إيش هذا أو ما هذا الشيء؟

 


يحاول الطفل الصغير الوقوف، يتكئ بيديه على طرف الطاولة، يفتح عينيه مشدوهًا أمام شيء لا يعرفه، فيشير إليه بإصبعه متسائلًا: إيه دا؟ 

يسهل جدًا أن نتصور أن أول سؤال طرحه الإنسان على نفسه، أو على الآخرين، هو سؤال «إيه دا»، وذلك ببساطة لتضمُّنه أسئلة كثيرة بداخله، منها السؤال عن اسم الشيء، عن وظيفته وما يفعله، عن علاقة المُتحدِّث به، وعن سبب وجوده: لماذا وُضِعَ هذا الشيء على الطاولة، ولماذا هو موجود في العالم بالأساس؟ 

وأحيانًا ببساطة، قد لا يكون مقصودًا به سوى «قُل لي أي شيء عن هذا الشيء»، كما يفعل الصحفيون أحيانًا: ليس لديّ سؤال بعينه، ولكن كلّمني عن كذا. وات أباوت يور فيرست أوسكار، مثلًا؟ 

لهذا، ولشُحنة الأسئلة المُتضمنة في «ما هذا»، يصبح هو السؤال المركزي الذي يفك به الطفل أسرار العالم الغريب من حوله، السؤال المفتاحي الذي ينطقه فتتوالى عليه الشروح، حتى يبدأ عقله الصغير في تكوين العلاقات بين الكلمات والأشياء، بين ما يعرفه وما لا يعرفه، إلى أن يكبر ويتعلّم مفردات أخرى، وأدق، للاستفهام عن السبب والزمن والمكان وغيرها.

Hakim - EIH DAH BAA / حكيم - إية دة بقى

***

لا يبدو لي من قبيل الصدفة أن تتشابه الكثير من مفردات الاستفهام في الكثير من اللغات.

في الإنجليزية، كما في الألمانية، يشارك حرف «دبليو» في تشكيل مفردات استفهام أساسية: ماذا، متى، أين، من، لماذا. وفي الفرنسية يتكرر الحرفان Qu في الكثير من مفردات الاستفهام الأساسية كذلك. وفي العربية، كما رأينا لتونا، يشارك الحرف ميم في تشكيل كل مفردات الاستفهام المذكورة، باستثناء سؤال «أين».

يبدو لي أن أغلب الأسئلة في العربية، باستثناءات بسيطة، جاءت تنويعًا على مقطع أساسي، مقطع يستفسر حول كُنه الشيء، هو ببساطة مقطع «ما»؛ ميمٌ مفتوحة تصنع العجائب، اختراع خطير يتيح لك أن تطرح أي سؤال يعنُّ لك، كأنه غوغل العصور القديمة.

يمكن اعتبار «ما» هي النواة التي بدأت بها جذور الاستفهام في العربية، قبل أن تُضاف إليها مقاطع وأصوات أخرى، للمزيد من تحديد الأسئلة وتدقيقها، بعد أن يكبر العقل البشري ويتعلّم الفرق النوعي بين الزمان والمكان والأسباب والأشياء والأشخاص. 

المفتاح الأبسط الذي يقودنا لمثل هذا الفهم، الأخ الأصغر الذي يشي – من فرط سذاجته – بإخوته الكبار المحنكين، هو سؤال «لماذا» في العربية، «Pourquoi» في الفرنسية، «لاما» في العبرية، و«عَل مونو» في السريانية؛ تركيب بِكر وبدائي بمعنى «بسبب ماذا».

ضع كلمة، أو حرفاً، بمعنى «بسبب»، بجانب كلمة بمعنى «ماذا»، فتصبح لديك «لماذا» كاملة ومكتملة. ما أبسط هذه الوصفة وما أَشيعها لدى بني البشر! 

وبالمثل، فضع بجانب «ما» حرفًا يدل، ربما، على الوقت، فتصبح لديك «متى»، وحرفًا يدل على الإنسان ويصبح لديك «من».

***

بِحرف الميم بدأَ السؤال في العربية، ولكن لن ينتهي به، ذلك أنه بخلاف «ما» الاستفهامية، فثمة نواة أخرى للسؤال في العربية القديمة، وسيُقدَّر لها أن تهيمن على الكثير من مفردات التساؤل في المحكيات العربية، وهي مقطع «أَيّْ»، في مثل «بأي آلاء ربكما تكذبان»، والذي يبدو أنه الأصل في مفردة التساؤل عن المكان «أين».

أي + شيء = إيش. هذه هي المعادلة الأبسط للكثير جدًا من اللهجات العربية الحديثة، فيما يخص مفردة التساؤل الأساسية «ماذا»، وتابعتها «لماذا»: إيش وليش، آش وعلاش، إِشو ولشو.

وتخبرنا المصادر التاريخية، كما بعض الأمثلة الشعبية والتركيبات اللغوية العتيقة، أن المصريين سابقًا ما نطقوا «إيه» باعتبارها «إيش»، قبل أن تسقط منها الشين ولا يتبقى سوى «إيه».

وهناك أيضًا الحالة العكسية، الأقل منطقية والأكثر إثارة، حيث يسقط مقطع «أي»، ولا يتبقى إلا صوت الشين: شو الوضع؟ شَخبارك وشِمْسوّي اليوم؟

صحيح أننا كثيرًا ما نسمع حرف الشين مسبوقًا بالـ«أي»، وصحيح أنه لولا مقطع «أي» لما كان لحرف الشين معنى، و ولكن كثيرًا أيضًا ما لا نسمع سوى الشين، كأنَّ الضيف هنا قتل مضيفه وداعيه، قتله وجَالَ في العالم وحيدًا، ليؤدي وحده، بعد أن اشتد عوده، ما سبق وأن أداه حرف الميم في الأزمنة القديمة: السؤال عن أي شيء. 

***

يلفظ اللمبي «إيه دا»، كما يلفظها الأطفال أحيانًا، وكأنها كلمة واحدة: آدا.

وأذكر أنني في بداية تعلّمي للعبرية اختلط عليّ الأمر كثيرًا، حيث كنت دائمًا ما أبدأ بالظن أن صيغة «ما زِه» تعني «ماذا»، وذلك لأنها تنطق، وتُكتب، بسرعة، وكأنها «مَزِه»، قبل أن أذكّر نفسي، في كل مرة، أنها تعني «ما هذا»، ليس «ماذا».

ولكن يبدو أن الخطأ ليس خطأي وحدي، وإنما يختلط الأمر أيضًا عند الإسرائيليين المحدثين، في صيغتهم العامية من العبرية، حيث يتساءلون  أحيانًا: «ما زِه هاداڤِار هازِه»، أي «ما هذا الشيء»، ولكن لدى ترجمة كل كلماتها حرفيًا فسنجد لدينا معنى ركيكًا: «ما هذا الأمر هذا»، حيث يتكرر اسم الإشارة مرتين بلا سبب مفهوم.

وبالمثل، فهل يمكننا افتراض أن أول شخص، أو جيل، نطق بسؤال «ماذا«، قد فعل هذا انطلاقًا من الرغبة في تمييز «ما» الاستفهامية عن ما النافية عن ما كاسم موصول، وأنه وقت نطقها «ماذا»، كان يدور بخلده شيء من «ما ذا»، أو «ما هذا»، أو «إيه دا» التي يداوم الأطفال على نطقها في أول تعلمهم للكلام، شيء ما غريب يثير اندهاش المتكلم فيشير إليه للاستفسار عن كُنهه، قبل أن يتحوَّلَ معنى السؤال في عقله إلى معنى «ماذا» المعروف لدينا، المكتفي بذاته والمستغني عن أي إشارة بالإصبع ترافقه؟

قد تشير السريانية إلى تحوّل كهذا، لو صح، فـ«ما» الاستفهامية هناك هي «مو»، بينما «هذا» هي «هونو». وإذا ركّبنا «مو» على «هونو»، خاصة في حالة الكلام بسرعة ودمج أواخر الكلمات في أولها، يصبح لدينا «مونو»، وهي إحدى ترجمات «ماذا» بالسريانية.

كما أنه لا تزال هناك آثار في العربية قد تفضح هذه المسيرة؛ لا أحد مثلًا يكتب «ماذا هذا»، وإنما «ما هذا»، حيث تسري سلطة سؤال «ما» على الجميع؛ الأسماء والأفعال والحروف، فيما لا تسأل «ماذا» سوى عن الأفعال والحروف، دون الأسماء. 

كأن اللغة العربية، اعترافًا بالفضل الأساسي لـ«ما» عليها، كما خوفًا من فضيحة الجرس الفاقع لـ«ماذا هذا»، قد منحت لـ«ما»، دونًا عن «ماذا»، حق السؤال عن الأسماء، الأشياء التي يراها الطفل أمامه فيشير إليها، الأشياء المادية الملموسة في هذا العالم.

وكأننا أيضًا نتخيل الطفل إياه وهو يكبر ويصبح مراهقًا، يرى شيئًا لا يعرفه فيسأل: إيدا البتاع دا؟ يشاهد فيلمًا يعجبه فيتساءَل: إيدا الفشاخة دي؟ ويسمع بأمر يستهجنه فيتساءَل: إيدا الهبل دا؟ ويبدأ لسانه، كما آذان أصحابه، في التعود على صيغة الـ«إيدا»، حتى تصبح هذه، خلال جيل أو جيلين، هي المقابل المصري المعتمد لصيغة «ماذا».

الله أعلم!