الأبد، الطوائف كأوابد، والإبادة

 

يجري التفكير في الطائفية في سورية والمجال المشرقي المجاور لها كعيبٍ اجتماعي سياسي يُضعف الدول والأفراد فيها، ويحول دون عقلنة أوضاعنا الاجتماعية والسياسية. ويميل التفكير السائد في بلداننا ذاتها، وفي الغرب، إلى اشتقاق الطائفية من تكوين ديني اجتماعي موروث لمجتمعات شرقية، يتميز بكثرة المجموعات الدينية والمذهبية. بيد أن هذا التصور يفشل في آنٍ في فهم نشوء الطائفية وفي رؤية المدى الكامل لخطرها. تستعيد هذه المقالة قضية صغتها أول مرة عام 2007، تقول إن الطائفية هي صنع الطوائف ذاتها، وليست انزلاقاً مؤسفاً، لكنه مُرجَّح في مجتمعاتنا «الفسيفسائية». أضيف هنا أن الطوائف المصنوعة هي تشكيلات إبادية، تحمل استعداداً باطناً لإبادة غيرها. 

1

ليست الطائفية بحسب الفهم الذي يشتقّها من اختلاف المعتقدات شيئاً آخر غير تنازع عنيف، قليلاً أو كثيراً، بين المعتقدين، ينبع تلقائياً من الاختلاف العقدي. عكس ذلك، استناداً إلى تاريخ سورية المعاصر، أميل إلى أن الطائفية، بمعنى التمييز بين الجماعات الاعتقادية المختلفة على مستوى الدولة، هي ما يحوّل هذه الجماعات إلى طوائف، جماعات موحدة أو شبه موحدة سياسياً في سياق من الصراع السياسي على السلطة والموارد والنفوذ هو الدولة الحديثة. على نحو مفارق، الدولة الحديثة وتقارب الجماعات واختلاطها بفعل الشروط الاقتصادية والسياسية والتعليمية هي شروط إمكان الطائفية.

يشبه الأمر العلاقة بين الجنس والجندر. فولادة أحدنا بجينات وأعضاء تناسل محددة لا تحتم خياراته الجنسية وتوجهه الاجتماعي الجنسي. وبالمثل، لا تحتم ولادة واحدنا ضمن هذا الجماعة الدينية أو المذهبية أو تلك توجهاته السياسية. الطائفية مسألة خيارات وتوجه سياسي، وليست مسألة ميلاد. وهي تعادل الجندر وليس الجنس. هذا الأخير يجد معادِله في رابطة الدين أو المذهب.

في سورية، تاريخ سنوات الحكم الأسدي هو الاتجاه نحو تطيف بالغ الحدة، بدءاً من أوضاع أقل تطيفاً. لا لزوم لافتراض وضع أصلي يتميز بصفر بالمائة طائفية، ووضع نهائي هو 100% طائفية. يقتضي الأمر فقط ديناميات تطييف نشطة، هي ما سأعرض محركاتها الأساسية في هذه المقالة. 

2

كان حافظ الأسد ابن جيله، لديه على الأرجح نزعات وطنية معادية للاستعمار، وليس هناك سبب لافتراض أنه لم يُرِد الخير لبلده. لكنه أراد شيئاً آخر بكل قواه: أن يحكم سورية وأن يبقى حاكماً لها لأطول وقت ممكن. من أجل أن يبقى في الحكم وضع موثوقيه الأهليين في المواقع المفصلية من نظامه. كان من الأسرار العامة المعلومة، التي يتعذر الجهر بها مع ذلك، أن الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ذات الوظيفة الأمنية تعتمد بقدر واسع على العلويين، الجماعة التي ينحدر منها الرئيس. فقد وضع الضابط ووزير الدفاع السابق ثقته في يد قرابته الأهلية من أجل الحيلولة دون انقلابات عسكرية كانت سورية اشتهرت بها طوال عقدين بعد استقلالها عام 1946. جرى نزع السياسة من الجيش الذي كان بؤرة للانقلابات في سياقٍ آل إلى نزع عسكريته ووطنيته، واستتباعه لأجهزة أمنية مطيّفة. الواقع أن «الجيش العربي السوري» صار معرضاً دائماً للطائفية، يخرج منه المجندون أكثر طائفية وأقل وطنية مما كانوا قبله، وهذا عكس ما كانت تفترضه نظريات التحديث حتى سبعينات القرن العشرين وثمانيناته. في كتاب قديم له، الصراع على السلطة في سورية، ينسب نيكولاس فاندام مركزة النظام حول وظيفة أمنية مطيفة إلى إرادة الاستقرار وتحقيق المثاليات التحديثية والوطنية التي ميزت بعثيي الستينات والسبعينات. لكن ماذا يبقى من المثاليات حين يرتكز الحكم على مركب أمني طائفي؟ أقل من لا شيء. ينفتح باب الحرب الأهلية الدائمة. 

ما حال دون الانقلابات كان حائلاً فعالاً دون التغير السياسي، أي فيما صار النظام نفسه يسميه منذ ثمانينات القرن العشرين بالأبد. مر الرهان على البقاء في الحكم إلى الأبد بتحطيم المنظمات السياسية المعارضة، ليس الإسلامية وحدها التي انخرط محازبوها في صراع مسلح مع النظام في أواخر السبعينات، وإنما كذلك التنظيمات اليسارية التي كان لا يزال لها حضور معقول وقتها، وكانت نسبة اختلاط سوريين من منابت أهلية مختلفة عالية في أوساطها. هذا يضاهي في أثره بناء أجهزة أمنية موثوقة من أجل البقاء في الحكم، وهو يقوض البدائل المدنية التي أتيحت للمجتمع أو أنتجها المجتمع من أجل تجاوز انقساماته الأهلية، البدائل التي تقرب نخباً مختلفة المنابت من بعضها. ما جرى في سورية في الحقبة الأسدية يتجاوز، بعبارة أخرى، تطييف الوظيفة الأمنية إلى الحيلولة دون إنتاج تمثيلات اجتماعية وسياسية مضادة للطائفية. حافظ لم يبن نظاماً دكتاتورياً أمنياً فقط، وإنما صحّر المجتمع سياسياً، فصارت لدينا مضخة للطائفية هي الدولة، وافتقرنا في المقابل إلى ديناميكيات مضادة تحدّ من أثرها. وبمحصلة عقود حكمه وحكم وريثه صار السنيون أكثر سنية والعلويون أكثر علوية والمسيحيون أكثر مسيحية وهكذا، وصار الجميع أقل سوريّة.   

إلى ما تقدم صارت الطوائف شبكات زبونية لتلبية الحاجات، أي تأمين الواسطة التي لا يمشي شيء بدونها، ويندر أن تتيسر من خارج جماعة المرء. هذا قرّب العلويين أكثر من العلويين، والسنيين من السنيين... وهكذا (تناولتُ ذلك بقدر من التوسع في: السلطان الحديث، المنابع الاجتماعية والسياسية للطائفية في سورية).  

3

وكان مفهوم الوحدة الوطنية المفروض بقوة الدولة واحتكارها لأجهزة الإعلام يعني التكتم على وقائع الطائفية والتمييز الطائفي. الواقع أن الوحدة الوطنية عنصر في مركب واحد مع الطائفية، تحضر بحضورها وتغيب بغيابها، عنصر تتجاوز وظيفته حجب التمييز الطائفي إلى تجريم الاعتراض على هذه التركيبة السياسية الوطنية-الطائفية، ليظهر الاعتراض على الطائفية هو الطائفي وهو الاعتراض على الوطنية والوحدة الوطنية. ولعنصر الوحدة الوطنية هذا فضيلة مهمة: إظهار الأصل الدولاني للعنصر الطائفي الذي تلازمه الوحدة الوطنية مُلازَمَة الظلِّ للجسم.  

في زمن هيمنة «الوحدة الوطنية» وتمكّنها من إخراس أي أصوات قد تُسائِل المركب الوطني-الطائفي، كان يحصل للواقع المكبوت أن يلجأ إلى النكتة، وهي كلام لا مؤلِّفَ له، يقول قائلها ولا يقول. تكثف نكتة سورية مركب التطييف والوحدة الوطنية بالقول إن السوريين موحدون فعلاً، ففي كل مكان تجد جامعاً للمسلمين (السنيين) وكنيسة للمسيحيين وفرع مخابرات للعلويين. النكتة تضخم مثل الكاريكاتير، لكنها تلتقط مثل الكاريكاتير شيئاً من الواقع لتضخمه. وما تلتقطه هو تطييف أجهزة المخابرات، وكون هذه الأجهزة بمثابة معابد لدين الدولة الحقيقي: عبادة الدولة المضادة ذاتها، مشخصة في الحاكم الأسدي.  

وينعكس هذا الوضع في الوعي العام في صورة أن النظام علوي، بمعنى أن الذات علوية والنظام نِتاجُها. أخالف أستاذنا الراحل صادق جلال العظم في هذا الشأن، وأرى أن الأمر لا يتعلق بعلوية سياسية، بل بأن العلويين كطائفة صنيع النظام. وهم صُنعوا عبر عمليات تقريب ومجانسة من بينها التمييز على مستوى سلطة الدولة بما ييسر التماهي بها، لكن من بينها العنف أيضاً ونزع التعدد من البيئة العلوية بالعنف. في سبعينات القرن العشرين قضى النظام على تنظيم بعثي منافس، كان أبرز منتسبيه من العلويين، ومات رمزهم صلاح جديد في سجنه بعد اعتقال دام 23 عاماً. وجرى مثل ذلك بين أواخر سبعينات القرن العشرين وثمانيناته باعتقالات واسعة لحزب العمل الشيوعي المعارض الذي كانت نسبة تمثيل العلويين فيه عالية. والعملية في المجمل ليست عملية علونة النظام، بل علونة العلويين إن جاز التعبير، صنع طائفة منهم، موحدة سياسياً أو تكاد إلى جانب النظام. الهدف الأسمى هو بقاء النظام وليس رفاه العلويين. وليس هناك ما يدل على أن الحكم الأسدي يمكن أن يتردد لو اقتضى بقاءه التضحية بمئات ألوف العلويين أكثر من تردده في قصف محكوميه الآخرين بالسارين والبراميل. من المرجح أن فوق 100 ألف من العلويين سقطوا في حرب بقائه منذ عام 2011. إنتاج الطوائف لا يعني في الأصل غير إنتاجها كقوى حرب، تَقتُل وتُقتَل. لا تُنتج الطوائف من أجل الحب أو الحرية أو الوطنية أو العدالة، ولا هي تنتمي إلى عالم الحب والحرية والعدالة والوطنية.       

وكان مما سهل ظرفياً صنع العلويين كطائفة صعود متحَدٍّ للطائفية الإسلامية السنية في أواخر سبعينات القرن الماضي، توّجَ نفسه بمجزرة إبادية عام 1979، سقط فيها عشرات العسكريين العلويين الشباب بترتيب من ضابط شاب، ابراهيم اليوسف، استقطبه إسلاميون متشددون (كان بعثياً في الأصل، ويحتمل أن مما سهل تجنيده تمييز طائفي خبره في الجيش. تنظر مقالة حسام جزماتي). ثم أن بناء السلالة وتحقيق الأبد كان قفزة كبيرة في خصخصة الدولة أو تحولها بالفعل إلى دولة مضادة، ليست التحقيق السياسي لمجتمع، بل قوة عدائية منظمة تحكمه بالقوة وتقتل من يتمرد منه. كانت الدولة المخصخصة ضربة قوية لما كان بقي من روح انشقاقية في البيئة العلوية، أي في التطييف. 

ولا يعني القول إن العلويين كطائفة نتاج النظام أن الأمر يقتصر عليهم. التطييف شرط سوري عام، والطوائف المتشكلة كلها، نتاج نصف قرن من الاحتواء والإقصاء، من التمييز والعنف، من تخويف الجماعات من بعضها ومن تأمينها بالقرب من النظام. لقد أنتجت «سورية الأسد» البنى الاجتماعية التي تسهل إعادة إنتاجها، علويون أكثر علوية مثلما تقدم، وسنيون أكثر سنية ومسيحيون أكثر مسيحية... إلخ. لم يتحقق ذلك دون مقاومات، لكنها مقاومات حُطِّمَت تِباعاً. 

4

عبر السنوات والعقود اتجهت الجماعات المطيفة إلى التصلب الذاتي والتخارج مع الغير، لتصير أشبه بأوابد متحجرة، وليتحول الأبد من رهان على الدوام وعدم التغيّر السياسي إلى بنية اجتماعية. الأبد، بعبارة أخرى، بنية اجتماعية تقوم على تصلب الطوائف وتحولها إلى أوابد اجتماعية سياسية، وليس مجرد نصف قرن من الحكم السلالي يتطلع إلى أن يستمر ويدوم. هذه نقطة أساسية، يحدث أن تنعكس أيديولوجياً في مدرك الفسيفساء الذي يضفي على الطائفية قدماً وصلابة ودائمية وطبيعية. وإلى الطوائف يُضاف السلطان كآبد، الحكم القائم على أفضلية جوهرية لفرد أو عائلة، مستحق عبر هذه الأفضلية للبقاء في الحكم إلى الأبد ثم توريثه في سلالته. وكبنية اجتماعية يتعزز الأبد من واقع أن الصراع بين الأوابد الاجتماعية يجنح لأن يأخذ شكل «فتنة تدوم»، وهو ما كان يخشاه الفقهاء المسلمون القدامى، ويفضلون عليه حتى «سلطان غشوم». هذا خطأ، فالسلطان الغشوم والفتنة التي تدوم هما آبدان متلازمان، مثل الطائفية والوطنية الأسديتين، ينطويان معاً أو يبقيان معاً. 

وليست العلاقة بين الأوابد الاجتماعية مثل الطوائف والسلطان وبين تماثيل حافظ الأسد التي تندرج ضمن دلالة كلمة أوابد العربية علاقة تداع لفظي. فكلاهما على صلة وثيقة بالأبد، برسوخ السلطة وعدم تغيّرها. أخذت التماثيل بالانتشار بعد مجزرة حماة 1982 الإبادية، وما سجلته من تقدم حاسم في تطيُّف النظام. الطوائف تماثيل اجتماعية صلدة بقدر ما إن التماثيل رموز لتصلب اجتماعي وسياسي. وكلاهما صنعي. التماثيل لا توجد في الطبيعة، ولا الطوائف (ولا الجندر). إنها نتاجات «فنية»، صُنعت بالفن السياسي من مادة أقل تشكلاً، ولم يكن قدراً مقدوراً أن تأخذ هذا الشكل الطائفي. 

5

ما إن نتكلم على الطوائف كأوابد مصنوعة عبر الطائفية والتمييز الطائفي، فإننا نتكلم ضمناً على إبادة أو جينوسايد. عرَّفَ ميثاق الأمم المتحدة الخاص بجريمة الجينوسايد هذه الأخيرة بأنها التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، أي لجماعة معرّفة بهوية موروثة. من شأن بناء النظام السياسي حول صنع الأوابد أو الهويات الثابتة ونفي التاريخ على يد الدولة أن يهدد بالإبادة كلما تهدد الأبد مثلما هو جار في سورية اليوم، ومثلما أخذت نذره بالظهور منذ أواخر العقد الأول من حكم حافظ الأسد. ولقد كان ظاهراً منذ بداية الثورة السورية أن عتبة استهداف البيئات السنية كانت أخفض من غيرها حين تتساوى أفعال الاحتجاج، وأن أفعال الاغتصاب في المعتقلات والمجازر الكيماوية والقصف بالبراميل والحصار التجويعي استهدف هذه البيئات حصراً. 

ليس هذا التمييز مفاجئاً جداً، إنه تحقُّقٌ لمنطق مستقر في بنية حكم الأسدي. يمكن القول إن الإبادة هي استمرار للطائفية كصناعة للأوابد بوسائل قاتلة جمعياً. ومن جهتها تسهم الإبادة والمجازر الإبادية في صنع هذه الأوابد الاجتماعية، الهويات الصلبة المتخارجة. أي أن الأوابد الطائفية بدورها استمرار للإبادة. هذه حلقة شريرة، يغذي فيها التطييف الإبادة وتغذي الإبادة التطييف. ولعل علم السياسة بعامة ودراسات الإبادة بخاصة بحاجة إلى مفهوم الجينوقراطية، حكم الجينوس أو الجنس (الأكثري أو الأقلي، لكننا حيال أكثرية أو أقلية ثابتة وغير ديمقراطية)، الذي يندرج ضمنه الحكم الطائفي، ويشكل مقدمة في كل حال للجينوسايد. كانت سورية عرفت عنفاً سياسياً بعد استقلالها، لكن لم تعرف عنفاً إبادياً قبل الحكم البعثي، وبخاصة بعد حكم حافظ الأسد. حتى في فترة الاحتلال الفرنسي لم يظهر عنف إبادي، وإن ظهرت اعتداءات واستفزازات طائفية.  

ثم أن الكلام على فن سياسي صانع للطوائف يعني أن الطائفية ليست استمراراً لضيق أفق محلي تقليدي أو لنفور من الغريب والمختلف. فمثلما ليست إبادة اليهود في سنوات النازية استمرار للاسامية التقليدية التي تقوم على معاداة مسيحية لليهود، على ما أظهر زغمونت باومان في الهولوكوست والحداثة، فليست الطائفية في سورية استمرار لفتوى من ابن تيمية لم يكد يسمع بها أحد إلى أن نبشها طائفيون في سياق تسعير التوترات الطائفية في سنوات حكم بشار، ولا هي نتاج كيد «نصيري» متأصل للإسلام، كما قد يقول طائفيون سنيون. الأمر في كل حال أوثق صلة ببنى سلطة وترتيبات نفوذ ونفاذ تفاضلي إلى الموارد العامة اليوم، وبتشريع هذه البنى والترتيبات. قد تُستحضر من الماضي عُدد تعطي عمقاً تاريخياً لأوضاع اليوم أو تعزز شرعيتها، أو تشد من عزم المناضلين الطائفيين، لكن ليست علاقات اليوم نتاجات تلقائية للماضي. وبالمثل ليس الانعطاف الجينوقراطي العالمي، مثلما يظهر في أميركا وبريطانيا وإيطاليا، وفي حركات اليمين الشعبوي في أوروبا الغربية، عودة لعواطف قومية أو شواغل هوية كانت مكبوتة، الأمر متصل بالأحرى بعمليات العولمة ونزع الصناعة وتطور اقتصاد المعلومات وتدهور نُظُم الضمان الاجتماعي من جهة، وبفشل الديمقراطية الليبرالية في استيعاب التعددية الجديدة، التي تتمثل بالمهاجرين والملونين والمسلمين. تُسيّسُ قطاعات من السكان الأصليين في «الشمال الكوكبي» وضعها بمعاداة الأجانب والمهاجرين، وتضع ثقتها في قيادات جينوقراطية كفعل احتجاج مضاد لمؤسسات الحكم التي يفكر فيها كنخب كوزموبوليتية ووكيلة للعولمة. لعل الجينوقراطية الشعبية وصف مناسب للولايات المتحدة في سنوات ترمب.  

وما يهم في هذا الشأن أن التحول الجينوقراطي يوفر ضرباً من عمق استراتيجي للحكم الأسدي، ما سهل عليه سياسة الإبادة. 

6

هل كان يمكن لسورية تجنب الطائفية، لولا الحكم الأسدي؟ بالنظر إلى أحوال لبنان والعراق يجب القول إن هذا ليس مضموناً. لكن عدا عن أن سورية الأسدية أسهمت إيجابياً في التطيف العام في المنطقة، فإنها جمعت أسوئي عراق صدام الطغياني ولبنان المحاسيبي، فضلاً عن دوام متجدد، عمره اليوم نصف قرن، تعادل نصف عمر الكيان السوري الحديث تقريباً. والمهم أن نتذكر أن تحطيم الحياة السياسية في كل من سورية وعراق صدام، وليس فقط تطييف الوظيفة الأمنية، هو ما سهل التعمم الطائفي، وأن الأبد هو ما يجعل الطوائف المصنوعة أوابد، أو هو ما يؤثّنها. لقد قاوم سوريون التحول الدكتاتوري والطائفي، لكنهم حُطِّموا. هذا عامل يهمله «خبراء» غربيون، قدريون، يشتقون الطائفية من بنية أبدية لمجتمعاتنا. يهمله «خبراء» محليون أيضاً، قدريون بدورهم. 

وأيا يكن الأمر فقد كان من المستبعد لأي طائفية محتملة أن تأخذ شكلاً إبادياً. الإبادية الأسدية مرت دون عواقب بتمرين كبير في مطلع ثمانينات القرن العشرين، وبتحول سلطاني سلالي، وكان لديها الكثير مما تخسره بعد أربعين عاماً في السلطة وقت بدأت الثورة والإبادة.    

لقد فتح الأبد باب التطييف الذي فتح باب الإبادة، ولذلك فإن إغلاق باب الإبادة يقتضي طي صفحة الأبد وإغلاق باب التطييف، وتالياً تأميم الدولة المخصخصة التي كانت فاعل التطييف الأول. هذا ليس ميسوراً بعد كل ما جرى. اليوم بالعكس تنال دولة الأبد والإبادة الحماية من قوتين فاجرتين في طائفيتهما، روسيا وإيران. قبل أسابيع تكلم الناطق باسم القاعدة الروسية في سورية، ألكسندر إيفانوف، مؤخراً على حماية المسيحيين الأرثوذكس، وهذا بعد أن كان مسؤولون آخرون ورأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية البطريرك كيريل تكلموا على الشيء نفسه من قبل. ويهم الإيرانيين المزيد من تطييف المجتمع فوق حماية النظام، بما يضمن لهم قواعد اجتماعية باقية. عبر ذلك لا يوفر الطرفان غير أفق من سياسات الإبادة أمام السوريين. كانت حماية الأقليات من «أوابد» الخطاب الاستعماري التقليدي، والثابت فيها حمايتهم من أكثريات تبدو مهدِّدة دوماً، وينبع التهديد من وجودها بحد ذاته. حاولت هذه المقالة أن توضح أن هذا بالأحرى جزء من صناعة الطوائف التي تُديم أوضاعاً سياسية تمييزية تعود بالضرر على الجميع، الأكثر والأقل عدداً. تاريخ حماية الأقليات هو في الواقع تاريخ استتباع الأقليات لقوى خارجية مستعمرة أو قوة داخلية إبادية، تجعل من الانكشاف والتعرض للخطر الشرط الوجودي للأقليات والأكثريات معاً. 

7

ليس تأميم الدولة والعمل على قيام النظام السياسي والحقوقي على المواطنة كمنهج لنزع الطائفية بسهولة قوله، لكن صعوبته ليست أكبر من صعوبة صناعة الأوابد السياسية، وقد مرت بمجازر وبناء أهرامات أمنية وصناعة تعذيب مزدهرة. ما حدث ليس طبيعياً ولا قدرياً، لقد مر بسحق المقاومات الاجتماعية والسياسية التي ناضلت ضد التمييز وتطلّعت إلى أوضاع سياسية تعددية. وهذا واقع مستمر اليوم. مقاومة الطائفية نشاط مُحرّم اليوم في سورية تحت حكم الأسديين وحماتهم مثلما كان طول خمسين عاماً.