الآبار في إدلب: الحفر الجائر والكارثة المائية المقبلة

 

تقع الأراضي السورية جغرافياً ضمن نطاقيّ المناطق الجافة وشبه الجافة، ومنذ العام 2013 صنفت وكالات الأمم المتحدة سوريا بين الدول التي تعاني العجز المائي، وذلك بسبب انخفاض حصة الفرد من الواردات المائية فيها إلى ما دون 1000 م³ في السنة، وهو خط الفقر المائي الذي يتضمن الإنفاق على كافة الأغراض الزراعية والصناعية والمتعلقة بالحياة اليومية من شرب وتنظيف، وهذا يعني أن سوريا تحتاج إلى 23 مليار م³ من المياه سنوياً بافتراض أن عدد سكانها 23 مليون نسمة.

تنقسم سوريا على مستوى ثروتها من المياه إلى سبعة أحواض مائية، تعاني خمسة منها على الأقل من الاستنزاف وجفاف بعض الينابيع وتراجع منسوب الأنهار وجفاف بعضها، ومن بينها حوض العاصي الذي تتبع له مناطق إدلب ومعظم محافظتي حماة وحمص، إذ كانت دراسة الموارد المائية في حوض العاصي قد قدّرت العجز الوسطي فيه بنحو 130 مليون م³ سنوياً بين أعوام 2003 و2012.

كان تسديد هذا العجز يتم، وبحسب الدراسة نفسها، على حساب المياه الجوفية، وهو ما أدى إلى انخفاض مناسيبها وتدهور نوعيتها ونقصان في حجم المخزون الاحتياطي منها، الذي كان يتراجع في حوض العاصي بنسبة 11.7 م3/ثا خلال العام 2011. ويُعدّ الحفر والاستجرار الجائران من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الانخفاض، وهو ما يؤدي إلى أزمة مائية ستنعكس آثارها سلباً وبشكل أكبر خلال السنوات القادمة، بمعدل عجز وسطي قد يصل إلى أكثر من مليار م³ خلال الأعوام القادمة، وهو ما يستدعي تنظيماً للموارد المائية، واجتراح حلول من شأنها ضمان استقرار هذه الموارد، سواء من الناحية التنظيمية أو التشريعية.

الآبار غير المرخصة والحفر العشوائي في الشمال السوري

لا توجد أرقام دقيقة في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية حول عدد الآبار غير المرخصة في المنطقة، إلا أن المؤكد أن ظاهرة الحفر العشوائي قد ازدادت بشدة في الآونة الأخيرة. وكانت آخر إحصائية نشرتها جريدة تشرين (التابعة للنظام السوري) في تموز 2011، نقلاً عن المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في إدلب، قد وثّقت وجود 3158 بئراً غير مرخص في مدن وبلدات محافظة إدلب، يقابلها 8933 بئراً مرخصاً، يشكل الاستهلاك الزراعي 87% منها، فيما كانت مياه الشرب تصل إلى الأهالي عبر آبار ارتوازية مملوكة للمؤسسة العامة للمياه.

تزايد هذا العدد سريعاً بعدها، ليبلغ في العام 2016 نحو 17000 بئر، منها 8000 بئر غير مرخص، وذلك بحسب عدة تقارير أكدها لنا الجيولوجي أحمد السعيد، وأكدها أيضاً أصحاب الحفارات في المنطقة، الذين يقولون «إن عدد الآبار يزداد بشكل يومي»، إذ لا تكاد تخلو قرية «من آبار جديدة بشكل يومي أو شهري»، مُفرّقين بين «الآبار السطحية والآبار الارتوازية».

وتختلف الآراء بين مؤيد لحفر هذه الآبار ورافض لها، فيرى الجيولوجي أحمد السعيد «أن علينا التفريق بين الحفر السطحي وحفر الآبار الارتوزازية، فالحفر السطحي يكون على أعماق تتراوح بين 60 و150 متراً، الذي هو حفر ضروري لأن منسوب المياه السطحية شبه ثابت، وهي تكون على شكل خزانات تحت أرضية، وإن لم يتم استخراجها فإنها ستضيع دون فائدة. أما الآبار الارتوازية التي يتم حفرها بعمق يزيد عن 150 متراً، فهي التي تضر بالمخزون المائي في المنطقة، وذلك لأنها تصل إلى المنسوب تحت السطحي، الذي يضمّ المياه الاستراتيجية التي تغذي البحيرات والأنهار والينابيع». وهو ما أكده أبو محمد، أحد أصحاب الحفارات الذين التقينا بهم، والذي يقول بعدم وجود ضرر من حفر الآبار السطحية مهما كان عددها: «ما في خطر أبداً، نحن بدل ما ناخد مية متر مكعب من بير واحد عم ناخدها من خمس آبار».

لكن هناك رأياً مختلفاً يقوله المهندس عبد الخالق الشيخ: «إن المياه التي تستخرج اليوم من تلك الآبار بما فيها السطحية ليست من مستحقاتنا، بل هي من مستحقات الأجيال القادمة، واستخراجها بهذا الشكل العشوائي سيحرم تلك الأجيال من هذه المياه». ولتوضيح الأمر يتابع الشيخ «أغلب الآبار التي تُحفر اليوم هي آبار سطحية بسبب ارتفاع كلفة حفر الآبار الارتوازية، وبحسب الدراسات فإن المياه السطحية تكون على شكل أحواض ضخمة أو أنهار جارية في باطن الأرض. يقوم البعض بحفر بئر حتى يصل إلى الحوض أو النهر السطحي، لكنه يُفاجأ بأن كمية المياه المستخرجة لا تلبي احتياجه، فيستمر في الحفر حتى يصل إلى حوض أغزر، في هذه الحالة سيضطر لتجاوز الطبقة الصخرية السوداء (التي تفصل المياه السطحية عن المياه الارتوازية)، ونتيجة ثقب هذه الطبقة ستتسرب المياه السطحية، وقد تجري إلى أماكن بعيدة عنا ضمن أخاديد في باطن الأرض، مما سينعكس بعد فترة على كل الآبار السطحية الموجودة في المنطقة».

وعن انخفاض منسوب المياه بشكل طبيعي يقول الشيخ: «خلال عملي السابق قبل سنوات الثورة كنت مسؤولاً عن مئة بئر في عموم محافظة إدلب، وكانت تلك الآبار تؤمن اكتفاء ذاتياً للسكان. كنا نقوم بقياسات وحسابات دورية لمنسوب المياه، الذي كان ينخفض سنوياً ما بين 1-2 متر، حسب المنطقة، ويعود سبب انخفاض المياه حينها إلى حالة الجفاف التي كانت تمر بها المحافظة أحياناً، بالإضافة للاستخراج الجائر بهدف استخدامها في سقاية الأراضي الزراعية واستصلاح أراضٍ جديدة».

وإذا كان هذه وتيرة التراجع في منسوب المياه الجوفية قبل تصاعد الحفر العشوائي، فما الذي يمكن أن يكون عليه الحال الآن؟ لا توجد دراسات ميدانية مستقلة موثوقة، لكن نسبة التخزين الإجمالي في حوض العاصي للعام 2017 لم تتجاوز ربع الاستطاعة الإجمالية لسدود الحوض، وذلك بحسب وزير الموارد المائية في حكومة النظام، الذي حمّل المسؤولية الأكبر للحفر العشوائي في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، ما يؤدي إلى «استنزاف الطبقات الحاملة الجوفية التي تعاني أصلاً من العجز في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة» على حدّ قوله.

زيادة الاستهلاك في الشمال السوري: الحق الجائر

ازداد عدد سكان مناطق الشمال السوري منذ بداية الثورة إلى ما يزيد عن الضعفين، إذ تُقدر إحصائية منسقو الاستجابة شمال سوريا عدد السكان في مناطق إدلب وريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي بما يزيد عن 3.6 مليون نسمة، وهو ما يؤدي إلى زيادة في استهلاك المياه للشرب والري، وهو ما يؤدي إلى التزايد الشديد في حفر الآبار، إلى جانب عوامل أخرى مرافقة أبرزها قطع سلطات النظام للمياه القادمة من السدود التخزينية في المناطق التي يسيطر عليها، والأضرار التي لحقت بشبكة المياه نتيجة القصف، وانخفاض المنسوب المطري خلال السنوات الماضية، ونزوح مياه كثير من الآبار الارتوازية التي تغذي هذه المناطق، إضافة إلى انعدام الدراسات المائية أو المؤسساتية من قبل الوزارات أو المجالس المحلية التابعة للمعارضة لإيجاد حلول بديلة.

ويرى الجيولوجي أحمد السعيد أن «هذا الحفر محق، فمن أين سيشرب الناس؟»، وهو يلقي باللوم على «المؤسسات المعنية» بإيجاد حلول بديلة، موضحاً أن الاستهلاك الجائر سيعود بالضرر على «أصحاب الآبار» التي ستنزح مياهها بعد فترة وجيزة، ما سيضطرهم إلى «زيادة عمق الآبار أو حفر آبار جديدة، وهو أمر مكلف». بينما يقول أبو محمد صاحب الحفارة: «بسبب تعطل آبار الري في القرى، يعتمد كثيرٌ من أهالي إدلب على حفر آبار سطحية لتأمين مياه الشرب وبيعها لأهالي القرية، أو لسقاية مزروعاتهم» مؤكداً مجدداً «أن هذا الأمر لا يؤثر على المياه الجوفية أبداً، فغلاء أجور استخراج المياه (تعتمد على مولدات ضخمة تعمل على المازوت) يجبر صاحب البئر على استخراج حاجته فقط. ويضاف إلى سعر الوقود الأعطال التي تصيب «الغطاس» في حال الاستخدام المتواصل، وهبوط البئر أو الردم الذي يحصل نتيجة انهيارات أرضية يتعلق حجمها بمدى قساوة الأرض في المنطقة المحفورة، وأخيراً نزوح مياه هذه الآبار».

ولا ينكر أبو محمد استغلال آبار مياه الشرب من قبل بعض الأشخاص الذين يدفعهم طمعهم إلى استخراج المياه وبيعها للصهاريج التي تبيعها بدورها للناس، بأسعار عالية، ولكنها في النهاية «تعود بالمنفعة على الجميع» بحسب رأيه. وعن تكلفة حفر البئر يقول: «يتقاضى صاحب الحفارة أجره على المتر الواحد، ويترواح سعر متر الحفر ما بين 1200 إلى 1800 ليرة سورية بحسب طبيعة الأرض وعمق البئر. حيث تنقسم الآبار الجوفية في إدلب إلى قسمين؛ القسم الأول يسمى «بير سطحي» الذي لا يتجاوز عمقه 150 متراً، وتتراوح غزارته ما بين متر إلى خمسة أمتار مكعبة في الساعة، بينما يسمى القسم الثاني «بير بحري» أو بئر ارتوازي، يتراوح عمقه ما بين 300 – 600 متر حسب المنطقة، وتكون غزارته أكبر بكثير من البئر السطحي، حيث يتراوح إنتاجه ما بين 30 إلى 90 متر مكعب في الساعة».

لكن المهندس عبد الخالق الشيخ يؤكد أن هذا الكلام غير منطقي، ويقول إنه «من الممكن أن يتصادف وجود بئرين على الحوض المائي أو النهر الجاري نفسه في باطن الأرض، وهذا النهر له غزارة محددة، وحين يتم سحب أكثر من طاقته المحدودة ستتأثر كل الآبار وتقل غزارتها». ويضيف أنه لهذا السبب تحديداً، كانت القوانين تقضي بمنع حفر أي بئر عام على مسافة أقلّ من ألف متر من البئر الآخر، معتبراً أن الحفر العشوائي دون مراعاة القواعد والقوانين، ودون الاعتماد على أي دراسات أو حسابات علمية، هو «طمعٌ من أصحاب بعض الآبار»، مؤكداً أن الحل يكمن في «إصلاح آبار المياه القديمة التي تشكل اكتفاء ذاتياً لكل المناطق»، محملاً «المنظمات الإنسانية والجهات الإدارية والأطماع المادية لدى البعض» المسؤولية في زيادة الانتهاكات بحق الموارد المائية.

قوانين قاصرة وتنفيذ معدوم

في محاولة للحد من فوضى الاستهلاك العشوائي للموارد المائية في ريف إدلب والأرياف المحيطة به، تم إحداث مديرية الموارد المائية في إدلب في الشهر العاشر لعام 2017، ويقول مديرها المهندس أحمد رشواني: «تم إحداث المديرية لتكون الجهة الأولى ذات الصلاحية بمنح التراخيص والموافقات المطلوبة لحفر الآبار، ومنذ إحداثها أصدرت تعليمات وخططاً لتنظيم الموارد المائية، مطالبة الناس بضرورة مراجعة المديرية قبل حفر البئر لإجراء التراخيص اللازمة، بالإضافة لترخيص الآبار التي حفرت بشكل عشوائي في السنوات السابقة، لكن «غياب القوة التنفيذية» حالت دون تحقيق الأمر بالمطلق، وتابع الناس الحفر بدون أي مبالاة، واعتبروا غياب الرقابة الأمنية «فرصة» لحفر الآبار، حتى دون أن يكون الشخص بحاجتها أحياناً».

hfr_dlb_2.jpg

حفارة في ريف إدلب / الجمهورية
حفارة في ريف إدلب / الجمهورية

ويتابع السيد رشواني: «قبل الثورة كانت مديرية الموارد المائية تملك جيشاً من الموظفين والآليات، مما ساعد بضبط الموضوع أكثر في ذلك الوقت، أما اليوم فعدد الموظفين قليل ولا نملك أي سيارة أو قوة تنفيذية تمكننا من تطبيق القانون. كما لا نملك اليوم أدوات دقيقة لقياس المياه الجوفية وانخفاض منسوبها، لكن من المؤكد أن المياه تنخفض بشكل كبير في ظل الحفر الجائر واستنزاف المياه الباطنية».

وكانت مديرية المياه في حكومة النظام قد حددت سابقاً شروطاً لترخيص حفر الآبار، منها البعد عن آبار مياه الشرب الارتوازية المملوكة لها وعن البحيرات والأنهار والسدود التي تغذي الأهالي بمحيط 3 كم. وقد تم تحديد المسافة بين الآبار الخاصة بـ 1000 م في حوض العاصي، على أن يقع البئر ضمن الأراضي الزراعية، مع الالتزام بتركيب عدادات نظامية واتباع طرق الري الحديثة عبر الشبكات.

إلّا أن العقوبات التي فرضت في حال المخالفات لم تكن «رادعة» بحسب أحمد السعيد، إذ لم تتجاوز في أفضل الأحوال السجن لمدة تتراوح بين شهر إلى ستة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين 10 آلاف إلى 50 ألف ليرة بحسب نوع المخالفة، وذلك وفقاً للمرسوم رقم 31 الصادر في عام 2005، مع إمكانية التهرب من العقوبات عبر الفساد والمحسوبيات، وهو ما أدى إلى انتشار الآبار غير المرخصة، التي قُدّرت بحسب وزارة الري نفسها بـ 112047 بئراً غير مرخص من أصل 229195 بئراً في عموم الأراضي السورية.

ذلك قبل زمن الثورة، أما اليوم في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، فإن الأمر متروكٌ لتقدير أصحاب الحفارات كما يقول السعيد، الذي يضيف أن «هؤلاء الأشخاص توارثوا المهنة، ومنهم من كانوا جديرين بالثقة سابقاً بسبب معرفتهم بطبيعة التربة ومكان الحفر والأحواض المائية، وتقدير المسافة بين الآبار، وخاصة في عملية الدحر (الحفر الأفقي) تجنباً لنزوح مياه الآبار المجاورة، كما كان أصحاب هذه الحفارات يعرفون متى عليهم التوقف عن الحفر. أما اليوم فقد امتهن الحفر أشخاصٌ لا يملكون الخبرة ويحفرون كيفما اتفق، وهو ما يشكل ضرراً على التربة والمياه الجوفية، وكلفة مضاعفة على أصحاب الآبار».

لا تُسمع في ليل إدلب اليوم سوى أصوات الحفارات، دون شعور بالخطر القادم الذي سيطال أهم مسببات الحياة، ودون أي تحرّك من الجهات المسيطرة والمجالس المحلية والحكومات المتعددة لتفادي الكارثة المتفاقمة.