احتمالات وأفق التصعيد التركي شرق الفرات

 

كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد تحدّثَ نهاية الشهر الفائت عن خطة تركية جاهزة لملاحقة «الإرهابيين» شرق الفرات، لتبدأ بعدها سلسلة من الاستهدافات التركيّة لقوات سوريا الديمقراطية، تضمّنت قصفاً بمدافع هاوتزر المتمركزة على الحدود من الجانب التركي، استهدفَ على وجه الخصوص مواقع وحدات حماية الشعب، التي تُعدُّ العمود الفقري لقسد، بالقرب من مدينة كوباني على الحدود السورية التركية.

وجاء هذا التصعيد التركي في الوقت الذي عادت فيه مفاعيل اتفاق منبج إلى العمل، عبر تسيير دوريات مشتركة بين القوات التركية والأميركية في المدينة التي تقع غرب نهر الفرات في الشمال السوري، فيما لفتت واشنطن من جهتها إلى أنها تبذل جهوداً لـ «تخفيف حدة التوتر بين أنقرة وقسد»، وهو التوتر الذي قد تنتج عنها معارك تهدد استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا.

وفي وقت أصبحت فيه تجربة عمليات «غصن الزيتون» في عفرين دليلاً على إمكانية انخراط أنقرة في عمليات عسكرية مباشرة ضد قسد، بتجاهل دولي وحتى بضوء أخضر أمريكي، فإن معارك مماثلة في منطقة شرق الفرات، حتى وإن اقتصرت على الشريط الحدودي، قد تشكل تهديداً كبيراً للاستراتيجية الأميركية في سوريا والمنطقة، لأن انهيار القوات التي تعتمد عليها واشنطن بشكل رئيسي سيخلق فراغاً لا يبدو أن الولايات المتحدة قادرة على ملئه في وقت قريب، خاصة وأن قيادة قسد عملت على إبعاد وتفكيك كل القوات المستقلة التي انضمت إليها خلال مراحل قتال تنظيم داعش، مثل لواء ثوار الرقة.

بالمقابل، تُظهِرُ التصريحات التركية انتقال أنقرة إلى مرحلة جديدة من المواجهة مع قوات سوريا الديموقراطية ووحدات حماية الشعب، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره أنقرة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. ولا يبدو أن هذه المرحلة ستقف عند تأمين الشريط الحدودي فقط، فمثل هذه المعركة، إن حصلت، ستهدف إلى دفع تلك الوحدات إلى التفكك بعد إضعافها بشكل كبير.

قد يتفق مثل هذا السيناريو مع التصريحات التي أطلقها رؤساء تركيا وإيران وروسيا في قمة طهران في شهر أيلول/سبتمبر الفائت، والتي دعت إلى إنهاء الوجود الأميركي شرق سوريا، لكن رضوخ واشنطن لمثل هذه التطورات أمرٌ مستبعد حالياً، وذلك لعدة أسباب، على رأسها محاولة رفع مستوى الضغط على إيران، في الوقت الذي دخلت فيه حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية حيّزَ التنفيذ يوم أمس الإثنين.

من جهتها، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية إيقاف المعارك ضد تنظيم داعش في بلدة هجين ومحيطها بمحافظة دير الزور بالتزامن مع التصعيد التركي، في وقت قام فيه التنظيم بعدة عمليات كان آخرها هجوم على مواقع لقسد قرب البلدة أول أمس الأحد، وهو الأمر الذي سارعت قسد إلى تحميل مسؤوليته لأنقرة وتصعيدها، باعتبارها الورقة الرئيسية التي تملكها للضغط على واشنطن ودفعها إلى اتخاذ خطوات ضدّ التصعيد التركي.

ولكن يبقى أن هناك اعتبارات أخرى قد تكون أكثر حيوية بالنسبة للولايات المتحدة في سوريا، وقد تدفعها إلى الضغط على تركيا لوقت تصعيدها، على رأسها ضرورة عدم انهيار حليفها المحلي الذي يؤمّن وجود قواتها شرق الفرات، والتي تلعب دوراً أوسع من مجرّد محاربة تنظيم داعش، ويمتد إلى سياسات المنطقة والصراع بين قواها الإقليمية.

بالمقابل، فإن ثمة مساراً آخر قد لا يظهر على السطح مباشرة، لكنه يمكن أن يُغيّر توازنات هذه اللعبة الاستراتيجية، فالزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سلطنة عمان، الوسيط التقليدي بين واشنطن وطهران، قد تكون مؤشراً على مفاوضات تدور بين حكومة نتنياهو وطهران للوصول إلى نقطة توازن بين الطرفين في سوريا والمنطقة، في خطوة إسرائيلية تستغلّ وقع العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، واضعةً في الحسبان في الوقت ذاته عدم الرغبة في فتح معارك عسكرية واسعة مع طهران في المنطقة.

على أي حال، فإن تحركاً تركياً واسعاً ضد قسد شرق الفرات يبقى أمراً مستبعداً في الوقت الراهن، إلا أن تغيّر التوازنات، ووصول النظام الإيراني وحكومة نتنياهو إلى اتفاق يؤسس الأرضية المناسبة لاتفاق أمريكي-إيراني جديد حول ترتيبات النفوذ بينهما، قد يؤدي إلى تغيير أولويات واشنطن في سوريا والمنطقة، ما قد يفتح الباب أمام أنقرة لتقوم بخطوات واسعة نحو إنهاء الوجود العسكري المرتبط بحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا.