اقتصاد إدلب يختنق بمحاولات «إنقاذه»

 

يعيش السكان في إدلب وأريافها أزمات اقتصادية خانقة، متأثرين بالقرارات السياسية والمعارك الدائرة، سواء القصف المستمر من قبل قوات الأسد وحلفائه أو ما أفرزته العملية العسكرية التركية في شمال شرقي البلاد، إضافة لانهيار أسعار صرف العملة السورية مقابل الدولار خلال الأسبوعين الماضيين، والتي اقتربت من حاجز الألف ليرة سورية للدولار الواحد، قبل تراجعها تدريجياً إلى نحو سبعمائة وخمسين ليرة سورية في اليومين الماضيين، وانعكاسات ذلك على أسعار المواد الأساسية في المنطقة، التي شهدت ارتفاعاً كبيراً وصل إلى الضعف في بعض المواد، بينما قُدِّرَ متوسط الزيادة بـ 40% على أصناف أخرى، ورافق ذلك دخول فصل الشتاء وقلة فرص العمل وتزايد أعداد النازحين، والأهم من ذلك غياب دور الجهة الرئيسية التي فرضت نفسها كحكومة في المنطقة، حكومة الإنقاذ المرتبطة بهيئة تحرير الشام، وعدم اتخاذها أي إجراءات من شأنها التخفيف من الأزمة التي يعيشها السكان.

«المواطن ووزير الاقتصاد»

أطلَّ وزير الاقتصاد والموارد في حكومة الإنقاذ، محمد الأحمد، الأسبوع الماضي علينا في مؤتمر صحفي، بالإضافة لإجاباته في واحدة من غرف الواتس آب، ليشرح لنا أسباب الأزمة الاقتصادية، ومحاولات الحكومة اتخاذ «التدابير اللازمة» للحدّ من تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها نحو أربعة ملايين شخص في المنطقة.

وقد أسهب الوزير في شرح أسباب مشكلة الوقود التي تعاني منها المنطقة، ملخصّاً إياها بتوقف توريد الفيول والمحروقات من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بعد بدء العملية التركية، وكذلك ارتفاع سعر الصرف الذي أدى بدوره إلى رفع أسعار الوقود المستورد عبر شركة «وتد للبترول» المرخصة، مؤكداً أن الوزارة وبالتعاون مع «وتد» تقوم بتأمين الوقود اللازم للمنشآت الخدمية والصحية والصناعية بأسعار مدعومة تتراوح بين 76 و80 ألف ليرة للبرميل الواحد من المازوت، الذي يصل سعره في «السوق السوداء» إلى نحو 120 ألف ليرة.

وبالفعل، يبدو أن «الدعم» الذي تحدّث عنه الوزير قد تسبب برفع سعر ربطة الخبز في إدلب بمعدل خمسين ليرة سورية بقرار من الحكومة منذ بداية الشهر الحالي، وكذلك توقف بعض الأفران عن العمل أو اضطرارها للتخفيف من إنتاجها اليومي، ما سبَّبَ ازدحاماً كبيراً عليها، بينما دقت مديريات الصحة ناقوس الخطر بتوقف عملها نتيجة «فقدان المحروقات التي تعتمد عليها المنشآت الصحية للتشغيل، وارتفاع أسعارها إن وجدت مع انقطاع الدعم»، بحسب بيان لمديرية صحة إدلب.

نتائج هذا «الدعم» انعكست أيضاً على قطاع الكهرباء في المنطقة، التي «تغرق في الظلام» بعد توقف المولدات عن العمل بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، بالرغم من قرار تخفيض عملها وزيادة الأسعار، ليتناقص عدد ساعات التشغيل من خمس ساعات إلى ساعتين وربع الساعة، وبسعر ثلاثة آلاف ليرة للأمبير الواحد.

أما المنشآت الصناعية والمعامل، فقد قرر معظم أصحابها منح أنفسهم إجازة طويلة للتنعم بقرارات الدعم الذي لم يصل، ما تسبب بفقدان كثير من العائلات لمصدر دخلها بعد توقف هذه المنشآت.

وكانت آخر تسعيرة لشركة «وتد» يوم الأحد الماضي، الثامن من تشرين الثاني الحالي، قد حددت سعر برميل المازوت بـ 132 ألف ليرة والبنزين بـ 134 ألف ليرة، وسعر المفرّق للتر الواحد من المازوت والبنزين بالترتيب 620 و630 ليرة.

يقول أحمد الخطيب، من ريف إدلب، إن أسعار الوقود ارتفعت للضعف خلال الأسابيع الأخيرة، ما أدى لتوقف وسائط النقل أو الزيادة الكبيرة في أجورها، ما اضطره للمشي لساعة كاملة للوصول إلى الورشة التي يعمل فيها، قبل أن تتوقف هي الأخرى ليجلس في منزله بانتظار «حل من السماء» على حد قوله.

من جهته يقول سامر، وهو تاجر محروقات في المنطقة، إن الوقود غير متوفر حتى بالأسعار التي تطرحها «وتد»، فكمياتها تنحصر بأيدي تجار معينين، يقومون بشراء الكميات المتوافرة وبيعها لنا بأسعار مختلفة، ما يضطرنا لرفع الأسعار (يبلغ سعر البرميل حالياً نحو 150 ألف ليرة)، وهو ما يجعلنا عرضة للمخالفات التموينية التي تفرضها الوزارة، ما دفع كثيراً من التجار وبائعي المحروقات للتوقف عن العمل.

صاحب أحد الأفران في إدلب، رفض ذكر اسمه، يسأل وزير الاقتصاد عن دعم مادة الطحين، التي ارتفع سعر الكيس الذي يحوي 15 كيلوغراماً منها بنحو خمسمائة ليرة سورية، ناهيك عن ارتفاع أسعار مواد أخرى كالخميرة وغيرها، هذا إذا استثنينا أجور العمال مع ارتفاع الأسعار الذي رافق انهيار العملة؟

لا يقف الأمر عند الوقود، يقول الأهالي، فمعظم الأسعار ارتفعت، تضاعفت أسعار حطب التدفئة، جرة الغاز بـ 8500 ليرة، مروراً بالسكر والأرز والخضار والمواد التموينية.

يوجه الأهالي حديثهم إلى الوزير؛ «نحن نعرف جيداً ما نعانيه، ولكننا نجهل الحلول»، وبابتسامة ساخرة يفرحون بـ «الضبوط التموينية الثلاثين التي تم الإعلان عنها من سيادتكم، خاصة فيما يخص الأندومي منتهية الصلاحية، والتي تمت مصادرتها، ونرجو منكم توزيعها علينا مع تحملنا لكامل المسؤولية عن ما يحدث لنا من أضرار».

العملة التركية هي الحل!

يطرح الوزير، واستجابة لمطالب الأهالي، استبدال الليرة السورية بالتركية كحلّ بديل للأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ويقول إن مشاورات تجرى مع الحكومة التركية لتطبيق هذا الاستبدال في المنطقة، إلّا أن المشكلة تكمن عند الجانب التركي، الذي أبدى تحفظاته على هذا الأمر الذي يحتاج إلى موافقة البنك الدولي، خوفاً من ملاحقته من قبل حكومة النظام بدعوى قضائية في المحاكم الدولية.

ويرى الوزير أن هذا الاستبدال سيحتاج إلى قرارات ووقت، منها منع التداول تدريجياً بعملة الـ 2000 ليرة، وتدريجياً أيضاً بباقي العملات، وكذلك سحب العملة السورية من المنطقة، الذي يستلزم من الحكومة التركية التضحية ببعض الخسائر، أو أن يتحمل المواطن «خسائر» وصفها بـ «البسيطة»، لأن أهل المنطقة «واعون» لانهيار العملة، ولذلك «يدّخرون أموالهم بالعملات الأجنبية، ويُبقون جزءاً منها لحياتهم اليومية». كذلك يحتاج الأمر لتوعية المواطن من قبل وسائل الإعلام والناشطين، بأهمية هذا «الحل» ومنع إدخال العملة السورية من المعابر.

لا يريد المواطن الخوض في جدلية «المفيد وغير المفيد» في هذا الحلّ المقترح، لكن من التقيناهم يقولون إن معظم «أموالهم في بنوك خارجية» ولم تتأثر بانهيار العملة السورية، خاصة أن وزارة الاقتصاد في حكومة الإنقاذ، على ما يبدو من كلام الوزير أعلاه، لديها الإحصائيات الدقيقة اللازمة عن حياة المواطنين السوريين في مناطق سيطرتها، وتعرف متوسط دخلهم بدقّة، خاصة في «قطاعات الدولة العامرة بفرص العمل».

يعيش معظم سكان المنطقة تحت خط الفقر، منهم أكثر من مليون شخص يعيشون في المخيمات، بينما لا يتجاوز دخل العامل ألفي ليرة سورية يومياً، وهي لا تكفي ثمن خبز وبعض حبات من البطاطا، وهكذا فإن استبدال العملة بأخرى لا يُغيّرُ من واقع الحال حسب ما يقول أحمد السعد، من أبناء إدلب ويحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد.

ويرى السعد أن فُرض التداول بالعملة التركية أو غيرها لن ينجح في الحد من الأزمة الاقتصادية، إلا إذا اعتمدت الحكومة الحد الأدنى من الأجور وفقاً للدولة التي ستعتمد عملتها، وهو ما لا يمكن تحقيقه في حالة الشمال السوري، ناهيك عن وجود عشرات الآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من مناطق النظام حتى اللحظة، أما المدخرات، إن وجدت أصلاً، فيمكن استبدالها بالذهب أو بعملات أخرى دون الحاجة لتغيير العملة المعتمدة للتداول.

ويصف السعد كلام وزير الاقتصاد بـ «التغريد خارج السرب»، خاصة وأن الحكومة لا تمتلك ميزانية عامة، وليس لديها قطاعات عامة لتوظيف السكان، كذلك ليس لديها القدرة على التحكم بأسعار السوق القائم على العرض والطلب. أما بالنسبة لوزارة الاقتصاد، فيقول السعد إنها لا تتعدى «مكتب جباية»، يغيب عند كل استحقاق أو أزمة تحتاج إلى حل.

مكتب «الإحصاء والتوزيع» هو الحل!

في ظل الأزمة الاقتصادية، يبرز دور مكتب الإحصاء والتوزيع في الهيئة العامة للزكاة التابعة لحكومة الإنقاذ، والذي قال مديره عبد العزيز منصور في مقابلة إذاعية إنهم أخذوا الترخيص من وزارة الأوقاف لتنظيم الزكاة بعيداً عن العشوائية، من خلال الإحصائيات الدقيقة للفقراء الأشد عوزاً وتقديم المساعدة لهم لإخراجهم من دائرة الفقر، وكذلك دعم العائلات الفقيرة ضمن مشروع «180 درجة»، الذي بتبني العائلات ومساعدتهم في ما يجيدونه من حرف ومهن، إضافة إلى كفالة بعض العائلات ومساعدتهم وتقديم الأكلاف العلاجية لهم وتركيب الأطراف الصناعية، مؤكداً أنه تم دعم عشرين ألف عائلة في الأشهر الخمس الأخيرة.

تقول أم محمد، وهي أرملة تعيل سبعة أطفال، إن تلك الإحصائيات الدقيقة لم تشملها، وكذلك من تعرفهم من عائلات في قريتها، حالها كحال معظم من سألناهم من السكان، الذين طالبوا المكتب بوضع آلية واضحة للاستحقاق، ومكاتب يتوجهون إليها لإخراجهم من دائرة الفقر.

تخبرنا أم محمد أنها سابقاً كانت تحصل على معظم مؤونتها من الزكاة التي يقدمها الأهالي في قريتها، حين كان الأمر عشوائياً قبل التنظيم، أما اليوم فالمساعدة ذهبت إلى «مستحقيها» عبر حكومة الإنقاذ، وهي ليست منهم بالتأكيد.

يتحمل السكان هذه الأزمات، ويدفعون ثمن انقطاع الطرق وانهيار العملة وغياب القوانين والحلول؛ يقول بعض من التقيناهم إنهم يعرفون ذلك جيداً، وإنه ليس بإمكانهم فعل شيء، شريطة أن «تصمت الحكومة عن اتحافنا بآرائها وقراراتها كل يوم؟»، أو أن «تحلّ نفسها طالما أنها حكومة على الشعب وليس له، ولا تملك مساعدته»، أما بخصوص وزارة الاقتصاد، فيتساءل الأهالي؛ «ليش نحنا عنا اقتصاد ليكون عنا وزارة؟».