احتجاجات الأردن: السلطة على المحك

 

استمرت المظاهرات في الأردن لليوم الرابع على التوالي، داعية إلى رحيل حكومة هاني الملقي المتهمة باتباع سياسات إفقار شاملة للأردنيين، كان آخرها قرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء، وقبلها طرح مشروع معدل لقانون ضريبة الدخل على مجلس النواب، يتضمن خفض هامش الإعفاء الضريبي بما يمسّ بمستوى معيشة الطبقة الوسطى بشكل كبير.

كان تقديم صيغة معدلة من مشروع قانون ضريبة الدخل إلى البرلمان الشهر الماضي، وما تضمنته من تخفيض هوامش الإعفاء الضريبي، قد دفع النقابات ومنظمات المجتمع المدني لإعلان رفضها التام لهذا القانون، ثم تنفيذ إضراب يوم الأربعاء الماضي لمواجهته. لكن الحكومة أصدرت في اليوم التالي للإضراب، أي في يوم الخميس، قراراً برفع أسعار المحروقات والكهرباء، ما أدّى إلى تفجّر احتجاجات واسعة في الأردن، بدأت بشكل مفاجئ عند منطقة الدوار الرابع بالقرب من مقر رئاسة الحكومة الأردنية.

على الرغم من تراجع الحكومة عن قرار رفع أسعار المحروقات بإيعاز من الملك، إلا أن الاحتجاجات استمرت بشكل واسع في عدة مدن أردنية، وباتت تطالب بوضوح برحيل حكومة الملقي والتراجع عن نهجها الاقتصادي، وقد أظهرت تسجيلات مصورة بثّتها وسائل إعلام أردنية صدامات بين المتظاهرين والدرك الأردني في محيط منطقة الدوار الرابع ليل أمس الاحد.

sp_7584.jpg

تصوير علي السعدي، موقع حبر
تصوير علي السعدي، موقع حبر

أعلنَ مجلس النقباء، وهو مجلس يضم النقابات المهنية الرئيسية في الأردن، موعداً جديداً للإضراب يوم الأربعاء المقبل نتيجة رفض الحكومة سحب مشروع قانون ضريبة الدخل، وعلى الرغم من تصريحات الملك الأردني التي دعت إلى عدم تحميل المواطنين العبء بشكل كامل، إلا أن حدة الاحتجاجات لم تتوقف في عدة مدن مثل عمّان والزرقاء والكرك وغيرها.

وكانت نسبة واسعة من أصحاب المحلات التجارية والعمّال قد انضمت إلى إضراب الأربعاء الماضي، كما نظم طلاب في الجامعة الأردنية في عمّان وقفات احتجاجية ضد مشروع القانون، وربما تفضي هذه الإضرابات والمظاهرات التي تتسع قاعدتها إلى التراجع عن هذا المشروع، وحتى إلى الإطاحة بحكومة الملقي، إلا أن آثارها على شكل الحياة السياسية في الأردن قد يفوق ذلك في حال نضجت تحالفات أكثر عمقاً بين الفئات المعارضة للسياسات الاقتصادية في بلاد يحكمها القصر الملكي، وتنفذ فيها الحكومة قرارته.

كان التحالف بين النقابات المهنية وأحزاب سياسية وغرف التجارة قد استطاع إنجاح إضراب الأربعاء الماضي، إلا أن توسع الاحتجاجات وانضمام النقابات العمالية وعدد كبير من العمال ومن أبناء الطبقة الوسطى الدنيا والفقراء إلى هذا الإضراب، قد أعطاه زخماً واسعاً لم يكن ليستطيع الحصول عليه من دونهم. وعلى الرغم من عدم تضرر شريحة واسعة من هؤلاء بمشروع قانون ضربة الدخل الجديد نتيجة عدم وصول دخلهم السنوي إلى الحدّ الذي طالته التعديلات، إلا أن رفضهم للسياسات الاقتصادية للحكومة، والقبول الشعبي الواسع للإضراب، قد دفع هذه الفئات للاشتراك بشكل واسع وفعّال في مجمل الفعاليات الاحتجاجية، وإلى الاستمرار في التظاهرات حتى بعد إلغاء قرار رفع أسعار المحروقات، الذي كان هو الدافع الرئيس لنزول الفئات منخفضة الدخل إلى الشوارع. وسيكون العمل على بناء تحالفات وسياسات تربط بين المصالح المباشرة للطبقة الوسطى، التي كان إضراب الأربعاء دفاعاً عنها، وبين مصالح الفئات متدنية الدخل والفقيرة، أو «التحالف لتحت» وفق تعبير شاكر جرار ودعاء علي في مقال نشره موقع حبر الأردني السبت الماضي، خطوة ضرورية نحو توسيع دائرة التأثير السياسي للاحتجاجات.

img_9907.jpg

تصوير معاوية باجس، موقع حبر
تصوير معاوية باجس، موقع حبر

من المتوقع استمرار الاحتجاجات في الأردن حتى البت في مصير مشروع قانون ضريبة الدخل على الأقل، إلا أن زخم الحراك وشعاراته أمورٌ تُضاعِف من احتمالية استمرار الاحتجاجات في الأردن لمواجهة السياسات الاقتصادية بشكل عام، كما أن فهم التصعيد الذي لجأ إليه الأردنيون بوصفه ردة فعل مباشرة على قرارات اقتصادية قد يغيّبُ أوجهاً أخرى وآثاراً أكثر عمقاً، فهذه الاحتجاجات كانت فرصة لشريحة واسعة من الأردنيين للتعبير عن سخطهم على سياسات حكومية استغلت التخويف مما يجري في سوريا لتمرير قرارات انهكت الطبقتين الوسطى والفقيرة في بلاد لا تمتلك موارد كبيرة، كما استثمرت هذا التخويف في مزيد من إبعاد الأردنيين عن المشاركة في الشأن العام، لتظهر المظاهرات والاعتصامات التي توالت منذ يوم الأربعاء الماضي باعتبارها ردّاً على هذه السياسات، وخصوصاً أن الكثير من الشعارات الحاضرة قد أشارت بوضوح إلى ذلك.

تمت مواجهة الموجة الأولى من الانتفاضات والثورات العربية بانقلابات وحروب إبادة، جعلت من الحديث عن تجددها أمراً يثير كثيراً من الخوف، لكن الهتافات ليل أمس الأحد قرب الدوار الرابع بمواجهة قوى الأمن أظهرت أن صلاحية هذا التخويف قد انتهت. أما المشاركة في الإضرابات، فقد أعلنت أيضاً عودة الشعب إلى التأثير في مجريات السياسة على عكس ما توقعه مهندسو الثورات المضادة ومجرمو الحرب في المنطقة.