اختناق التعليم في الشمال السوري

 

أمام خيمة تعليمية بُنيت بمكونات متواضعة على عجل في أحد مخيمات النازحين قرب أطمة بريف إدلب، يقف الأستاذ أحمد وهو ينتظر أطفالاً من كافة الفئات العمرية ليتابع معهم «ما يمكن إنقاذه من تحصيلهم العلمي» حسب تعبيره. يضيف، مشيراً إلى الكارثة التي تنتظر هؤلاء التلاميذ، «كأنهم أطفال في حواضن قُطِعَ عنها الأكسجين».

لمحة عامة عن «مدارس الشمال السوري»

تشير عبارة «مدارس الشمال السوري» أعلاه إلى المدارس التابعة لمديريات تربية إدلب وحماة وحلب، أي المدارس المتواجدة في مناطق إدلب وريفها وريف حماة وريف حلب الغربي الخارجة عن سيطرة النظام، بما لا يشمل مدارس عفرين التي تعيش أوضاعاً مختلفة تحتاج نصاً منفصلاً لاحقاً، ولا يشمل أيضاً مدارس ريف حلب الشمالي والشرقي التي سبق أن تناولناها في نص منفصل.

كانت آخر دراسة عامة وإحصائية ومفصلّة عن المدارس في هذه المناطق قد صدرت عن وحدة تنسيق الدعم ACU، وذلك في التاسع عشر من تموز عام 2018، أي أن الأرقام التي تتضمنها تتعلق بالأوضاع خلال العام الدراسي الماضي. وجاء في تلك الدراسة أن نسبة المدارس العاملة تبلغ 84% من مجموع المدارس البالغ عددها 1713 في المنطقة، 1067 منها صالحة بشكل كامل، بينما تعرضت 350 مدرسة لأضرار جزئية. كما قالت الدراسة إن 19% من المدارس العاملة تفتقر لدورات المياه، و74% تفتقر للمخابر، و86% تفتقر للمكتبات المدرسية.

جاء في الدراسة أيضاً أن عدد الطلاب والطالبات في المدارس التابعة للمديريات الثلاث قد بلغ 437293 في مراحل التعليم الأساسي والثانوي، 81% منهم لم يحصلوا على مساعدات تخص الحقائب والقرطاسية. فيما بلغت نسبة المعلمين الحاصلين على الشهادة الجامعية أو المعاهد المختصة بالتعليم 28%، وتمت الاستعانة بـطلاب الجامعات بنسبة 49%، و23% ممن يحملون الشهادات الثانوية، لتغطية النقص في الكوادر.

أما في المخيمات التي شملتها تلك الدراسة، والبالغ عددها 212 مخيماً، فيوجد 59 مدرسة ضمت ما يقارب 25 ألف طالب وطالبة، و710 غرفة صفية بعضها خيام وكرفانات مسبقة الصنع، ويقوم عليها 1377 مدرساً ومدرّسة، وتعاني من اكتظاظ شديد وبُعد في المسافات بالنسبة لكثير من الطلبة.

عام دراسي جديد وسط القصف والنزوح وتوقف الدعم

ليس ثمة إحصائيات شاملة جديدة، لكن الحملة العسكرية العنيفة التي تشنها قوات النظام والقوات الروسية على المنطقة منذ نيسان الماضي أدت إلى تدهور حاد في العملية التعليمية، إذ أنها تسببت بنزوح ما يزيد عن مليون شخص من أرياف حماة وريف إدلب الجنوبي، ربعهم من الأطفال في عمر الدراسة، كما أدى القصف الشديد إلى تدمير 115 منشأة تعليمية وقتل 21 مدرساً ومدرسة، بينما بلغ عدد الضحايا من الطلاب 278 طالباً وطالبة، وذلك بحسب منسقو استجابة سوريا.

وقبل بداية العام الدراسي الجديد، توقف الدعم الرئيسي عن قطاع التربية والتعليم في المديريات الثلاث، وهو الدعم الذي كان يقدّمه الاتحاد الأوروبي عبر برنامج «مناهل»، وكان يغطي 65% من أكلاف العملية التعليمية، ذلك إضافة إلى أن بعض المنظمات الداعمة قد أوقفت دعمها أيضاً، وهو ما تسبب بانقطاع الرواتب عن 7270 وظيفة في قطاع التربية، وما سيؤدي إلى تسرّب نحو 350 ألف طالب وطالبة في جميع المراحل التعليمية، وذلك بحسب تقديرات «منسقو الاستجابة».

وسنفرد فيما يلي الأضرار التي لحقت بكل مديرية نتيجة إيقاف الدعم، والظروف الصعبة المرافقة لهذا الإيقاف.

مدارس إدلب المتضرر الأكبر

بدأ العام الدراسي الجديد في عموم «مدارس الشمال السوري» في الحادي والعشرين من أيلول الحالي، بعد تأخره عن الموعد المحدد مسبقاً بأسبوعين نتيجة الظروف الأمنية وحدّة القصف على المنطقة، كما يقول محمد الحسين معاون مدير تربية إدلب، الذي يؤكد للجمهورية أن جميع المدارس في إدلب تتبع لمديرية التربية إدارياً، وإن كان بعضها يتبع لمنظمات تساهم في عملية الإشراف والمتابعة والدعم.

وعن المناهج التعليمية وتوفيرها، يقول الحسين إن المنهاج المعتمد هو المنهاج المعدّل من قبل مديرية التربية مع الحفاظ على المادة العلمية، وتعتمد المدارس على الكتب المدوّرة من أعوام سابقة وعلى ما تبقى في المستودعات لتوزيعها على الطلبة، ريثما يتم تزويدها بالكتاب المدرسي الذي سيُطبَع خارج البلاد بدعم من منظمة قطر الخيرية التي تعهدت بإيصال الدفعة الأولى منه (حوالي 40 إلى 60%) في منتصف شهر تشرين الأول القادم، أما الدفعة الثانية فقد تتأخر حتى الفصل الدراسي الثاني، ما سيسبب عجزاً وصعوبة سواء على الطلبة أو المعلمين.

وتعاني المدارس في العام الجديد من اكتظاظ في عدد الطلبة وقلة في المقاعد الدراسية (قد يصل العدد إلى خمسة طلاب في المقعد الواحد)، بالإضافة إلى غياب الوسائل التعليمية ومعدات التدفئة والوقود. وعن استيعاب الأعداد الجديدة من الوافدين من مناطق أخرى، يقول الحسين إن المديرية شكلت لجنة مؤلفة من ثلاثين موجهاً، لدراسة واقع المدارس والتوجه لاستيعاب الطلبة الجدد وفرزهم على المدارس القريبة، وتوزيع الكوادر التدريسية الوافدة أيضاً، التي وضعت نفسها تحت تصرف المديرية، بحسب الحاجة وقرب المكان.

وعن توقف الدعم عن المديرية، قال الحسين إن الدعم توقف جزئياً من قبل الاتحاد الأوروبي الذي كان يغطي 65% من المدارس، وكذلك بعض المنظمات الأخرى، وبالنتيجة توقف الدعم عن 500 مدرسة تضم 4400 معلماً ومعلمة و160 ألف طالب وطالبة. بينما لا تزال 35% من المدارس التابعة للمديرية تحصل على دعم من منظمات وجهات متنوعة، وتركّز أغلبها على صفوف الحلقة الدراسية الأولى.

يؤكد الحسين أن العملية التدريسية ستستمر تطوعاً في المدارس التي خسرت دعمها، وأن المديرية لن تفرض أي رسوم على الطلبة، وستسعى حثيثاً للبحث عن دعم جديد أو التواصل مع الجهات نفسها لثنيها عن قرارها الذي سيضر بالعملية التعليمية ككل، إلّا أنه يحذر من كارثة قادمة في حال لم تتوفر حلول، لأن معظم المعلمين المتطوعين سيتركون العمل بعد فترة قصيرة للبحث عن مصدر رزق جديد لعائلاتهم.

مدارس مأزومة في ريف حلب الغربي

يقول محمد المصطفى، مدير تربية حلب، للجمهورية إن المديرية قامت باستعدادات كبيرة وواسعة لاستقبال الطلاب وتأهيل المعلمين وتجهيز المدارس بحسب الإمكانيات المتوافرة التي وصفها بـ«الضئيلة» في العام الدراسي الجديد، إذ بلغ عدد الطلاب في المديرية ما يقارب مئة ألف طالب موزعين على أربعمائة مدرسة، تتبع جميعها إدارياً ومن حيث الإشراف والمناهج واللوائح لمديرية التربية، بما في ذلك الخاصة التي تتقاضى رسوماً أو تلك التابعة لبعض المنظمات.

يكمل المصطفى أن هناك مئة وخمسين مدرسة متضررة بشكل جزئي، إلّا أنها تستقبل الطلبة بالرغم من خطورة العملية التدريس فيها وإمكانية تهدم أجزاء منها، كما يقول إن المدارس تحتاج إلى صيانة البنى التحتية من مياه وكهرباء ونوافذ وأبواب بشكل عاجل وسريع، ناهيك عن مقاعد الدراسة والسبورات والساحات والملاعب.

ويرى المصطفى أنه لا يمكن وصف العملية التعليمية في مدارس ريف حلب الغربي بالجودة، وذلك نتيجة انعدام الوسائل التعليمية والمخابر والمكتبات وقاعات الحاسوب بشكل شبه تام، ويقول إن المانحين والمشاريع المقدمة لم تتوجه إلى هذه الناحية، بل اقتصرت على دعم مشاريع البنى التحتية والمرافق الأساسية ورواتب المعلمين.

تعتمد المديرية على المناهج المعدلة من قبل الحكومة المؤقتة، ويقول مدير التربية إن الطلبة لم يتلقوا أي كتاب جديد منذ عامين، وتعرضت الكتب المدوّرة للتلف، ولا يوجد في العام الحالي سوى مشروع واحد سيغطي 20% من حاجة الطلاب من الكتب المدرسية، ما سيؤدي إلى عجز حقيقي في توافره، وضعف في التحصيل العلمي وزيادة الأعباء على المدرّسين، خاصة وأن تكلفة الكتب المدرسية للطالب الواحد تبلغ حوالي خمسة دولارات، ومع وجود هذا العدد الكبير من الطلبة نصل إلى أرقام لا يمكن للمديرية تحمّلها.

وعن استقبال الوافدين الجدد، يقول المصطفى إن المديرية استقبلت ما يزيد عن أربعين ألف طالب من النازحين في مدارسها، ليصبح عدد الطلبة الكلّي في المديرية مئة وأربعين ألف طالب وطالبة، كما تم استحداث مدارس خاصة بهم في التجمعات الكبيرة، واستيعاب الكوادر التدريسية الوافدة في صفوفها.

يؤكد المصطفى أن معظم المنظمات الداعمة للتعليم قد أبلغتهم رسمياً بتوقيفه، كذلك خفَّضَ برنامج مناهل (الاتحاد الأوروبي) الدعم بنسبة الثلثين عن مدارس مديرية تربية حلب، ما يعني أن ثلاثمائة مدرسة ستواصل عملها بشكل تطوعي، وهو ما يعني توقف التعليم فيها حتماً بعد فترة من الزمن.

يشرح المصطفى أن كلفة التعليم الشهرية في مديرية تربية حلب تبلغ ما يعادل مليون دولار (رواتب المدرسين في الحد الأدنى 120 دولاراً، وقد تصل في بعض الوظائف إلى 150 دولاراً)، كانت «مناهل» تتحمل الجزء الأكبر منها تقريباً (700 ألف دولار شهرياً،  بينما تتحمل منظمات متعددة الجزء المتبقي. ومع توقف الدعم الجزئي، لم يبقَ سوى 250 ألف دولار شهرياً تقدّم «مناهل» 200 ألف دولار منها، بينما تقدّم منظمات الأخرى بقية المبلغ الذي يمثّل ربع الاحتياجات الشهرية.

«التعليم مصلحة عامة» يقول المصطفى، فانقطاع التعليم وتسرب الأطفال سيؤدي إلى مشاكل وتبعات خطيرة، منها «عمالة الأطفال والاتجاه نحو الجريمة والتطرف والإدمان» على حد قوله، مضيفاً أن الكارثة المستقبلية تبدأ من هنا، من حرمان الطفل من أبسط حقوقه في التعلم، وعلى «الجميع تحمّل هذه المسؤولية وإبعاد التعليم عن التجاذبات السياسية، حتى لا يُستخدم كورقة ضغط لتحقيق مكاسب على الأرض».

وكان الاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات قد أوقفوا دعم قطاع التعليم في المنطقة، بحجة عدم المساهمة في تمويل الإرهاب، وذلك بحسب ما نقله موقع المدن عن المتحدث باسم الاتحاد الذي قال «إن بروكسل وعواصم الدول الأعضاء اضطرت لاتخاذ مثل هذا الإجراء بسبب الاستحواذ الجزئي لهيئة تحرير الشام على مناطق شاسعة من شمال غرب سوريا بداية العام الحالي»، ليضيف «نريد احترام التزاماتنا القانونية وتجنّب تحويل الأموال وضمان ألّا تستخدم أموالنا عن غير قصد في تمويل جهات غير شرعية».

حماة، مديرية التربية «النازحة»

تواصلنا مع السيد أحمد هكوش مدير تربية حماة، لكنه قال لنا إنه لا يريد الإدلاء بتصريحات الآن بسبب استمرار المحادثات حول تبعية المدارس التابعة للمديرية، إذ أن الأمور غير واضحة بعد أن سيطرت قوات النظام على ريف حماة الشمالي، ما أدى إلى تهجير معظم الطلاب والطاقم التدريسي التابع للمديرية إلى مناطق في ريفي إدلب وحلب الغربي.

لكننا تواصلنا مع معن الأحمد، الإعلامي في مديرية تربية حماة، الذي قال للجمهورية إن أمور الطلبة في المدارس التابعة لتربية حلب تسير بشكل أكثر يسراً منها في إدلب، فمعظم طلاب حماة لم يتم استيعابهم في مدارس إدلب، على حدّ قوله، وذلك بسبب بُعد المسافات ولأن المدارس قديمة ولا تستوعب أصلاً أعداد الطلبة من سكان المنطقة، فكيف سيتم استيعاب الوافدين الجدد.

وأكد الأحمد أن اجتماعات كثيرة ونقاشات تدور مع مديرية تربية إدلب للحصول على مدارس خاصة بمديرية حماة، دون جدوى، مع تمسك تربية إدلب بحق الإشراف على كافة المدارس في المساحة الجغرافية التي تتبع إليها، ناهيك عن واقع التعليم في المخيمات، إذ تفتقر معظمها لوجود أي مدارس أصلاً.

ما تزال هناك عدة مدارس تتبع للمديرية في ريف حماة الشمالي الغربي، وفي معرة النعمان ومعرتمصرين بريف إدلب، إلّا أنها لا تستوعب الأعداد الكبيرة الوافدة إلى مناطق بعيدة جغرافياً عن أماكنها الأصلية، بينما وضعَ مدرسو تربية حماة أنفسهم تحت تصرف المجمعات التربوية في إدلب أملاً بالحصول على مقعد تدريسي، بالتزامن مع توقف الدعم عن التعليم في المنطقة.

يجترح الأستاذ أحمد، الذي بدأنا هذا النص بحديث سريع معه، ومثله أيضاً كثيرٌ من المعلمين والمعلمات، حلولاً فردية لتعليم الأطفال في خيامهم أو في المنازل أو تحت أشجار الزيتون، بينما يلوّح الشتاء القادم بكارثة أخرى على طلاب المدارس والمخيمات، وهو ما دفع ناشطات ومدرّسات في المنطقة لإطلاق حملة تحت عنوان «لا تكسروا قلمي»، بهدف تأمين ما يمكن من دعم لاستمرار التعليم في المنطقة، وإعادة أكثر من ثلاثمائة ألف طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة.