اسألوا يمام: سْوايب عاليسار

يستضيف قسم جنوسة في الجمهورية.نت، ولمدة غير محددة، المحررة يمام التي تطوعت للرد على رسائل قرائنا الكثيرة حول مواضيع مختلفة متعلقة بالقسم.

نطلب من قرائنا الجرأة إذ لا حياء في العلم، ولكن كذلك الرِفق في أسئلتهم. لم نستطع أن نلزمها بإيقاع محدد للإجابة عن الأسئلة في زاويتها بسبب مزاجيتها، واقترحت أن تحيل الأسئلة إلى خبراء عارفين وتستشير أصدقاء في حال لم تكن تملك إجابات مرضية.

وردنا من المغتربة الشابة هُيام، والقاطنة حديثاً في شرق ألمانيا، السؤال التالي: «أنا حديثة العهد بتطبيقات التعارف ولدي رغبة بمعرفة ما لديكم من نصائح تجعلني أستفيد من هذه التطبيقات قدر الإمكان وأتجنب الكوارث».

رغم إني مو لايق علي كثير إستعين بصديق من ثاني سؤال، بس الحقيقة أحرجتيني كتير، ومع إنو هالعوالم بتداعب عندي رغبات دفينة عميقة، مثلها مثل الألعاب الجنسية مثلاً، بس للحقيقة أنا ديناصورة وفوقها خجولة. لذلك رح حول سؤالك لزميلة خبيرة بهالمجال، نصيحتي الوحيدة أنك تضلي تتذكري إنك سيدة خيارك، وسيدة جسدك.

إجابة الزميلة الخبيرة بهالمجال

أشكر العزيزة يمام لتحويل هذا السؤال إلي عوضاً عن أن تتجهبذ وتحاول الإجابة عنه بنفسها. وأظن أن معرفتها بمسألة التعارف قد توقفت عند رمي المناديل والرسائل بين شرفات المنازل، وتهريب رسائل الحب في قوارير عبر المجاري المائية التي تصل بين البيوت الدمشقية - التي حدثتنا عنها السيدة ألفة الإدلبي - أو في أحسن الأحوال ربما سمعت عن مواقع من العصر الحجري مثل «هارموني»، الرائد وصاحب البصمة الذهبية في التشبيك بين الآنسات العازبات حول العالم وأشباه الرجل الغامض الذي يراه كل الناس في أحلامهم.

نستطيع هنا تلخيص أول قاعدة: إن كان بلاتفورم التعارف الإلكتروني يتطلب منك الجلوس على كرسي والتعامل مع لابتوب، يعني ذلك أنك جالسة أمام معبر إلى الماضي، وستتعرفين إلى أشخاص يتعطرون بعبق التاريخ. هذا بحدّ ذاته ليس مشكلة، خصوصاً إذا كان ذوقك عتيق وڤنتج - وهو أمر نحترمه ونهديك لذلك أغنية فرقة ABBA الخالدة:

ولكن إذا كنت تريدين التعرف إلى شخص مواكب لتطورات المعارِف في زمننا مثل أنّ معرفة النساء بجدول العناصر الدورية لا يرتبط بكونها تطير على مكنسة ويتطلب حرقها على عمود مشتعل، شخص على دراية بآخر ما حرره العلم من مصطلحات مثل التغير المناخي وفجوة الأجور وغيرها من البدع التي نتعامل معها في هذا الزمن فلا ننصحك بمواقع كهذه.

نعم، هناك لوغاريثمات في هذه المواقع الأثرية وفي آخر ظلالها الخجولة متمثلاً بتطبيق OkCupid تحاول ربطك بمن يتشارك معك الأفكار والقيم، بعد أن تتعرضي لتحقيق مطول حول رأيك في كل قضية تَعرض عليك شبكة أفاز التوقيع عليها. ولكن هل هذا ما تريدينه حقاً؟ فكرة الشريك المثالي هذه فكرة تعشقها ثقافة الغيرنة؛ علاقات تطمح لنموذج أمير وأميرة حفل التخرج، تماثيل الشاب والفتاة فوق قالب كيك العرس.

أختي الحبيبة! إن كنت ترغبين بحمل سيف بشع لتقطيع قالب الكيك ذو الطبقات العديدة في عرسك، فأنت سيدة نفسك. احملي سيفك المعقوف على رؤوس كل من يتدخل برغباتك. ولكن رويداً، آريا ستارك! قبل أن تصلي إلى هذه المرحلة، ضعي سيفك جانباً وأعطي نماذج لا تشبه فارس قالب الكاتو فرصة، وتذكري أن ما يبدو وكأنه الكثير من الأمور المشتركة بينك وبين شخص ما، قد يكون تقنية تلاعب احترافية. لا تضيّعي فرصة دخولك عوالم غير مألوفة بتجنّب نماذج لم تعتادي التعامل معها من قبل. أعطي الشاب الذي يرتدي سروال اليوغا فرصة!

من سوء الحظ لا يمكن لأي نصائح أن تضمن لك الأمان التام أثناء التعامل مع هذه التطبيقات. أسوأ ما يمكن أن يتعرض له المستخدمون الذكور موعد لم يجرِ كما يجب، بينما قد تجدين نفسك بسهولة في مواقف تخشين فيها على حياتك وعلى سلامتك الشخصية. لا تتخلي عن حدسك. تذكري أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحاول كبح حدسه باستمرار. كذلك، لا تشعري بالحرج إن صادفتِ أشخاصاً تعرفينهم على التطبيق، وتوقعي سماع تعليقات تافهة من بعض المعارف. فقمة تطور فهم الناس للرضائية هي أن تختار الواحدة من بين مجموعة الخاطبين المحتملين - على طريقة الآنسات في سوق الزواج الفيكتوري - وأن تعلن موقفها بإشارات خفية خجولة. أمامك الخيار: بين الانزواء في منزلك بانتظار الفرصة وبانتظار لحظة تُسقطين فيها قفازاتك الحريرية أمام مُرافقك في رقصة الفالس، وبين دفع هذا القفاز الحريري في فم من يتفوه بهذه التعليقات البليدة.

وأنتِ تحاولين فك الشيفرات في بروفايلات الناس أمامك على التطبيقات، تذكري قاعدة ذهبية أخرى: من يضطر لإعلان صفة ما عن نفسه، فهو لا يمتلكها.

من يكتب أن «السخرية هي لغته الثانية» أو أنه يبحث عن «شريكة في الجريمة» و«محب للمغامرات» هو أسوأ من الشخص الذي يعترف أنه ممل ويُبرز ذلك حتى في اختياره لصوره الشخصية التي لا تحاول إثبات أي شي. الثاني، على الأقل، غالباً لديه صفات أخرى تعوض عن المرح مثل عادات نظافة جيدة ودقة في الشؤون المالية. أما كلايد الخطر، وصاحب حس الدعابة الحاد، الذي يبحث عن بوني الخارجة عن السيطرة لتشاركه أخطر مغامرات تناول وجبة دونر من المحل التركي في منتصف الليل، فغالباً هو أكبر خيبة أمل تنتظرك في التطبيق.

بعد بعض التفكير، أود أن أتراجع عن التهكم على اعتبار «وجبة منتصف الليل في محل الدونر» مغامرة والاستخفاف بمخاطرها. أرجو المعذرة! هذا أمر خطير جداً. نرجو القراء ألا يجربوا ذلك في المنزل.

في بعض المدن، مثل برلين، سيكون عليكِ زم عينيك والتحديق جيداً في صورة الشاب الحليق الذي يرتدي بنطالاً عسكرياً وتملأ الوشوم صدره، ومنها وشم نجمة خماسية، إذ إن احتمال كونه من جماعة «الأنتيفا» مساوٍ لاحتمال كونه نازياً أو منشغلاً بعلم الخيمياء. يزيد مهمة التفريق صعوبة التقاء آراء هذه التيارات المتناحرة على مواضيع مثل كوفيد-19 وبشار الأسد. ليس لك سوى الاتكال على الله والذهاب إلى الموعد كأنه «كيندر سوربرايز».

وضع المرء لقناع حصان في صوره دون أي مقدمات ليس علامة جيدة في العادة. أخشى أنني لا أستطيع شرح الأسباب، ولكن ومن تجربة شخصية: لا «تُسَوِّبي» على اليمين على هذا الشخص. رجاءً.

الشاب صاحب الصورة التي يستعرض فيها بفخر سمكة اصطادها هو عادةً من النوع الذي يشتكي أن الناس باتت لا تتحمل الدعابة الحقيقة. يشتكي من إقحام دروس توعية الصواب السياسي في إنتاجات نتفلكس، كونه ذواقة للفن «الحقيقي» وينق من تطرف «الفيمينازي». هو نفسه يفاجئك بنكات لماحة شديدة الابتكار عن النساء والمطبخ، أو روائع الطرائف الأثرية مثل مراقصة برنارد شو لامرأة بشعة في حفل خيري. بالمناسبة، أرى الكثير من هذه النماذج تحاول تدفعنا للذهاب إلى المطبخ طيلة الوقت. هل هذه الناس لم تشاهد فيلم المرأة والساطور؟

وماذا عمن اختار عدم وضع صورة؟ توقفي حبيبتي قبل أن تسبلي عينيك الفضوليتين: هناك علم أحمر فاقع يرفرف في خلفية المشهد، ومن الغريب أنّ عينيك اللتين رنّتا برقّة منذ قليل (محاولتَين اختراق قناع الحصان في نموذج الشاب ما قبل السابق... مجدداً، لا تخرجي مع هذا الشخص!) تعجزان عن رؤية رتل من الأعلام الحمراء يرفرف بشموخ كما لو أنه على مدخل معرض دمشق الدولي. الذي اختار خلفية سوداء أو صورة غامضة ليس شخصاً ساحراً محيِّراً محاطاً بغمامة من الأسرار التي تنتظرك لتسبري أغوارها، ولا هو ذلك النيرد اللطيف الذي يعاني من هشاشة ورقة؛ ضحية معايير المجتمع الاستهلاكية التي جعلته عديم الثقة بمظهره فيما هو بانتظارك لتأخذي بيده وتنقذيه. أبو صورة مفقودة متزوج، وربما هو زوج صديقتك تحديداً. فلا تكوني نذلة معها وتُسَوِّبي على اليمين مع زوجها الغامض.

المتحمس الذي يتعامل مع التطبيق كأنه احتفالية عيد العمّال في أول أيار، كوني حذرة منه عزيزتي، ولا تفرحي للغاية بما يعرضه من قيم تقدمية. النازي على الأقل مقتنع بأن «العمل يجعلنا أحراراً»، ولكن هذا قد يكون ممن يظنون أن أي شكل من أشكال العمل هو خدمة للرأسمالية - وهو يتضمن أي جهود للتعامل معك.

احذري، كذلك، من الذي يوبخك دون سبب حتى قبل التعارف، وبروفايله مليء بالعبارات الساخطة المتذمرة: «لا أريد نوعية النساء التي ستصدع رأسي بسخافات المساواة – لا تسوّبي على اليمين إذا لم تكوني جاهزة لبدء محادثة». سبب تجنبك لهذا الشخص ليس نسوياً فقط. هل تتخيلين التعامل مع هذه الشخصية المرحة؟ وأيضاً، من يبدأ مرحلة ما قبل التعارف بتوبيخك، ستنتهي علاقتكم في قسم شرطة نويكولن. قرب محل الدونر.

من اجتهد كثيراً في اختيار تعريفات عنه بأنه يحب السفر والموسيقى و«الأكل»، هذا شخص مميز، ننصحك بألا تضيِّعيه من يدك. وهو عملة نادرة، بالأخذ بعين الاعتبار أن بقيتنا تحبّ تشطيب وجهها بالشفرات والاستماع إلى جلسات تحضير الأرواح في أوقات فراغها.

الذي يسألك من أي بلد أنت، كأول سؤال، اعملي «أن-ماتش» على كفالتي الشخصية. اهتمامه الزائد بهذا التفصيل، إضافة إلى أنك قادرة على قراءة اللغة التي كُتبت بها هذه الأسطر، يعني أن المحادثة تسير بمرح نحو بْلوك إسمنتي.

إذا لمحتِ الإكس، بلّغي عنه فوراً.

إذا لمحتِ زوج إحدى صديقاتك أو معارفك (بصورته الحقيقية هذه المرة)، بلّغي عنه أيضاً على الفور، حتى لو كان وجوده هنا بالاتفاق بينهما وهما متفاهمان على شكل علاقة متعددة الأطراف. أولاً، لأنه لِمَ لا؟ ثانياً، لأنها على الغالب ليست نفسها على التطبيق، وإلا لكان ذلك الحديث الشاغل للمدينة ولم تكوني لتُفاجئي برؤيته هنا.

أريد منك أن تُنصتي إليّ بانتباه في هذه النقطة: من يكتب أشياء مثل «good vibes only» ويطالب بناس «طاقتها إيجابية»، أو أي كان من هذه العبارات. اقفزي عنه بسرعة. من الصعب أن أتوسع في شرح هذه النقطة دون الاستعانة بمراجع سحر أسود وكتاب شمس المعارف. ولكن هذا الكائن باختصار هو ثقب أسود ومصاص طاقة، يريد ابتلاع طاقتك النورانية اللطيفة والتغذي عليها لينفث سمومه السوداء في المجتمع. اهربي على صهوة أقرب حصان يونيكورن مشعّ بالسعادة وألوان قوس قزح من هذا المصير الكئيب.

حسناً هذه صورة حسنة، يُستحسن أن نتوقف عندها. السِّنگل داد. ومن لا يحبه؟ من منا تستطيع حقاً مقاومة آباء برنزلاوربرغ العازبين، ممن خطّت خبرات الحياة والمسؤوليات الجسام تلك الخطوط الجميلة حول عيونهم؛ أسنانهم النظيفة التي توحي بعناية منزلية لائقة؛ وأجسامهم الرياضية جراء جهود جبارة لدفع مخاوف التقدم بالسن. قبل أن تتهوري وتكتبي: «الأطفال نقطة ضعفي الوحيدة»، أو تنشري صوراً كاذبة تحنّين فيها على أبناء أختك، حاولي التأكد من أن الأب العازب هو «عازب» حقاً، أو على الأقل هناك دلائل أنه ملتزم بدفع النفقات المالية لأبنائه.

غالب التطبيقات تورد خانة تُدرجين فيها ما تبحثين عنه، أو سيكون هذا الموضوع من بين أول ما سيتم الاتفاق عليه. لا تشعري بالضغط لقول ما لا تريدينه فقط لدفع صورة نمطية عنك، سواء كان خيارك السعي لعلاقة جدية أم لا. كثيراً ما نرى أخوات لنا مدفوعات ليتحدثن عكس ما يفكرن به، فقد ليَردُدْن عن أنفسهن تهماً معدة مسبقاً - مثل أنها دقة قديمة وهمها الإنجاب ومملة حتى لو كان هذا خيارها. حبيبتي، هناك من زملائنا على الكوكب من لا يزال يتخلص بالتدريج من شوائب تربية أقنعته أنه «لقطة»، حتى لو كان جل ما يمكن له المساهمة به وجوده السمح منبطحاً على كنبة أمام التلفاز طيلة النهار، وهناك لعبة وهمية تطارده فيها النساء بخبثهن ومكائدهن ليتمكنَّ بمهارتهن من الوصول إلى ختام اللعبة ويفزن بهذه التحفة ويجبرنه على الارتباط والاستقرار. لا أعرف ماذا يجب أن تقول الواحدة هنا. يعني حتى نهاية لعبة ماريو هي أقل خيبة من نهاية هذه اللعبة. تذكري حبيبتي، على كل حال، أننا لسنا مسؤولات عن الأوهام في رؤوس الآخرين حتى نتجاوب مع أفكار كهذه بالتصدي لها.

حظاً موفقاً!