اقتصاد سوريا ما بعد الحرب: إلى أين؟

 

هدمت سنوات الحرب اقتصادَ سوريا، إذ تم تدمير أجزاء واسعة من مدن رئيسية كحلب وحمص ودير الزور والرقة، وتضررت مرافق ومؤسسات رئيسية في العاصمة دمشق، وهو ما أدى إلى توقف الاقتصاد السوري تقريباً، وتسبَّب بمعاناة إنسانية مهولة. وبالإضافة إلى مئات آلاف الضحايا، فإن حوالي ربع السكان فروا إلى الخارج، إذ يوجد نحو خمسة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري في دول الجوار، ونحو مليون لاجئ سوري في أوروبا. كما يُعتقد أن ستة ملايين آخرين نازحون داخل الحدود السورية، ويحتاج ثلثا السكان الذين ما زالوا داخل سورية إلى الدعم الخارجي لتدبير شؤون حياتهم.

في خضّم الحرب الجارية، تمت إعادة تشكيل إقتصاد موازٍ مُختلف عن سابقه، رغم أنه لم تختفِ فيه سياسة الفساد والمحسوبية العائلية الأسدية، المتمثلة في شراكة ذات طابع سياسي بين الدولة والشركات، ميّزت الاقتصاد السوري ما قبل 2011. وكان الاستثمار في السوق السوري مُعقداً، ويتطلب العمل مع شريك محلي، هو بالضرورة من القلّة الحاكمة أو من المؤسسة العسكرية، تتمثل مساهمته في دفع الرشاوى لذوي الصلة، وترهيب المنافسين.

ويعكسُ رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، النهج الاقتصادي للأسد الابن منذ صعوده للحكم عام 2000، عبر إعادة تركيز رأس المال ولبرلة الاقتصاد السوري بنزع بقايا البُعد الاجتماعي منه، والاستيلاء على القطاع العام وتفكيكه.

وجعل اقتصاد الحرب الموازي، والمتكون على ركام الاقتصاد السابق على الحرب، نخبة رجال الأعمال السوريين أكثر احتيالاً ونفوذاً من ذي قبل، إذ تغيرت البنى القديمة أو بمعنى أوضح دُمّرت، وكان يجب إعادة إنتاج بنى اقتصادية جديدة تتناغم مع الشبكات الجديدة للإثراء غير المشروع، حيث مدّ رجال الأعمال أذرعهم بين فصائل المعارضة المدعومة من الخارج، والجهاديين، والمسلحين الأكراد.

ويبدو أن هناك نهاية قريبة للصراع السوري، على الرغم من أن سوريا قد تبقى بلداً مُقسماً إلى أجل غير مسمى، إذ لم يعد نظام بشار الأسد في مواجهة تهديد حقيقي من قبل مشروع ثوري مدني ولا مشروع بديل للحكم، بل صار يواجه مجموعات مسلحة متنوعة تأخذ قوتها بالتناقص، وأصبحت الحرب الشاملة بين قوات الأسد والمسلحين الأكراد مسألة بعيدة الاحتمال، نظراً للاتفاقيات الروسية-الأمريكية حول منع صراع كهذا.

ولهذا، فإننا بحاجة إلى تصور حول كيف سيبدو اقتصاد ما بعد الحرب في سوريا.

اقتصاد الحرب

نشير أولاً إلى وضع الاقتصاد خلال الحرب، حيث نمت أوليغارشية الدم، ودخل اللاعبون التجاريون والوسطاء التابعون للنظام السوري أو الفرق المتقاتلة على الأرض السورية في منافسة أكثر علانية وشراسة مما كان عليه الحال في الفترة السابقة للعام 2011، حين كانت الأعمال التجارية تجري في كنف الدولة الأسدية الأمنية. ولعبت هذه الأوليغارشية الجديدة دوراً كبيراً في تحديد الانقسامات/الحدود المناطقية للصراع المُسلح نفسه، عبر إعادة رسم وتوزيع المصالح خلال الحرب.

لكن دائرة الاقتصاد وشبكاته القانونية قد تغيرت تماماً في سوريا، وتم استبدالها بجيش من المنظمين السياسيين الذين عملوا كوسطاء بين النظام وفصائل المعارضة والجهاديين، وتبنّوا موقفاً حيادياً حيال مختلف الأطراف، بهدف تسهيل الصفقات المالية والتجارية بين الجهات المتحاربة. ومن جانب آخر، قام رجال الأعمال، ومهربو السلاح والمقاتلين إلى الداخل السوري، بخلق نسيج جامع يربط بين أجزاء هذا الاقتصاد الناشئ الجديد، ويحوّلها إلى منظومة واحدة يدب الفساد في عروقها دون حساب.

ولهذا فنحن لسنا أمام سوق قائم على العرض والطلب في مناخ تجاري يخضع لضوابط القوة العسكرية والأمنية السابقة للنظام الأسدي قبل 2011، ولا لقوانين «البيروقراطية الاشتراكية» للدولة حتى، بل نحن نواجه زمرة من مُدراء الحرب وليس تجار الحرب، الذي يشكلون أوليغارشية تميزت بالديناميكية والسيولة اللازمة والتخطيط، وتوزيع العنف على كل الأرض السورية، من أجل توليد فائض قيمة من الدم السوري، وتوليد أرباح لا تنتهي.

ومن أبرز الأمثلة على طريقة العمل الجديدة للاقتصاد في سوريا، رجل الأعمال جورج حسواني المقيم في دمشق والقريب من الأسد، ومن المصالح الاقتصادية الروسية في سوريا. قام حسواني بترتيب صفقات مع فصائل جهادية وفصائل معارضة لضمان استمرار تدفق الغاز والنفط من شرق سورية إلى محطات الطاقة التي تديرها الدولة، والواقعة في وسط وغرب البلاد. وفي العام 2015، دفع حسواني لداعش حوالي خمسين ألف دولار شهرياً، لضمان الوصول إلى محطة الغاز شرق سوريا، حتى مع استمرار القتال بين جيش النظام ومقاتلي داعش على مقربة من الموقع.

كذلك أشار مسؤولون أوروبيون إلى تجارة النفط شرق سورية كدليل على علاقات الأسد التجارية مع داعش، وهذا صحيح، لكن نظام الأسد لم يكن وحده الذي يتعاون مع داعش، بل أيضاً جهات في المعارضة والقوى الفاعلة الكردية، وحتى أطراف خارجية، اشترت النفط السوري الذي كان معظمه تحت سيطرة داعش.

وهذا ما فعلته أيضاً شركة لافارج الفرنسية، التي تملك أحد أكبر وأحدث مصانع الإسمنت في الشرق الأوسط شمال الرقة، والتي دفعت ملايين الدولارات لمجموعات سورية مسلحة على رأسها داعش وجبهة النصرة، وهو الأمر الذي يلقي الضوء على حالة اقتصاد الحرب الجديد على الأرض في سوريا؛ ويشير إلى منظومة عمل جديدة لشبكات ضخمة من الاستثمار الانتهازي غير المشروع.

وكان أحد المستثمرين في سوق الطاقة السورية قد صرّح لصحيفة الفايننشال تايمز فيما يتعلق بالعلاقة التجارية مع داعش: «اعتبروها مناورة تكتيكية لتوسيع النفوذ. إنها كتلك المفاوضات التي كانت تجري مع المافيا في شيكاغو خلال العشرينات من القرن الماضي. أنت تقتل وتقاتل للسيطرة على الصفقة، لكن الصفقة لا تُحسم». «ربما» يشرح هذا التصريح سيرورة العمل الاقتصادي خلال أوقات حرب، عندما تتحارب الفصائل على السلطة، ولكنها تتعاون فيما يتعلق بالموارد وتحقيق الأرباح.

ما بعد الحرب

الآن، تعمل حكومة الأسد جاهدة لتثبيت بقائها، عبر محاولة إقناع العالم بأن الوقت قد حان لإعادة بناء سوريا عبر برنامج تنموي تقوده الأمم المتحدة. وحسب ستيفان ديمستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فإن عملية إعادة بناء سوريا سوف تكلف 250 مليار دولار، بينما تقدّرها حكومة النظام السوري بنحو 400 مليار دولار. وسوف تستغرق العملية حوالي 15 عاماً حسب بعض المسؤولين الأميركيين، ما يعني أنه يستحيل على دمشق الاضطلاع بهذه المهمة الضخمة بنفسها، سيما وأن ميزانية الدولة السورية للعام 2018 قُدِّرت بحوالي 3187 مليار ليرة سورية، أي أقل من 7 مليار دولار.

وفي الآونة الأخيرة، أعطت التطورات على الأرض السورية، من حيث التفوق العسكري للنظام السوري المدعوم روسياً وإيرانياً، رسالة مفادها أن عودة العلاقات التجارية مع دمشق ممكنة مرة أخرى، إذ تم طرد مقاتلي داعش والمقاتلين المرتبطين بالقاعدة من المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا، وفي الجنوب جرى اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة والأردن وحلفائها. وتزامنت هذه التطورات مع خطوات من جيران سوريا، على أمل الاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية، إذ أقام الأردن في 30 يوليو الماضي معرضاً لإعادة الإعمار والتطوير في سوريا، وبعدها مباشرة أُعيدَ افتتاح معبر نصيب-جابر الحدودي بين الأردن وسوريا، بعد عدة سنوات على إغلاقه.

هذا الاتجاه العام من محاولة الاستفادة من مشروعات سوريا للإعمار، يمتد أثره أبعد حتى من البلدان المجاورة لسوريا. ففي شهر سبتمبر الماضي، افتتح معرض دمشق الدولي للمرة الأولى منذ ست سنوات، بمشاركة 48 دولة عربية وأجنبية و1700 شركة من مختلف أنحاء العالم، بما فيها شركات من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وهو ما عدّه البعض علامة إيجابية على أن سوريا تنتقل إلى مرحلة ما بعد الحرب، وأنها على موعد مع خلق فرص عمل جديدة واستثمار وإعادة إعمار.

كذلك زار دمشق وزراءُ الزراعة والصناعة والنقل في لبنان، لمناقشة إعادة الشراكات التجارية وتبادل المحاصيل الزراعية بين البلدين. وتضمنت المناقشات مقترحاً لإعادة فتح شبكة السكك الحديدية التي كانت تربط مدينة طرابلس في شمال لبنان بمدينة حمص غرب وسط سوريا، بالإضافة إلى قيام لبنان حالياً بتوسيع مرفأ طرابلس لاستيعاب الطلب الهائل على مواد البناء، إذ تبدو إعادة إعمار سوريا فرصة جدية لإنعاش الاقتصاد اللبناني.

كذلك قام بشار الأسد بدعوة 42 دولة وصفت بالصديقة لتقديم عروض لعمليات الإعمار في سوريا، وكان أن حصلت روسيا على استثمارات في مجال النفط والبناء، ومعاهدة للتجارة الحرة، فيما ستدير إيران شبكة للهاتف المحمول، كما أن الهند ستقوم بإعادة بناء وتجهيز عدد من المستشفيات، وكلٌّ من الصين والتشيك وقبرص ستساهم في مشروعات البنية التحتية، وبيلاروسيا ستبني مصنعاً للسيارات.

لكن هذا لا يكفي أبداً لإعادة بناء سوريا، فالبداية يجب أن تكون من توفير أكثر الظروف المعيشية بدائية لكي يتم السماح بعودة اللاجئين. وكي يتم هذا، سيحتاج الأسد مساعدة الأمم المتحدة، لأن حلفاءه معروفون تقليدياً بدعمهم الشحيح، أو بضعف اقتصادهم، أو الاثنين معاً. وهكذا فإنه ينبغي الحصول على الدعم المالي لبرنامج إعادة إعمار موثوق في جدواه من دول غنية كالولايات المتحدة، دول الاتحاد الأوروبي، النرويج، سويسرا، اليابان، كندا، والدول العربية النفطية، ومعظمها دولٌ طالبت مراراً برحيل الأسد.

وبعد سنوات من الدعوة إلى إسقاط الأسد، فإن العديد من الحكومات الأوروبية تتطلع الآن إلى الدخول مرة أخرى إلى دمشق، دبلوماسياً على الأقل. قال مصدران قريبان من الحكومة السورية إن بعض الدول الأوروبية قد فتحت في الأشهر القليلة الماضية قنوات اتصال مع الحكومة السورية، لإجراء محادثات حول إعادة فتح سفاراتها، ووفقاً لأحد الدبلوماسيين الأوروبيين في بيروت، فإن «الألمان، على سبيل المثال، لديهم قناة إتصال استخباراتية وأمنية مع دمشق منذ عام 2015 على الأقل».

مخاوف وشكوك

المشاركة الأجنبية والعربية في مؤتمرات حول إعادة الإعمار السوري ليست ضامناً أو دليلاً على أن النظام السوري جاد في مشروعه للإعمار وإعادة بناء الاقتصاد، فمنذ عام 2012 ، أقرت الحكومة تشريعاً يُبقي بالكعكة كلها في حضن الطبقة الحاكمة، ولا علاقة له بإعادة بناء ما دُمِّرَ خلال الحرب.

في أيار/مايو 2015، أصدر الأسد مرسوم رئاسياً يسمح لجميع الوزارات والهيئات داخل الدولة بتشكيل شركات استثمارية خاصة. وفي العام 2016، أقرّ الأسد قانوناً يسمح بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وسمحت الحكومة للشركات الخاصة بإبرام صفقات مع الهيئات والوزارات التابعة لها لإدارة أصول الدولة.

يتم الترويج لهذه التشريعات كجزء من استراتيجية إعادة الإعمار، لكن رجال أعمال محليين أثرياء من دائرة الأسد، حصلوا بالفعل على صفقات مع الحكومة لمشاريع عقارية قيمتها مليار دولار، غير أنه لا علاقة لها بجهود إعادة البناء، إذ يتم التخطيط للعديد من هذه المشاريع التنموية المربحة للأراضي التي صادرتها الحكومة بموجب المرسوم الرئاسي رقم 66 الصادر في عام 2012، والذي يسمح للدولة «بإعادة تطوير مناطق الإسكان العشوائي»، ليتم بناء شقق فاخرة، وفيلات حديثة، ومولات تجارية.

وعن هذا الوضع، يقول مسؤول سابق في الحكومة السورية: «إعادة الإعمار في سوريا سوف تولّد ألف حريري»، في إشارة إلى رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، الذي قام بشراء كثيرٍ من الأراضي في وسط العاصمة بيروت بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وعمل على إعادة إعمارها ببناء أبراج ومبان فاخرة.

وبناءً على ما سبق، فسوريا «قد» تكون على موعد مع تطبيق سياسة المكسب بالتشريد، وهو مفهوم أنتجه ديفيد هارفي عبر خليط من الماركسية والجغرافيا، والمقصود منه أن الدولة كممثلة للرأسمالية ستخلق رأسمال وهمي وخيالي، وستحقق مكسباً وكأنها خلقت قيمة بمجرد تنفيذها لعمليات تشريد الفقراء من بيوتهم وأراضيهم، ليتم إحلال طبقة الأغنياء محل الفقراء بحجة التطوير والإعمار، وهذه عملية في علم العمران، عبّرت عنها الباحثة العمرانية أمنية خليل بعبارة «الإحلال الطبقي العمراني».

نهاية مُعلّقة

خلال الحرب وما بعدها، يتحول الفساد إلى وحش متعدد الرؤوس من اللاعبين العسكريين ورجال الأعمال، وتسفر الحاجة المستمرة للتجارة وغيرها من المبادلات عبر الجبهات العسكرية عن تشكل بيئة ملائمة لتجار الحرب والوسطاء، الذين يمارسون دور الوساطة بين الأطراف المتحاربة. وعندما تهدأ الأمور، سيتوجه هؤلاء المحتالون وأعضاء أوليغارشية الدم إلى الداخل السوري، ليُعيدوا رسم طبقاته وتحصيل أكبر قدر ممكن من الأرباح، في بلد يسيطر عليه حلفاء الأسد أساساً، الذين يديرون شبكاتهم التجارية وعملياتهم الاحتيالية الخاصة للحصول على عوائد مالية.

وتبقى التساؤلات مُعلّقة حول قدرة هذا النظام فعلاً على إدارة عملية تمويل إعادة الإعمار، بشكل يعزز الاستقلالية والمصداقية، ويعكس احتياجات ملايين اللاجئين في الخارج والداخل السوري. هل يمكن لنظام مفرط العنف أن يتّبع سياسية اقتصادية هادئة، تركّزُ على عملية إعادة الإعمار بشكل يخفّف من الفساد والهدر وعدم الكفاءة؟

الشعب السوري في اختبار آخر ما بعد الحرب: هل سيستطيع أن يعيد بناء مساكنه؟ أم ستبتلعه مشاريع ضعيفة التصميم سيئة االتنفيذ، مُقدَّمة من النظام الأسدي كرشاوى للجهات الفاعلة في السياسية الخارجية من أجل تثبيت حكمه؟ الأجوبة ستكشفها الأيام.