم لفظياً على فتاة مسلمة كانت تستقلُّ الحافلة برفقة صديقتها، وحال حدوث ذلك وقف ثلاثة أشخاص للدّفاع عنها، الأوّل كان أباً ومحارباً قديماً، والثاني كان طالباً جامعياً، والأخير كان شاعراً. أقدم ذلك المجرم على قتل إثنين منهم طعناً بالسكين، بينما عانى الأخير جراحاً خطيرة. إذا تأملنا المشهد الآن، فِعلُ التّهجم والشتم الذي قام به الشخص تجاه الضحية لأنّها من خلفيّة عرقيّة أو دينيّة مختلفة، وفِعلُ تصدي ثلاثة من الرجال الشّجعان للدفاع عنها، هما فِعلان يُمثِّلان أسوأ ما في المجتمع وأفضلَ ما فيه أيضاً. شخصيّاً أنا متفائلة بأن هذا لن يستمرّ، ولديّ أملٌ لأنّ هؤلاء الشجعان ليسوا حالة خاصة بل يوجد الآلاف منهم، بينما من هم من فئة المعتدي قلّة، لكنهم يجدون في هذه المرحلة فرصةً للتعبير عن آرائهم.

هل فكرتِ بمغادرة الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الأوضاع الراهنة؟

حسنًا، عندما وصل ترامب لرئاسة البلاد قلتُ في نفسي إن وقت الرحيل قد حان، لكنّني أُغرمت مجدّداً برجل أمريكيّ.

كنتِ في فترة سابقة من حياتك لاجئةً في فنزويلا، كيف تنظرين إلى وضع الفنزوليين اليوم، المجبرين على مغادرة بلادهم بسبب الأوضاع الراهنة، وهل تعتقدين بأنّ الربيع «الذي لا يُقهر» سيحلُّ في فنزويلا يوماً ما؟

نعم، أعتقدُ ذلك لأنّ الحكّام يأتون ويرحلون، أمّا البلاد والشعوب فهم باقون، يحدث أن يمرّ بلدٌ ما بأحداث ومراحل عصيبة يعتقد فيها الجميع بأنّها النهاية، لكن الأمر ليس كذلك في الحقيقة، فنزويلا بلدٌ غني وثريّ وكريم، ويتمتع بقدرة عظيمة على الفرح، هذه الصّفات وجدت فيه وهي باقية لا يمكن أن تزول. يؤسفني حقاً ما يحدث في فنزويلا حالياً، فقد استقبلت في الماضي بذراعين مفتوحتين آلافاً من لاجئي تشيلي والأرجنتين والأوروغواي في فترة حكم الديكتاتوريات، وصلنا بالآلاف إليها من تشيلي ووجدنا فرصاً للعمل وعوملنا بشكل رائع، لدي أصدقاء فنزويليون أقرب إليّ من عائلتي وهؤلاء الناس يواجهون واقع الرحيل اليوم، وكثيرون منهم قصدوا تشيلي، وجاء دورنا أن نستقبلهم في بلدنا.

ما هي برأيك التغيرات التي طرأت على المجتمع اللاتيني في الولايات المتحدة، في ظل ولاية الرئيس ترامب، وماذا عن الخوف وحالة الاستغلال التي سببتها القرارات الأخيرة بخصوص الهجرة. هل يمكن لسياسة الرئيس الحالي تجاه ملف الهجرة أن تتسبب في انهيار الاقتصاد، سيما وأن الأيدي العاملة اللاتينية تشكل داعماً هائلاً لقطاع الاقتصاد الأمريكي؟

لا يمكنني التنبؤ بالمستقبل، لكن بإمكاني أن أخبرك عما أعايشه، مؤسستي تعمل لمساعدة اللاجئين والمهاجرين، وهنالك مدن في الولايات المتحدة قد صُنِّفَت على أنها ملاذٌ لأولئك، إذ لا يُسمح فيها بمعاملة اللاجئين والمهاجرين كما يعاملون في مناطق أخرى حيث يُعتَقَلون من دون سبب وتُطلب أوراقهم الثبوتية في الشّارع، وتُدَاهَمُ بيوتهم في منتصف الليل وتقوم السلطات بترحيل الوالدين إلى وطنهم الأصلي ويبقون على الأولاد لأنهم مواطنون أمريكيون. هذا كلّه لا يُسمح به في ولاية كاليفورنيا على سبيل المثال، وتحديداً مدينة سان فرانسيسكو.

في مؤسستي نعمل على التنسيق في عدة مراحل لحماية المهاجرين، لأنّ شعور الخوف لديهم مرتفع جداً، ومن بينهم أشخاصٌ مقربون يعملون معي، لديهم خوف من الخروج إلى الشارع أو الخروج ليلاً، وإذا تعرضوا لحادثٍ ما لا يجرؤون على الذهاب إلى المستشفى خوفاً من أن تُطلب أوراقهم الثبوتية أو أن يُبلّغ عنهم للسلطات. هنالك مدارسٌ حكومية في كاليفورنيا، اتفقَ فيها أهالي الطلاب على منع دخول شرطة الهجرة إلى المدرسة لطلب أوراق رسمية تخصّ الأهالي أو الطلاب. ولا بدّ من الإشارة إلى الحصانة التي تتمتع بها الشرطة الحدودية حالياً، إذ أنه خلال حكم الرئيس السابق أوباما وكذلك جميع من سبقوه، كان هنالك حدود مفروضة لا يمكنهم تخطيها، أما الآن فقد أطلق الرئيس يدهم ويمكنهم فعل ما يريدونه، وقد سمعنا عن الكثير من حالات استغلال تُمارَسُ ضد المهاجرين في المنطقة الحدودية.