الأزمة الوطنية ونهاية المثقف النبي

 

قبل أكثر من جيل من اليوم، تفجّرت في سوريا أزمة وطنية كبيرة، وتسبّبت بمحنة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ البلد، وبسقوط ما كان واحداً من أكثر البلدان العربية تقدّماً في دوّامة تدهور شامل. وكان من التوابع غير المباشرة لتلك المحنة، تحوُّل «الجمهورية العربية السورية» إلى «سوريا الأسد» أو المملكة الأسدية، وتكوّن سلالة مالكة فتيّة وضارية، قادت بدورها إلى أزمة متفجّرة أخطر بما لا يُقاس، تجاوزنا اليوم شهرها الأربعين.

وبينما من المفهوم أن تتمايز مواقف السوريين العامّين من سياسيين ومثقفين وعموم السكان حيال ذلك الصراع الكبير، فإن ما يصعب فهمه أن نحو 30 عاماً انقضت (قبل تفجّر الجولة الراهنة من الصراع) دون أن ينظر المثقفون السوريون في تكوين بلدهم وتاريخه، وتجاربه المكوّنة، ومواطن قلق كيانه واجتماعه، وبؤر التوتر السياسي والفكري في بنيته، ومنابع الصراع والعنف في هياكله ووعيه الذاتي، ومخاطر تفجّره وتفكّك كيانه، وسُبُل تجاوز انقساماته ونقاط التصدّع فيه، والسياسات والخطط اللازمة لاستوائه بلداً قابلاً للتطوّر، يوفّر الحد الأدنى من العدالة والكرامة لسكّانه. يفترض المرء أن الأزمات الكبرى هي، في الوقت نفسه، فُرَص للتأمل التاريخي، الموجّه نحو تجنّب تكرّر مثل هذه الأزمات. فكيف حصل أنه لم يصدر كتاب أساسي واحد، ألّفه سوري أو سوريون، يُلقي نظرات على مصادر التأزّم السوري المتكرّر؟

أنوّه بدايةً أن المثقفين المعنيّين في هذا السياق المخصوص هم كتاب، أكثرهم من مواليد ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، وكانوا في ثلاثينات أعمارهم وأربعيناتها –وقليل منهم في خمسيناتها– وقت تفجرت الأزمة الوطنية السورية الأولى بين عامَي 1979 و1982. ومن باب التمثيل نذكر أسماء أنطون مقدسي (1914- 2005) وحنّا مينة وإلياس مرقص (1929-1991) وأدونيس وزكريا تامر ووليد إخلاصي وحيدر حيدر وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي وسعد الله ونوس (1941- 1997) وممدوح عدوان (1941-2004) وغادة السمان وميشيل كيلو وبرهان غليون وعزيز العظمة. السِّمَة العامة لهذا الجيل أنه حمل قضايا كبيرة، لكنه قلّما انخرط في صراعات فعلية.

قد لا يستطيع الواحد منا، لأسباب سياسية أو أيديولوجية، أن يقول شيئاً عن مجزرة المدفعية أو مجزرة تدمر أو مذبحة حماه الكبرى، عن اعتقال عشرات الألوف وإعدام ألوف في سجن تدمر، عن التعذيب في المقرّات الأمنية والسجون، لكن لذلك بالذات يمكن للنظر فيما وراء السياسة من تكوين البلد وتاريخه أن يكون المخرج المناسب للكاتب، والنافع للبلد. كان من شأنه أن يرتفع بسويّة النقاش والتفكير إلى ما يتجاوز الاستقطابات السياسية والأيديولوجية الراهنة، ويوفّر موادّ تاريخية وأدوات بحثية للنظر في مبنى البلد ومعناه. كنا كمثقفين وناشطين سياسيين في وضع أفضل حتماً لو، خلال 30 عاماً، وجدنا عشرة كتب تُنعم النظر في مسارات سوريا ومصائرها.

لا شيء. لماذا لا شيء؟

سياسة الحقيقة

أول ما يرد إلى البال أنه في سوريا لا يمكن للكتابة، مهما اجتهدت في تجنّب السياسة، أن تتجنبها بالقدر الذي يجنّب الكاتب المتاعب. فإما أن يتجاهل الحقبة المعاصرة كلياً، وهو ما كان خيار البعض، أو يتجنّب شؤون البلد تماماً، وهذا ما كان خيار آخرين (يتكلمون على الوطن العربي والأنظمة العريية والعالم الثالث والبلدان النامية...)، أو «يُمغمغ» الكاتب في الكلام على هذه الحقبة، ما يخرج عمله من نطاق الجدية.

يتعلق الأمر في كل حال بالشروط السياسية لقول «الحقيقة». الحقيقة سياسية دوماً وفي كل مكان، لكنها سياسية بصورة مضاعفة في سوريا، لكون النظام السياسي مبني جوهرياً على نفي جهود التقصّي المستقلّ والنظر الحرّ في نشوء الأجهزة السياسية وبُنيتها وتاريخها وأفعالها ووظائفها. بحكم تكوينه وملابسات نشوئه وسيرة قيادته، النظام الأسدي مصمَّم على تحريم الكلام في موضوع بُنية السلطة وأدوات الحكم، وتاريخ الحاكمين، وتاريخ البلد نفسه. وهو يبني سورَين عاليَين في وجه مطالب الحقيقة: السور الأيديولوجي الذي يتكفل بتسمية الأشياء بغير أسمائها (الانقلاب ثورة، وزير دفاع 5 حزيران بطل الأمة، الطائفية وحدة وطنية، أجهزة الخوف أجهزة الأمن...)، والسور القمعي الذي يمنع تسمية الأشياء بأسمائها. هذا يُحيل إلى مجال التابو المحروس بالخوف كل ما هو أساسي من بنيان البلد وتكاوينه الاجتماعية والسياسية. من ينتهك التابو يعرّض نفسه لمخاطر كبيرة.

لقد تعرّض أكثر من جيل فعلاً من المعارضين، العلمانيين منهم والإسلاميين، للسحق على يد هذا التركيب السياسي، لأنهم حاولوا بطرق مختلفة انتهاك التابوهات السياسية المفروضة. ويبدو أن جيلا من الكتاب مارس الرقابة الذاتية وهو يرى هذا المصير دون أن يقع أفراده في التجارب شخصياً.

لكن لا يمكن للخوف أو لعواقب قول الحقيقة أن يكون مسوّغاً كافياً للالتزام بمحرّمات يُفترض أن تحدّيها وانتهاكها هو تعريف المثقف قبل أن يكون واجبه. الموضوع أهم من أن يُسكت عنه من جهة، والمعنيون فئة يتمتع أفرادها بحصانة نسبية أكبر من غيرها من جهة ثانية، وغير قليل منهم يعيشون خارج البلد من جهة أخيرة. وفضلاً عن ذلك، لم يكن يُنتظر من المثقفين اتخاذ مواقف سياسية ربما ينفرون منها، بل النظر في كيان البلد وتاريخه ومصيره، أي القيام بعمل ثقافي عام. ليس هذا بالأمر الآمن تماماً، لكنه ليس بخطورة الكلام السياسي الصريح.

نريد أن الخوف لا يصلح تفسيراً كافياً لا متناع المثقفين عن القيام بعملهم. فكيف يمكن أن نفهم هذا الامتناع؟

ثقافة المآلات النهائية

نرجح أن جذراً أساسياً للمشكلة يتصل بالأحرى بمفهوم المثقف ودوره.

في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، كان المثقفون «تقدميين». وقتها كان التقدم أيديولوجيا اجتماعية وتاريخية في آن، عقيدة وكفاحاً من أجل العدالة وتحرّر المحرومين، وكذلك تطلعاً إلى «الالتحاق بركب العالم المتقدم». لكن في تلك السنوات نفسها، كان العنصر الأول يتراجع لمصلحة العنصر الثاني. من جهة، كان التقدم كمفهوم يعاني من أزمة فكرية أخذت تعكسها في حينه وتُعرِّف نفسها به أدبيات ما بعد الحداثة؛ ومن جهة ثانية كان التقدم يمعن في التدهور والجمود كعقيدة سياسية، تمثلت في الشيوعية السوفييتية التي انهارت أواخر الثمانينات. البعد التطوري للمفهوم بقي حيّاً في الإطار العربي لأن وضعية المثقف أو تعريفه يتصل به. المثقف شخص يعمل على أن نتطور ونتقدم لندخل «العصر» ونصبح حديثين. لكن مع انفصاله عن الكفاح السياسي والاجتماعي، وعلى خلفية صعود الإسلاميين في تلك الحقبة، حلّ محلّ مفهوم التقدم مفهوم زماني غامض وضعيف الحساسية الاجتماعية: الحداثة. المثال المكنون في المفهوم الأخير هو التنظيمات الغربية المعاصرة، التي بصرف النظر عن أي جدال حول كونيتها الناجزة، فإن الصدور عنها، لا عن مجتمات تاريخية عينية أقرب إلينا، كتركيا أو البرازيل أو الهند، يشكّل تعجيزاً لمجتمعاتنا وإرهاقاً لها بما لا تطيق. هذا غير أن الانطلاق من المثال المشتهى، «المستقبل المستشرف» على ما عبّر عبد الله العروي في الأيديولوجيا العربية المعاصرة، يجعل أوضاع الجور والقمع والاضطهاد والتمييز القائمة في بلداننا الآن غير مرئية ولا تستحق الاهتمام، أوضاعاً نسبية ومرحلية وعارضة، وقد تكون ثمناً لا بدّ منه من أجل بلوغ المآل المرغوب. وهذا حكم بالإعدام على الحسّ السياسي والأخلاقي، وهما مشدودان بطبيعة الحال إلى الراهن ومضطرَب حياة الأحياء وكفاحهم. وبالفعل يندهش المرء من خلوّ مجلدات سميكات لكتاب حداثيين سوريين حتى من سطور من التعاطف مع مقهورين، حتى من احتجاج ضميري على مجازر رهيبة، حتى من بضع كلمات غاضبة على جرائم كبيرة.

ثم إن توجيه مفهوم الحداثة ضد الإسلاميين، أساساً وحصراً، يجعله أعمى عن منبع التمييز والعنف والفساد في مجتمعاتنا: نظم نخبوية امتيازية، يجد أيديولوجيو الحداثة أنفسهم على قرب من طوابقها العليا، المنظّمة، وبالكاد يقولون شيئاً عن إفراطها في الفظاظة.

الحداثة متصوَّرة، في كل حال، كمآل أخير أو غاية نهائية، لا كصراع وانخراط شخصي في صراعات اليوم الاجتماعية والسياسية والفكرية.

ليست السياسة التحرّرية وحدها غير ممكنة على أرضية مفهوم الحداثة، المنحاز لكل ما هو منظم وأعلى ومتشكل ومركزي ضد ما هو فوضوي وأدنى ولا شكل له وهامشي؛ ولا العدالة والكفاح من أجل الحرية وحدهما؛ وإنما معرفة أي شيء مهم عن واقع الحياة البشرية أيضاً غير ممكن على أرضية الحداثة. وليس أمراً عارضاً أننا قلّما نجد وصفاً لواقع معيش، أو تحليلاً لأوضاع راهنة، عند المثقف الحداثي.

أما المثقفون السوريون الذين حضرت جوانب من الواقع الفعلي في تآليفهم فهم إما من نقاد الأيديولوجية الحداثية (برهان غليون) أو هم أكثر انشغالاً بالبشر الفعليين منهم بالدعوات الأيديولوجية (ممدوح عدوان) أو هم مثقفون اقتربوا من ميدان السياسة وانخرطوا في حركة الاعتراض السياسي، وتحديدا بعد «ربيع دمشق».

ثقافة الماهيات

لكن هل يُحتمل أن بعض جذور امتناع الكتاب السوريين عن النظر في تكوين سوريا وتاريخها ومصيرها تكمن أيضاً في تكوين سوريا ذاته لا في تكوين المثقفين وحدهم؟ قد نلاحظ أن معظم المثقفين السوريين من الجيل المشار إليه كانوا لا يعترفون بسوريا كي يعرفوها. كان المثقف السوري قومياً عربياً أو «قومياً سورياً»، أو هو «قومي إسلامي» إن جاز التعبير، يفكر بـ«أمة إسلامية» متخيلة لا بسوريا واقعية، هذا حين لا ينحصر أفقه في الطائفة والعشيرة. تأخر ظهور المثقف السوري، الذي يعرّف نفسه بسوريته، عن الظهور المتأخر للمثقف في سوريا. أعني أن الصفة السورية تأخرت حتى عن ظهور المثقف، ولعلها لا تعود إلى زمن أبكر من سنوات حكم بشار الأسد الأولى و«ربيع دمشق». ينحدر إلينا من زمن أقدم تعريف المثقف لنفسه كـ«مفكر عربي» أو «كاتب عربي» من سوريا!

هذا، بالمناسبة، ليس حال لبنان، ولا فلسطين ولا العراق، ولا حتى الأردن. ولا بطبيعة الحال مصر. مثقف الماهيات عاش طويلاً في سوريا وحدها.

سوريا في عرف الأيديولوجيات التي كان يتوزع عليها مثقفو البلد كيان مرحلي عارض، الأمر الذي ينال من جدارته بالمعرفة والتمثيل الفكري لمصلحة ما يُفترض أن يكون ماهية ثابتة دائمة من أمم «ثقافية»، على نحو ما كانت الحداثة تنال من الجدارة المعرفية لحاضرنا لمصلحة مآلات نهائية، إما نبلغها يوماً أو «ننقرض».

ولعل الولاء لهذه الماهيات يفسّر ذلك الإصرار المدهش على تجاهل مشكلات الطائفية رغم كونها بؤرة لا جدال فيها للعنف والتمزق في البلد. «مثقف الماهيات» يرفض الشغل عليها لأنها تنتمي إلى عالم الوجود والسياسة العارضة الذي لا قيمة له، و«مثقف الغايات النهائية» يرفضها لأنها من وجوه عالم آفل، مهما طال به الزمن. وهي، فوق ذلك، التابو الذي يخصّه النظام بأشدّ الحماية.

إلى «ربيع دمشق» وما بعده، نَدين للقليل الذي كُتب عن سوريا، منتهكاً تابوهات، ومسمّياً أشياء بأسمائها، وموفّراً عناصر للتفكير في العالم السوري. في هذه الفترة، عملت مساهمات لأنطون مقدسي وصادق جلال العظم وبرهان غليون وميشيل كيلو، من الجيل الأقدم، على نقل سوريا من موقع إطار سلبي لعمل المثقفين إلى موضوع لتفكيرهم وإطار فاعل لانخراطهم العام.

لكن كان في المشهد جيل جديد من الكتاب والروائيين. هؤلاء، وهم من مواليد ما بين خمسينات القرن العشرين ومنتصف سبعيناته، أكثر سوريةً من سابقيهم، وأقرب إلى أرض الصراع الفعلي. لكن حتى ما كتب في هذه الفترة لا يلبّي الحاجة إلى النظر في عين بلدنا وكتابة سيرته.

أنبياء العدم

والخلاصة أنه تواطأت ثلاثة عوامل للحيلولة دون التفكير في سوريا وتمثيلها: 1) الصفة السياسية المخيفة للمعرفة؛ 2) وإذابة الحاضر في مخطط تاريخي يؤول إلى الحداثة؛ 3) وإذابة الوجود الوطني في أمة ماهوية واسعة. يتعلق الأمر في كل حال بكون المثقف وكيلاً لماهية لا تظهر مرة، ولغاية نهائية نائية مرة. ليس مثقف الحياة المعيشة والوجود العياني، بل مثقف الطوبى أو الخلاص.

أو ببساطة المثقف النبي.

والمزاج الطبيعي للمثقف هو التشاؤم، بسبب نأي غايته وامتناع ماهيته عن الظهور. ومثل الأنبياء القدامى، لا يكفّ أنبياء اليوم عن تقريع الجمهور على غفلته وقلة وعيه.

بالمناسبة، لا تتعارض إذابة الراهن في المآل الأخير مع المنطق العميق للفكر الإسلامي، ولعلها تستعيد قراراً «تاريخانياً» مؤسِّساً للإسلام ذاته منذ سنوات الوحي التي أدرجت العرب في الأفق الإبراهيمي وقتها. وهذا فوق انتحال الدور النبوي، النافر منذ وثيقته الأصلية (القرآن) من التفاصيل والكثرة والتغيّر، لمصلحة المجمل والواحد والخلاص. كما لا يتعارض حل الوجود الفعلي في ماهية أعمق مع نزعة متأصلة في الفكر الإسلامي أيضاً، تثابر على إنكار الأوضاع القائمة لمصلحة ماهية مفترضة، متمثلة في السلف أو الخلافة، وإنكار الوجود الدنيوي لمصلحة الآخرة.

لكن أليس خفض قيمة الوجود الواقعي هو العمق المشترك لكل نزعة عدمية؟ ما العدمية غير الإعلاء من شأن المآل الأخير والماهية الثابتة على حساب المعاش الراهن، أو الآن وهنا؟ هل يسجّل الحداثي أو العلماني فرقاً ذا قيمة عن الإسلامي حين يشاركه في تخفيض جدارة الراهن بالمعرفة والسياسة، والحياة؟ أليس، بالأحرى، يعزّز الاستعداد العدمي عبر ما يخلقه من فراغ فكري وسياسي وقيمي، لا يمتلئ وهماً بغير الفراغ الإسلامي؟

قد يكون أنبياء اليوم على خصومة مع نبوة الأمس، لكنهم متشرّبون كثيراً بمنطقها الأخروي وروحها المنكفئة عن الحياة في هذا العالم المتغير.

وبعبارة أبسط، لقد كان المثقفون، بحكم تعريفهم لأنفسهم، كمبشرين بزمن آخر أو ممثلين لجوهر مكنون، وكلاء للعدمية في تاريخنا المعاصر. مواجهة العدمية يقتضي طيّ صفحة المثقف النبي الذي ورثناه من «عصر النهضة»، ومزامنة ومعايشة وجودنا الفعلي. هذا المثقف تشكُّل تاريخي، له بداية، «النهضة»، وله نهاية: الثورة الاجتماعية.

وما نرتّبه على ذلك هو أن النظر إلى واقع بلدنا وتكوينه ليس فقط النهج الفعال لإدراك جذور محنته وأوجاعه، بل هو أيضاً سبيل القطيعة مع غرائز الفكر الإسلامي الطوباية، ومع العدمية في تناسخاتها القديمة والحديثة.

مثقف جديد!

هل الوضع مختلف اليوم؟ هل هناك مؤشرات على ظهور نموذج جديد للمثقف، يقاوم التمييز والقمع والتهميش هنا والآن، بدل مُنشِدي العدم و«الخراب الجميل»، المثقف النبي المعني بالغايات النهائية والماهيات الحقة؟

إذا صح التحليل السابق، فإن الفرصة اليوم أكبر لتفحّص كيان سوريا وقدَرها وضميرها.

انكسرت التابوهات السياسية، وإن مع تكسّر البلد ذاته.

والثقة بالأنبياء الجدد وعقائدهم أدنى من أوقات سابقة.

والفراغ الإسلامي، الذي لا يملأ فراغ غيره بغير عنف لا يُحدّ، مرشح في وقت قريب لإثارة موجة من النزوع الدنيوي، موجه نحو الهُنا والآن، كاسر للتابوهات الدينية، ومضادّ للعدمية.

الانشغال بالدنيا السورية، وتكوين البلد البشري والطبيعي، وتقصّي جذور العنف والعداوة في مواريثه وهياكله وسياساته، هو ما من شأنه أن ينصب حواجز في وجه العدمية بأشكالها كلها: عدمية الأنبياء المعاصرين، عدمية الدين الأخروي، وعدمية الطغيان الذي لا يكفّ عن تحطيم الكثرة وبتر الذاكرة وفرض الأبدية كينونة وحيدة للأحياء، أي موتا أبدياً.

ومن «ربيع دمشق» إلى الثورة السورية، لدينا تجربتان مؤسِّستان، يجمع بينهما العمل من أجل امتلاك السياسة، واستعادة ملكية البلد لسكانه.

تمثل التراجيديا السورية أقاصي المصير الإنساني من تعذيب ورعب وموت وشتات وتمزّق ومنفى، وغضب وكره وخيانة، من محدوية الإنسان وعظمته، من الجريمة والتضحية. وهي لذلك فرصة للتأمل في مصير الكائن الذي اسمه سوريا، ومصير الكائن البشري عموماً.

من الملحّ تحويل ذلك إلى مشروع عملي اليوم.