الآن وهنا في بيروت

 

في الساعات الأولى كنّا مرتبكين جدّاً، نحنُ الغرباء الذين نحاولُ في معظم الأوقات أن نكون «بوليتيكلي كوريكت» في تعاملنا مع هذه البلد. نخجل أنَّ لنا ظلّاً يزاحمُ ظلال العابرين في الشوارع، نحاولُ أن نختفي أحياناً، نموّه لهجاتنا أحياناً أخرى، وفي بعض الأوقات نكون قياديين في خبراتنا، نُنظّرُ على بعضنا بعضاً وعلى الوضع في لبنان. لا نعرفُ متى نُتّهم وبمَ قد نُتّهم. نعيشُ ككتلٍ لا تتواصل كثيراً، نتنفس خذلاننا ونحملُ أسئلتنا حولَ ما حصل معنا، وما يمكن أن يحصل في بلدٍ علاقتهُ مع سوريا متداخلة ومتغيرة.

وفيما نحاولُ التأقلم، وفيما نحاول استيعاب السنوات الثماني الماضية بحجمها وثقلها ونتائجها، تنتفضُ هذه البلاد. في ساعة متأخرة من الليل، الناس يملأون الشوارع، وهتافات التغيير تعود لتطرق آذاننا فرداً فرداً. نعرفُ هذه اللحظات ونعرفُ هذا الشيءالذي يحدث، لكن كلَّ ما في الذاكرة بخصوصه مشوّهٌ بما حصلَ بعده، إلى درجة أننا بتنا أحياناً ننسى تلك اللحظات الأولى التي تحملُ وقعها الخاص. نعودُ إليها عندما نريدُ أن ننسى، كرجلٍ تسعينيّ يتغنّى بشبابهِ.

«الشعب يريد إسقاط النظام»، هذا الشعار الجميل، أنظرُ إلى البوستر المعلّق على الحائط وأسمعُ أصوات الهتافات من الشارع. أجمل ما في الثورات هي المفاجأة التي تحملها، إيقاعها الخاص، ذلك الارتباك الغريب كمن يكتشفُ فجأةً أنّه على قيد الحياة، ولا يَعرفُ من أينّ يبدأ. أتحدّثُ مع عدد من الأصدقاء حول ما يحصل، تسألني صديقة «شو عم تعملي بالبيت، انزلي عالشارع»...

تأتي جملتها تلك لتذكرني بمن أنا، بمن أكون بعيداً عن أنني مشروعُ تهمة ما، وجزءٌ من مجموعة غير مرغوب بها هنا؛ أجيبها بتردد أنني كـسوريّة أواجه كثيراً من التعقيدات المركّبة في الدول التي تتقاطع شؤونها الداخليّة مع الملفّ السوري، وأقول لها إنه كان قد طُلبَ منّي مغادرة بعض المظاهرات في دول أخرى، وإنني لا أريدُ أن أتعرّضَ لهذا الموقف مجدداً.

لم أكن مُدركةً لحجمَ التغيير القادم.

يهاتفني أبي، يدور شجار بيننا...

أخلدُ للنوم، وأستيقظ لأجدَ بيروت التي لطالما أحببتُ، على الرغم من كلّ قسوتها وغرابتها، حالمةً ومتألقة ومختلفة عن بيروت التي أعرف. الناس تتجمّع في ساحتَيّ الشهداء ورياض الصلح بشكلٍ أساسيّ، العصيان المدني يجوب الشوارع، الطرقات مقطوعة، المتظاهرون يحملون الأعلام. لوهلةٍ أشعرُ أنّها المرّة الأولى التي أرى فيها علم لبنان.

اليوم هو الجمعة. أتحمّسُ كثيراً ومن ثمّ أتذكّر. أشعرُ أنني سأكون متطفلةً على هذا الحراك المبهر الذي يهتفُ بعباراتٍ مشجعة وغير تقليديّة، وكأنني أخشى أن أقترب منهُ فنُتَّهَمَ ببعضنا بعضاً. أُتَّهمَ بهِ ويُتَّهمَ بسورية. أشعرُ أنني أريدُ أن أكون وسط تلك الجموع كي أعوّض الحاجة التي أفتقدها لأن أكون هناك، أن أكون في أيّ هناك أستطيع أن أنتمي لهُ دون تعقيدات كثيرة، أُطالب وأصرخ وأساهم في التغيير دون أن يكون ثمن ذلك ثماني سنواتٍ من القلق شبه الدائم، ودون أن يكون ثمن ذلك عدداً بأصفارٍ كثيرة من الشهداء والقتلى والمهجرين والنازحين والمتعبين. انتماءٌ ما، حراكٌ ما، دون ثمن يفوق قدرتي على التخيّل.

أتذكّر أنني انتميتُ لبيروت أكثر من أيّ مكان آخر اخترتُ العيش فيه؛ أُبعِدُ تلك الأفكار الرومنسيّة عن رأسي، فالانتماء هنا، ليسَ شعوراً، إنما هويّة نحملها في جيبنا.

أحبسُ نفسي في المنزل، أقرّرُ ألّا أخرج، أفكاري بعضها سوداويّ والآخر حماسيّ، وأنا أقفُ مترددة بين هنا وهناك، ولا أريدُ أن أجابه عمليّة اتخاذ القرار.

رغبةٌ ملحّةٌ بالخروج إلى الشارع، ناتجة عن الفضول ربما، أو ربما من أجل البحث عن شيء ما يدفعني بعيداً عن كلّ ذاك الارتباك، أو نتيجة رغبتي الملحّة في أن أدعم هذا الجمال الذي لا أستطيع استيعابهُ دفعة واحدةً، فأُفاجأ بهِ تباعاً على مدار الساعة.

أسأل نفسي إن كان هذا الحماس الذي أشعرُ به هو حاجة نفسيّة أرمم بتلبيتها ثقوب الخيبات التي أصابتني في السنوات الماضية، وهل يأتي ترددي من خوفي من أن أدعم مشروع تغيير يُجابَه بوحشيّةٍ، يُقتلْ ويُشرَّد، ويتركني لأعيش مع سؤال «لو بيرجع الوقت…» الذي كثيراً ما يتمّ تداولهُ بينَ بعض السوريين. وعلى وضوح إجابتهِ من حيث المبدأ، فإنه يأتي أسودَ ثقيلاً فيهِ شيء من المسؤوليّة، والإحساس بالذنب لدى من يحملُ رفاهيّة أنّه استطاع النجاة بطريقة أو بأخرى.

أخرجُ مساءً؛ الشوارع مشتعلةٌ بدواليب السيارات، هتافات يعتبرها البعض مخلّة بالآداب العامة، تأتي ردّاً على خطابات السياسيين التي جاءت خلال النهار. تراودني رغبة في البكاء، أكره الارتباك الذي أنا عليهِ. أحاولُ العودة إلى المنزل، وإنجاز ما يجبُ إنجازهُ.

أغادرُ مجدداً.

لا أريدُ أن أكون في المنزل، ولا أعرفُ كيفَ أكون في الشارع.

وكأنّ الكون لم يعد يتسعُ لهويتي المُربَكَة والمركبّة.

تسألني إحدى الصديقات مازحةً: «نحنا السوريين هلأ وين بنروح بحالنا إذا ولعت هون؟».

أفكّرُ في كم أننا بؤساء حقّاً، نسمعُ عن مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ في أيّ بلدٍ عربيّ، وكلّ ما نتخيّله هو السيناريو السوري والفوضى والهجرة والدمار والإرهاب والدول الكبرى والبراميل والتشوّه الإنسانيّ الكامل. وفي أحسن الأحوال نتخيّل السيناريو المصريّ، وحكم العسكر.

معظمنا يريدُ أن يكون في الشارع، معظمنا يحبّ بيروت كثيراً، ومعظمنا يدرك كم نحنُ غرباء هنا. نريدُ الأفضل للبنان، ونريدُ أن ننفض عن أنفسنا عبء كلّ ذلك السواد الفرديّ الذي نعيشهُ، ونريدُ أن يكون لنا وجودنا غير المُهدَّد هنا، ونريدُ ونريدُ…

«قولك بيرجع الجيش السوري يدخل على لبنان؟ طيب إذا دخل بيعتقلنا من هون؟».

أخاف، وأغضب، وأرغبُ بدفن رأسي في زجاجة.

أحاولُ أن أنام مجدداً، اليوم السبت، لا أريدُ مغادرة الغرفة، وكأنني لا أريدُ أن يمرّ الوقت قبلَ أن أكون قد اتخذتُ قراري. القرار البديهيّ، التافه جدّاً مقارنةً بما يحصل خارج حيطان الغرفة.

يا الله، لا أريدُ أن أحملَ كلّ تلك الهواجس التي أحملها في رأسي. أريدُ أن يتوقف رأسي عن الدوران. أتابعُ الأخبار من على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وأفكّر في أنني بلا شكّ فقدتُ حماس سنّ العشرينيات، أبحثُ في كلّ الأسباب المنطقيّة عن مصدر ذلك التردد مع هذا الكمّ من الحماس.

كلّ شيء على الإنترنت بات أجمل. الفيديوهات، الصور، الأصدقاء، المبادئ، الشعارات، التنظيم، كلّ شيء، كلّ شيء.

اليوم الأحد صباحاً، أخرجُ إلى الشارع.

أمشي، وأمشي وأمشي، لا يتراءى لي سوى سمير قصير غائباً بينَ الجموع، وكأنّه كان يعيشُ في المستقبل. الناس في تدافعٍ من حولي وأنا أقفُ ثابتةً من دون حراك. أقرأ إلى يميني وقد كُتبَ على أحد الجدران عبارة «فليسقط الخوف»… ابتسم. أراقبُ المتظاهرين وأعيشُ من خلالهم لحظات حالمة، أشكرُ الأقدار التي قادتني إلى بيروت. أتخيّل كيف سيبدو شكل المدينة إذا بقيت الروح العامة على ما هي عليه، أُقرّر أنّ بيروت هي المدينة التي سأعيشُ فيها ما بقي من عمري. أعودُ من الخيال، أفتحُ عينيّ الدامعتين وكلّي عشقٌ لكلّ ما يدور حولي. يبدأ جامع الأمين بالأذان فيعمّ الهدوء، كلّ الموسيقى وكلّ الضجيج يسكتان لوهلات، ثمّ يعودُ البعض للهتاف بصوتٍ خافتٍ محترمين الأذان. يتجهُ بعض المتظاهرين نحو الجامع للصلاة معاً على اختلاف مذاهبهم. أقتربُ من باب الجامع، وقبل الدرج إلى اليسار أرى أكياساً زرقاءَ قد عُلِّقت على جذوع الشجر وكتب فوقها «إعادة تدوير»، وبالقرب منها على الأرض أكياس سوداء للقمامة الأخرى.

التنظيم والتوحّد والنكتة في الشارع، تبدو كلّها كالحلم فعلاً.

لا أذكرُ متى تماماً، لكنني ومنذُ سنوات أكرهُ الأمل، وأكره ربطه بالمستقبل. اعتذرتُ من ونوّس مراراً، ولكنني على قناعة بأنّ أيّ أمل هو كذبة مؤجلة، شنيعة. أتجنّبُ دائماً ذكر المصطلح وأتوجّسُ إن ذكرهُ أحد أمامي، فما أن أسمعهُ حتّى تتراءى لي جزرةٌ على وشك التعفّن، يعلّقها مزارع لتتدلى أمام حمار ما كي يستمرّ بالسير قُدُماً وطاعة. وأعشقُ اللحظة، الآن، الحاضر.  وكلّ ما أراهُ وأشاهدهُ في هذه الشوارع هو هذا «الآن»، الحاضر الذي غالباً ما نهملهُ ونحنُ نحاولُ تلافي الماضي والتطلّع إلى المستقبل.

المستقبل سيأتي حينَ يأتي. أُقرّر. أريدُ أن أعيش الآن، اقفُ في ساحة الشهداء، وعلى الرغم من الازدحام الشديد، أتنفّس الصعداء، أغمض عينيّ وأتنفّس وأتنفّس وأتنفّس. ما زلتُ لا أعرفُ ماذا أفعل تماماً، ولكنّ هذه الفوضى، هذه الطبول، هذه الباصات التي تصلُ من مناطق مختلفة، هذا الجَمَال العظيم الذي يحصل الآن، الآن وهنا، في بيروت. بيروت التي لم تعد تشبهُ بيروت أصلاً.

بيروت، 23 تشرين الأول 2019، الساعة الخامسة صباحاً