اعتزال الكابتن «توحيد»

 

دفعتني رؤية كابتن منتخب سوريا لكرة القدم، فراس الخطيب، في برنامج صدى الملاعب وهو يعلن اعتزاله كرة القدم، إلى التفكير ملياً ومجدداً في الجدلية المستمرة حول الرياضة والسياسية في سوريا والعلاقة بينهما، وحول إمكانية الفصل بين الأمرين في سياق صراع الدم الجاري على الأرض السوريّة بين نظام فاشي يتحكم بكل مفاصل الدولة السوريّة ومن بينها الرياضة، وبين الشعب المغلوب على أمره قبل أن يقوم بثورته ويقول رأيه في كل مفصل.

ربما لن نجد جواباً شافياً لهذه القصة في ظلّ الاصطفافات الحاصلة في سوريا، وفي ظل اختلاف وجهات النظر بين السوريين حولها، وهو الاختلاف الذي يرتبط بعوامل عديدة منها جغرافيا تواجد صاحب هذه النظرة أو تلك، وأمورٌ أخرى لا مجال للإحاطة بها هنا. لكن إذا كان بالإمكان تلخيص المسألة، فيمكننا القول إن كل سوري يرى هذه الجدلية من منظوره الخاص، الذي لا يرتبط بالضرورة بتباين المبادئ والمواقف بخصوص الثورة والنظام.

خلال حصار الغوطة الشرقية، قرأتُ منشوراً على فيسبوك لم أعد أتذكر صاحبه، يقول فيه إن بعض الشباب المحاصرين في الغوطة شاهدوا مباريات للمنتخب السوري، لأنهم مجانين كرة قدم ولأن المنتخب هو منتخب سوريا وليس منتخب بشار. قد يُفهَم هذا الرأي من زاوية أن هناك أناساً يتعرضون للحصار وكل أنواع القصف من النظام، وأن نافذة الحياة الباقية أمامهم ومتنفّسهم الوحيد هو كرة القدم، ولو جاءت عبر منتخب ملوث بلعنة الدعاية للنظام والدعاية للحياة الطبيعية تحت حكمه الدموي.

وقد يُقبَلُ هذا الموقف أيضاً من لاعبين ما زالوا في سوريا، مصدر قوت يومهم هو كرة القدم وليس أمامهم من عمل سوى هذه المهنة، أو حتى من لاعبين لم يتخذوا أساساً موقفاً مما يحصل في سوريا منذ 2011؛ لكن كيف يمكن تبرير هذا للاعب يعيش حياة مرفّهة خارج البلاد، وكان قد اتخذ موقفاً حاداً إلى جانب الثورة وضد النظام، ثم انقلب فجأة على الثورة وعلى نفسه في خطوة فاجأت الجميع؟

نشأ فراس الخطيب في مدينة حمص، ولعب لنادي الكرامة منذ صغره في فريق الأشبال، قبل أن ينتقل إلى فريق الناشئين ثم إلى فريق الرجال دون المرور بفريق الشباب حسب التدرج المعتاد في كرة القدم. كان فراس موهبة فذّة تحدثت عنها مدينة حمص أجمعها، وأغلبُ مشجعي النادي كانوا يسمعون باسم نجم الكرامة القادم، واللاعب الاستثنائي مذ كان في فريق الناشئين، حتى تحولت الأنظار إليه باكراً وبات عشقَ جماهير النادي في السنة الوحيدة التي لعب فيها لفريق رجال الكرامة، قبل أن يُجري اختبارات لصالح نادي كِنت أحد أبطال الدوري البلجيكي.

منعته إصابة من الوصول إلى الدوري البلجيكي الذي يعتبر أحد الدوريات المُخرّجة للمواهب نحو الدوريات الأوروبية الكبرى، لينطلق بعدها في رحلة احترافية عربية عبر نادي النصر الكويتي، وينتقل بعدها تباعاً إلى أهم الأندية الكويتية، العربي ثم القادسية ثم الكويت، قبل أن ينتهي به المطاف في نادي السالمية عبر رحلة احترافية امتدت 17 سنة، وانتهت عند إعلانه الاعتزال منذ أيام قليلة.

لا شك بالنسبة لكثيرين أن فراس الخطيب من أفضل اللاعبين الذين مروا في تاريخ الكرة السورية، هذا إن لم يكن الأفضل على الإطلاق، وكان عشقَ الجمهور السوري أيضاً حتى بدء الثورة السوريّة، وتوقُّف كرة القدم في البلاد وانشغال الناس بالرصاص الذي يطلق عليهم في الطرقات. لم يعلن فراس موقفاً من النظام حتى السابع من تموز 2012، عندما ظهرت فيديوهات عبر القنوات التلفزيونية وموقع يوتيوب لفراس الخطيب وهو يرتدي شالاً يحمل ألوان علم الاستقلال الذي صار علم الثورة السورية، ويعلن فيها وسط تصفيق الحاضرين وهتافهم باسمه توقفه عن لعب كرة القدم مع المنتخب السوري «طالما في مدفع يقصف أي مكان في سوريا وليس فقط في حمص» حسب ما قال في حفل «مليونية الغضب لسوريا» الذي أقيم آنذاك في الكويت، ليعود من جديد ويصبح عشقَ محبي الرياضة في أوساط الثائرين على النظام.

لم يكن فراس الخطيب أول رياضي يقف مع الثورة السورية، لكنه كان الأبرز باعتباره قائد المنتخب السوري وأبرز محترفي سوريا في الخارج، ومن نافل القول أن وقوف فراس الخطيب مع الثورة أعطى دفعاً معنوياً كبيراً لمحبي الرياضة في سوريا عموماً، ومدينته حمص وجمهور ناديه الأم «الكرامة» خصوصاً، الذين فضلوا ساحات الاعتصام والمظاهرات على الملاعب.

بعد نحو خمس سنوات، وتحديداً في العشرين من آذار 2017، التحق الخطيب بشكل مفاجئ جداً ببعثة المنتخب السوري التي كانت ستلاقي أوزباكستان في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم. ربما يكون حلم اللعب في كأس العالم قد داعب قلب وعقل اللاعب، الذي لم يتحمل الابتعاد عن الأضواء الآسيوية والتوقف عن الظهور مع المنتخب الذي يضمن له استمرارية هذه الأضواء، فقرَّرَ التراجع عن تصريحاته السابقة.

لكن الخطيب لم يكتفِ بالتراجع عن تصريحه السابق فقط. بعد التأهل للملحق الآسيوي المؤهِّلِ لكأس العالم على حساب إيران الغريمة كروياً والصديقة سياساً للنظام، لم يبقَ أمام المنتخب إلا تجاوز أستراليا ليحقق حلم الكرة السورية بالتأهل إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها. استقبل تلفزيون النظام السوري الفريق كاملاً للحديث عن التأهل إلى الملحق والفرحة الوطنية الكبرى كما أسموها، إضافة إلى فرحتهم بانتصارات الجيش العربي السوري.

لم يكتف فراس بفرحة التأهل، بل اعتبر أن قتالهم في المباراة كان من أجل «وحدة الشعب» كما يقاتل جيش النظام من أجل «وحدة الأرض»، وأن جميع السوريين، حتى «في الأماكن المحاصرة»، كانوا فرحين بتأهل المنتخب إلى الملحق. هذا ما قاله فراس، وليس أنا كاتب هذه السطور الذي كنت محاصراً وقتها. ولم ينسَ فراس أيضاً أن يشكر السيد الرئيس لأنه شاهد المباراة، فيما قام بشار الأسد بدوره بتكريم الفريق عبر التوقيع على قمصان اللاعبين ومنها قميص الخطيب، الذي حمل علم النظام هذه المرة بعد خسارتهم أمام أستراليا في الملحق الآسيوي. لم يحقق فراس حلمه باللعب مع منتخب النظام في كأس العالم، فعوّضه بالظهور على تلفزيون RT الروسي كمحلل رياضي رسمي للقناة خلال تغطيتها لكأس العالم الذي أُقيم في روسيا، ليعود إلى حمص بعدها بفترة ويفتتح أكاديميته الرياضية الخاصة.

اعتزل فراس الخطيب كرة القدم مرة ثانية، بعد اعتزاله الأول مع المنتخب بسبب قصف النظام للمناطق السورية في 2012، وهو الاعتزال الذي رجع عنه متناسياً كلامه الأول، ليلعب مع المنتخب في آذار 2017 فيما لا يزال قصف النظام مستمرّاً على مناطق سورية عديدة، وفيما كان جزءٌ من أهالي مدينته، التي ذكرها في خطاب حماسي في الكويت، يجهز حقائبه الصغيرة في حي الوعر للرحيل عبر الباصات الخضراء، برعاية الجيش الذي قال عنه الخطيب إنه يسعى إلى توحيد الأراضي السورية.

بالتأكيد لا يعاني الخطيب من شيزوفرينيا جعلته ينقلب على نفسه مرتين، الأولى عندما أيد الثورة بشكل علني كشخصية معروفة في الوسط الرياضي السوري بعد مرور سنة وعدّة أشهر على انطلاقتها، والثانية عند انقلب على الثورة وأيد جيشه وقائده، معتبراً أن مجرد مشاهدة بشار الأسد لمباراتهم عبر التلفاز في قصر المهاجرين هي تكريمٌ لهم. كان النجم الذي هتفت باسمه الجماهير السورية طويلاً يسعى وراء استمرار نجوميته فقط، وقد حقَّقَ مراده فعلاً، لأن هناك كثيرين يهتفون باسمه في ظلّ الخلاف القائم بين السوريين حول ارتباط الرياضة بالسياسية.

لكن يبقى أنَّ هناك سوريين كثراً يهتفون فقط للاعبين الذين استشهدوا تحت التعذيب في سجون النظام، ومنهم لاعبون يعرفهم الخطيب جيداً، لكنه تناساهم عندما راح يدافع عن نجوميته، وعندما راح يأخذ على عاتقه مهمة المشاركة في «توحيد» الشعب تحت حكم النظام الذي تواصل آلته العسكرية تدمير البلاد وقتل أهلها.

يبقى أن نقول في النهاية إن اختيار الخطيب لأهم برنامج رياضي عربي، يُعرَضُ على واحدة من أهم القنوات العربية، كي يعلن اعتزاله من خلاله، يدلّ بوضوح على الأنا المتضخمة التي يغرق فيها اللاعب النجم، والتي دفعته سابقاً لركوب موجة الثورة، ثم ركوب موجة النظام. لقد أعلن الخطيب اعتزاله على أكثر برنامج رياضي متابع في الأوساط الخليجية على وجه الخصوص، معلناً عبره أيضاً أنه سيواصل علاقته مع كرة القدم عبر التدريب، ليكون مساعد مدرب ثم مدرباً، في دعاية لنفسه بين الأندية الخليجية، دون أن يكلّف نفسه عناء استخدام منصات النظام الإعلامية كما يليق بـ«لاعب وطني»، لأنها ستؤدي به إلى الأندية المحلية الفقيرة، وهذا ليس هدف الخطيب طبعاً.