احتجاجات الأردن: «النهج» تحت النقاش

 

أعلن رئيس الوزراء الأردني المكلف عمر الرزاز يوم الخميس الماضي، السابع من حزيران 2018، أن حكومته سوف تسحب مشروع قانون الضريبة المعدل بعد أدائها اليمين الدستورية، وأنه ستتم إعادة النظر في السياسة الضريبية في المملكة، وهو ما دفع القوى المشاركة في الإضرابات والتظاهرات إلى تعليق احتجاجاتها، بعد أن اعتُبِرَ تصريحُ الرزاز هذا تحقيقاً لجزء من مطالب الهبّة الشعبية وخطوةً في الاتجاه الصحيح.

جاء ذلك في اليوم الثامن من الحركة الاحتجاجية الأردنية، التي كانت قد بدأت بإضراب لمواجهة مشروع قانون الضريبة الجديد وما تضمنه من تخفيض هوامش الإعفاء الضريبي، ثم بمظاهرات في عمان وعدة مدن أردنية ردّاً على قرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء. وكانت الاحتجاجات قد أفضت إلى تراجع الحكومة عن قرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء بإيعاز ملكي، ثم أفضت في يومها الخامس إلى إقالة رئيس الوزراء هاني الملقي، وتكليف عمر الرزاز بتشكيل وزارة جديدة في يومها السادس.

أدت هذه الإجراءات إلى تراجع نسبي في زخم الاحتجاجات، غير أن التظاهرات استمرت مُعلنةً عن موقف يمكن تلخيصه بالقول إن المسألة لا تتعلق بتغيير الأشخاص، وإنما بتغيير النهج نفسه، وهو ما عبّر عنه الحراك الشعبي من خلال ثلاثة مطالب رئيسية: إعادة دعم الخبز والمحروقات، وإعفاء السلع الأساسية من ضريبة المبيعات، وسحب مشروع قانون ضريبة الدخل.

بإعلان الرزاز أن حكومته ستسحب مشروع قانون الضريبة بعد إدائها لليمين الدستورية، وأنها ستبحث في تعديل السياسات الضريبية بشكل عام، بدا لكثيرين أن معظم مطالب هذه الهبّة الشعبية الاحتجاجية قد تحققت، وشهد محيط الدوار الرابع في عمان وقفة احتفالية في اليوم الثامن، تعبيراً عن الاحتفاء بإنجاز الحراك لأحد أبرز مطالبه، وتأكيداً على مطالبه الأخرى، التي كان قد تم التعبير عنها في هتافات الاحتجاجات الشعبية والنقاشات العامة المصاحبة لها، وشملت رفض السياسة الاقتصادية التي تؤدي إلى المزيد من إفقار شرائح شعبية واسعة، وضرورة التراجع عن الارتهان لصندوق النقد الدولي، كما شملت الاحتجاج على الأسلوب المتبع في تعيين الحكومات الأردنية وإقالتها.

فتحت الهبّة الشعبية الجديدة النقاش مجدداً حول سلطات وصلاحيات ومسؤوليات الملك، وعن مفارقة كونه صاحب سلطة بوصفه رأس السلطة التنفيذية الذي يُعيّن الحكومات، دون أن توجد أي آلية -ولو نظرية- لمُساءلة قراراته أو محاسبته عليها. وليس هذا النقاش جديداً، إذ بدا قبل سنوات، خصوصاً عامي 2012 و2013، أنه يأخذ زخماً قوياً مع صدور مجموعة «أوراق نقاشية ملكيّة» تناولت مجموعة من القضايا السياسية والبنيوية للدولة الأردنية كمحاولة للتفاعل مع الزخم السياسي للحظة الثورات العربية من قِبل العرش الهاشمي، وقد حملت هذه الأوراق النقاشية عناوينَ مثل «التمكين الديموقراطي» و«التحوّل الديمقراطي».

تمت الإشارة في الإصدارات الأولى، والنقاشات الصحفية المُرافقة لها، إلى ضرورة فكّ الارتباط بين الملك وحكوماته، وأن تتحوّل آلية تشكيل الحكومات إلى البرلمان وأغلبياته وتوافقاتها، وأن يكون دور الملك بروتوكولياً ووسيطاً كما تنصّ دساتير الملكيات البرلمانية. لكن تراجع زخم الهاجس الديموقراطي إثر نكوص الثورات العربية تحت وطأة استعادة الأنظمة زمام المبادرة، خصوصاً تحت غطاء «الحرب على الإرهاب» وفّرَ مناخاً لتعديلات دستورية عامي 2014 و2016 جاءت، على عكس روحية الأوراق النقاشية الملكية الأولى والمناخ المُرافق آنذاك، لتوسّعَ من صلاحيات الملك بدل أن تُقلّصها.

تُعطّل مكانة الملك وحصانته الحالية حتى إمكانية تطبيق الآليات الدستورية الحالية للرقابة على الحكومة وحجب الثقة عنها -إن لزم الأمر-، إذ ليس واضحاً إن كان حجب الثقة ينطبق أيضاً على الملك الذي له سلطة تعيين هذه الحكومة ووضع سياساتها، خصوصاً المتعلّقة بـ «الحقائب السيادية»، دون أن يُحاسب أو يُساءل، أو دون أن يضطره أي نص قانوني لإجراء مشاورات ضمن البرلمان أو خارجه. وقد بدا هذا العجز واضحاً مع فشل البرلمان الأردني في حجب الثقة عن حكومة الملقي قبل أشهر قليلة فقط من الهبّة الشعبية ضدّها.

تفاعلَ العرش مع الاحتجاجات بإظهار تعاطفه معها، وظهرَ الملك عبد الله الثاني في تسجيل وهو يتحدث صراحة عن «وزراء نائمين»، وكأنه مراقب خارجي لا علاقة له بتعيينهم، وليس مسؤولاً عن متابعة عملهم، ثم أتى تعيين الرزاز من قِبل الملك بشكل أُحادي، كحل للأزمة، من ضمن «النهج» الذي بات موضع نقاش ورفض ومُطالبات تغيير، بغض النظر عن الصورة الإيجابية العامة لرئيس الحكومة المُكلّف، والذي سبق أن تولى حقيبة التربية.

إن سؤال «النهج» ونقاش تغييره هو سؤال الديموقراطية والنقاش حولها، وقد أتت هبّة الأردن لتكسر رهبة إعادة فتح مسألة بدت وكأنها قد طُويت بعد تحطيم اللحظة الثورية لعام 2011، ودُفنت تحت أطنان من رُكام التخويف من «المصير السوري» في مجمل العالم العربي، ولا شكّ أن للمخاوف من إعادة فتح سؤال كانت الأنظمة العربية قد اطمأنت إلى إسكاته دوراً في تحرّك السعودية والإمارات والكويت، وإقرارهم مساعدات اقتصادية للأردن بقيمة مليارين ونصف المليار دولار، تم الإعلان عنها في اجتماع قمّة جرى في مكّة أمس.