استعصاء حكومي في إسرائيل

 

يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلّف بنيامين نتنياهو خيارات صعبة للغاية، بعد تعثر المفاوضات بين حزب الليكود الذي يتزعمه وحزب أزرق-أبيض لتشكيل حكومة ائتلافية، وهو الخيار الذي فرضته نتائج الانتخابات غير الحاسمة التي جرت الشهر الماضي.

ولم تحسم نتائج الانتخابات العامة، التي أقيمت للمرة الثانية على التوالي خلال أقل من ستة أشهر، التنافس بين زعيم اليمين الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه بيني غانتس زعيم حزب أزرق-أبيض المحسوب على تيار الوسط. وعلى الرغم من تفوق حزب غانتس بعد حصوله على 33 مقعداً مقابل 32 مقعداً لليكود في الانتخابات الأخيرة، إلا أن أياً من التحالفين اللذين يقودهما الحزبان المتنافسان لم يحصل على 61 مقعد في البرلمان، وهو عدد المقاعد الواجب توفرها لتشكيل حكومة.

ودعا الرئيس الإسرائيلي ريئوفين ريفلين إلى تشكيل حكومة ائتلافية تضم أكبر حزبين في البرلمان، بعد أن كُلّف نتنياهو بتشكيلها إثر المشاورات التي أجراها مع النواب، والتي حصل فيها رئيس الوزراء المنتهية ولايته على 55 صوتاً مقابل 54 لـ بيني غانتس. عقب ذلك، حاول ريفيلين رعاية مفاوضات بين الطرفين من خلال عقد اجتماع في مقره بين غانتس ونتنياهو يوم الإثنين 25 أيلول (سبتمبر) الفائت، إلا أن المفاوضات تعثرت يوم الثلاثاء بعد أن صرَّحَ الناطق باسم حزب أزرق-أبيض بأن الظروف غير مواتية للحوار مع الليكود، ما أدى إلى إلغاء اجتماع كان مقرراً بين نتنياهو وغانتس يوم الأربعاء الفائت.

وقد لجأ رئيس الوزراء المكلف إلى خياراته النهائية عندما دعا أول أمس حليفه السابق وزعيم حزب (إسرائيل بيتنا) اليميني أفيغدور ليبرمان للاجتماع به في المقر الحكومي، إلا أن ليبرمان، الذي تعتبر كتلته البرلمانية المكونة من ثمانية مقاعد بيضة القبان في مسألة تشكيل الحكومة، لم يغير موقفه السابق الرافض للدخول في حكومة واحدة مع أحزاب دينية، ما يضع نتنياهو أمام حائط مسدود جديد.

بالترافق مع هذا التعثر، بدأ النائب العام الإسرائيلي أفيخاي ماندلبليت يوم الأربعاء الفائت الجلسات التمهيدية قبيل توجيه التهم رسمياً لبنيامين نتنياهو في عدة قضايا، تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ويجب على نتنياهو البقاء في منصب رئيس الوزراء حتى يحافظ الحصانة القانونية من هذه التهم قبل مرحلة إصدار الحكم النهائي، فالقانون الإسرائيلي لا يجبر رئيس الوزراء على الاستقالة من منصبه إذا ما وّجهت إليه تهم من هذا النوع قبل صدور حكم المحكمة النهائي فيها.

ويسعى محامو نتنياهو إلى تخفيض تهمة الرشوة في القضية المعروفة باسم 4000، وذلك لمنعها من الوصول إلى المحكمة المركزية، بحيث تصبح التهمة هي «خيانة الأمانة»، التي تنظر فيها عادةً محاكم الصلح، والتي غالباً ما يكون تعاملها متساهلاً مع السياسيين لأن قضاتها يطمحون إلى الترقي والوصول إلى مناصب في المحاكم المركزية.

ستنعكس هذه الأزمة الحكومية في إسرائيل على العديد من الملفات في المنطقة، أهمها مشروع «صفقة القرن» الذي كان ترامب يطمح بتمريره كحل يُراد له أن يكون نهائياً للقضية الفلسطينية، إلا أن النتيجة الرئيسية من مثل هذه الأوضاع، هي اقتراب نهاية مسيرة الرئيس الوزراء الأكثر بقاءً في المنصب بتاريخ إسرائيل، إذ لا يبدو ان هناك بصيص أمل سيسمح لنتنياهو بالبقاء في منصبه، خاصةً بعد تصريحات غانتس بأنه لن يدخل في حكومة يخضع رئيسها لمحاكمة قضائية في تهم الرشوة.

وبالتأكيد فإن غياب نتنياهو عن الواجهة سيحدث خللاً في التفاهمات التي ساهم بها مع كل من موسكو وواشنطن حول الوضع في سوريا، إذ أن أي رئيس آخر قد يحمل تصورات مختلفة لمواجهة التحديات الأمنية التي يفرضها الوجود الإيراني على الحدود مع الجولان السوري المحتل، وهي قضايا قد يكون لرئيس الأركان السابق والزعيم السياسي بيني غانتس رأي مختلف بها، خاصةً وأن الوصول إلى حكومة ائتلافية من دون نتنياهو سيحظى بدعم ليبرمان الذي يملك توجهات أكثر تشدداً تجاه إيران.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن جزءاً من الكتلة العربية في البرلمان الإسرائيلي قرر مواجهة نتنياهو والتصويت لغانتس لقطع الطريق أمام أي فرصة لتحالف القوى اليمينية بزعامة الليكود، على الرغم من أن غانتس لا يختلف جوهرياً عن نتنياهو تحديداً فيما يخص القدس ومسألة الانسحاب من المستوطنات في الضفة الغربية، وهو الأمر الذي دفع جزءاً آخر من الكتلة العربية إلى عدم التصويت لغانتس، باعتبار أنه لن يأتي بجديد في تلك الملفات الجوهرية.

ينبغي أن ينجح نتنياهو في  تشكيل الحكومة خلال 42 يوماً، سيقوم بعدها الرئيس الإسرائيلي بتكليف غانتس بتشكيل الحكومة، ويبدو من التعقيدات الحالية أن غانتس بدوره لا يملك كثيراً من الفرص أيضاً، لأن حزبه لا يملك هو الآخر كتلة برلمانية كافية لتشكيل حكومة من دون الليكود، وربما لا ينجح في عقد التحالفات اللازمة لتشكيلها، وهو ما يعني أن الاستعصاء الحكومي الإسرائيلي ربما يستمر طويلاً ما لم يتمكن نتنياهو من إحداث اختراق ما. 

لم تنقذ الانتخابات البرلمانية الثانية في هذا العام نتنياهو، ولم تعطه الأغلبية التي كان ينتظرها لتمرير قوانين تعطيه مزيداً من الحصانة القانونية، وتبقيه في منصبه الذي يسيطر عليه منذ قرابة العقد بشكل متواصل، إلا أنها في الوقت ذاته لم تكن إعلاناً واضحاً لنهاية مسيرة نتنياهو السياسية، فحزبه لا يزال الحزب الفائز الثاني بفارق مقعد واحد عن المتصدر أزرق-أبيض، وهو ما يعني أن نتنياهو لن يستسلم لهذا الواقع بسهولة.