اجتماع في أنطاكيا لمناقشة قلة الحيلة إزاء قصف إدلب

 

خلال الأيام القليلة الماضية، دعا ناشطون وعسكريون لعقد «اجتماع واسع لقوى الثورة والمعارضة السورية»، وذلك في مدينة أنطاكيا التركية يوم الخميس الرابع عشر من شهر آذار الجاري. وقد تضمنت الدعوة التي تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي قائمة بالجهات الحاضرة، وهي «رئاسة الائتلاف» و«رئاسة هيئة المفاوضات السورية»، و«وفد أستانة» و«المجلس الإسلامي السوري» و«قيادة الجيش الوطني» و«الجبهة الوطنية للتحرير».

وتأتي هذه الدعوة بالتزامن مع التعقيد الكبير الذي تشهده محافظة إدلب ومحيطها، وفي سياق البحث عن حلول لإيقاف القصف العنيف البري والجوي الذي ينفذه النظام السوري على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي وسراقب ومحيطها وريف حلب الغربي، خاصة بعد دخول الطائرات الروسية على خط القصف، الأمر الذي يحدث للمرة الأولى منذ دخول اتفاق سوتشي حيز التنفيذ، وهو الاتفاق الذي توصّل إليه الرئيسان التركي والروسي في أيلول الفائت، ونص على إقامة منطقة منزوعة السلاح الثقيل، وتسيير دوريات مشتركة للفصل بين فصائل المعارضة وقوات النظام وحلفائها.

في حديث لموقع الجمهورية، قال يحيى مايو، أحد المنسقين للاجتماع، إن «الهدف الأول منه هو جمع معظم قوى الثورة السورية من أجل تشكيل جسم موحد أو مجموعة عمل، يسهل اجتماعها في حال حدوث أي طارئ يستدعي اتخاذ قرارات عاجلة». وأشار مايو إلى أن، أهم محور ستتم مناقشته سيكون ملف إدلب، التي تتعرض لحملة ممنهجة من قوات النظام وروسيا والميليشيات الموالية لهما، بهدف إيجاد حل يوقف نزيف الدماء، من خلال التواصل مع الضامن التركي وإطلاعه على الخروقات المستمرة، التي شاركت في ارتكابها روسيا بشكل مباشر مؤخراً.

أما عن حضور الجهات المدعوة للاجتماع، فقد نفى عضو هيئة المفاوضات بدر جاموس، وعضو الهيئة السياسية في الائتلاف محمد يحيى مكتبي، والمتحدث باسم الحكومة المؤقتة ياسر الحجي، للجمهورية، حضور الأجسام التي يمثلونها للاجتماع، وقالوا إنه تم الطلب من الأعضاء الذين وصلتهم دعوات شخصية عدم الحضور، وذلك لعدم وضوح الهدف من الاجتماع، وعدم وجود رؤية واضحة لدى القائمين عليه.

من جهته قال المتحدث باسم «الجيش الوطني»، الرائد يوسف حمود، لـلجمهورية إنه تلقى دعوة لحضور الاجتماع، وأشار إلى أنه سيحضر لأنه يرى فيه نواة لتوحيد القرار السياسي للمعارضة، وجمع رأيهم بهدف إصدار قرارات يكون وقعها أكبر على الضامنين، الذين أخذوا على عاتقهم وقف القصف في الشمال السوري.

يبدو واضحاً من مجمل ما ورد أعلاه، أن الدعوة للاجتماع ليست مبنية على مشاورات واسعة النطاق، وأن جهات رئيسية جاء في نص الدعوة أنها ستكون حاضرة فيه، لم تتم دعوتها بشكل رسمي أصلاً، ولا التواصل معها بخصوص أي جدول أعمال. ولا تقف خلف هذه الدعوة جهة سياسية أو عسكرية معلنة، لكن حضور اسم مصطفى سيجري في نص الدعوة، بوصفه الشخص التي ينبغي التواصل معه للحصول على مزيد من التفاصيل حول الاجتماع، وانعقاد الاجتماع على الأرضي التركية، يشير بوضوح إلى أن هذا الاجتماع مبادرة من جهات مقربة من تركيا. ومصطفى سيجري هو رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم العامل في ريف حلب الشمالي، والمنضوي في مشروع الجيش الوطني المدعوم تركياً.

لا يبدو إذن أن لدى قوى المعارضة السورية السياسية والعسكرية أي رؤية أو خطة طريق للتعامل مع هذه المحنة المستمرة، التي أدت إلى مقتل أكثر من 100 مدني منذ مطلع شباط الماضي فقط، نحو نصفهم في خان شيخون، وإلى تهجير ما يقرب من 100 ألف من ريف حماة الشمالي ومدينة خان شيخون والمدن والبلدات المحيطة بها، بحسب إحصائيات نشرها «منسقو الاستجابة في الشمال السوري».

وفي هذا السياق، يقول الرائد يوسف حمود إن «الجيش الوطني» لديه قناة تواصل مباشرة مع الضامن التركي، وإنه طالبه بالعمل على وقف القصف على إدلب وريفي إدلب وحماة، وأشار إلى أن القصف سيتوقف قريباً، لأن هناك إجراءات تركية ستحتم على روسيا تنفيذ واجبتها بموجب الاتفاقات.

أما العميد والمحلل السياسي أحمد رحّال، فيقول إن دخول روسيا على خط القصف ليس جديداً ولا حدثاً طارئاً في الواقع، لأن بعض «المعسكرات التي تقصف منها إدلب موجودة في معردس وصوران وخاضعة للقوات روسية، ولا يمكن أن تخرج منها قذيفة إلا بأمر روسي». لافتاً إلى أنه في الآونة الأخيرة تم ربط كافة قواعد النظام السوري الأرضية والجوية بقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، ولا يُسمح بأي تحرك دون أمر روسي، و هو ما يدل على وجود بعض الخلافات بين روسيا وتركيا في تنفيذ بنود الاتفاق.

ويبين رحّال أن الخلاف يتمحور حول فتح الطرقات الدولية، الذي كان من ضمن بنود اتفاق سوتشي، إذ جرى اجتماع في قاعدة تركية قبل يومين، حضره ضباط روس وأتراك، نوقش فيه نزع الألغام من الطريق الدولي حلب -دمشق، وفتحه أمام قوافل التجارة، إلا أنه لم يتم التوصل لاتفاق واضح بسبب سيطرة هيئة تحرير الشام على أجزاء كبيرة من الطريق من جهة، واعتراض إيران على أي محاولة لإبعادها من الواجهة من جهة أخرى.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد نفت ما جاء في مقال لصحيفة كوميرسانت الروسية، من أن القوات الجوية الروسية نفذت في التاسع من آذار، ضربات دقيقة على أهداف في محافظة إدلب، رداً على انتهاك من وصفتهم بـ «الإرهابيين» لوقف إطلاق النار، وأن هذه الهجمات تمت بعلم أنقرة. وفي هذا السياق يقول رحّال إن «موسكو سارعت للنفي حتى لا تحرج أنقرة أمام أنصارها، خاصة بعد إصرارها على المضي في صفقة صواريخ إس 400 رغم المعارضة الأميركية لها، وحتى تحافظ على تركيا إلى جانبها على الأقل في الوقت الراهن».

ويرى الناشط الإعلامي المحلي أحمد نور أن «تركيا لم تستطع الاعتراض على القصف الذي تدعمه روسيا، بسبب تأخرها في القضاء على هيئة تحرير الشام، إضافة إلى عرقلة الأخيرة لاستمرار تسيير الدوريات التركية التي توقفت بعد يوم واحد من تسييرها، حيث أقامت حواجز قريبة من النقاط التركية بهدف اعتراض الدوريات». وأوضح نور أن الهيئة طالبت الأتراك بمرافقة الدوريات، الأمر الذي رفضته أنقرة رفضاً قاطعاً، فاضطرت إلى تعليق عملها حتى يتم التوصل إلى صيغة مناسبة.

في هذه الظروف المحلية والإقليمية المعقدة، يبقى ملف إدلب مجالاً للتصعيد والمناورة بين سائر الأطراف، وخاصة إيران التي تشعر بمحاولة إضعاف تأثيرها من الملف السوري، فتعمل على تحريض قوات النظام والميليشيات المساندة لها على استهداف مناطق المعارضة، وعلى وجه الخصوص في ريف حلب الجنوبي المحاذي لأكبر قاعدة إيرانية في الشمال في تلة الحاضر. كما تواصل أنقرة وموسكو محادثاتهما واجتماعتهما، التي تحضر فيها إدلب كعنصر من بين عناصر متعددة، أبرزها ملف شرق الفرات الذي يشكل هاجساً لأنقرة وموسكو، خاصة مع قرب القضاء على تنظيم داعش، وما قد يتبعه من تنفيذ جزئي أو كلي لقرار الانسحاب الأميركي من سوريا.

أما الاجتماع المزمع إجراؤه في أنطاكيا، فالأرجح أنه لن يشكل أي ثقل سياسي أو عسكري من شأنه إيقاف القصف على المنطقة، إذ لا يبدو أن ثمة إرادة سياسية متماسكة تقف خلفه، ذلك إضافة إلى الهيمنة الواسعة لهيئة تحرير الشام في المنطقة، وهو ما سيشكل عائقاً حقيقياً أمام تنفيذ أي مخرجات ستصدر عنه.