الأسد مُحاصراً في الحسكة!

 

قبلَ أكثر من عشرين يوماً، فوجِئَ سكان محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا بشروع القوات العسكرية التابعة للإدارة الذاتية في وضع عددٍ كبيرٍ من الحواجز الإسمنتية، وذلك على جميع الطرق المؤدية إلى مناطق سيطرة النظام في مدينتي الحسكة والقامشلي (المعروفة محلياً بالمربعات الأمنية)، حيث ما تزال قوات النظام ومؤسساته موجودة. من جهتها، لم تتخذ قوات النظام، التي تسيطر على مساحاتٍ صغيرة، أية إجراءاتٍ مشابهة، واكتفت بمراقبة المشهد. منذ ذلك الوقت، وتدريجياً، منعت حواجز الإدارة الذاتية عبور جميع الآليات إلى مناطق سيطرة النظام.

اليوم، لا يمكن الحديث عن حصارٍ كاملٍ للمنطقة، إذ ما زال بوسع المدنيين شراء حاجياتهم من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية ونقلها سيراً على الأقدام نحو بيوتهم الواقعة في المربع الذي تسيطر عليه قوات النظام، كما باتت المحلات التجارية تستأجر عرباتٍ تنقل البضائع نحو آخر حاجزٍ لوحدات الحماية، ومن ثمّ يتم إفراغ حمولتها في عرباتٍ أخرى عند حاجز النظام السوري. وكانت أكثر المواد المُتأثرة بالمنع هي المحروقات والمياه والطحين، فقد مُنعت صهاريج المحروقات التي تمرّ حتماً من المناطق الخاضعة لسيطرة وحدات الحماية من الدخول، وكذا بالنسبة لشاحنات الطحين. وشمل المنع أيضاً سيارات الصليب الأحمر التي كانت تنقل المياه إلى مناطق سيطرة النظام، وذلك في ظلّ أزمة مياهٍ تعيشها المنطقة منذ شهور، كانت قد تراجعت حدتها في الأيام الأخيرة، لتصل المياه إلى البيوت مرةً كل 5 أيام، وهو ما خفّف من الأزمة التي كان هذا المنع سيتسبّب بها، غير أنّ وضع المياه ليس مستقراً على نحوٍ يجنّب سكان المربع الأمني احتمالية العطش خلال الأيام القادمة.

أسباب التوتر

اختلفت الروايات في الأسباب التي دفعت إلى هذا التوتر، ففي حين تربط التصريحات الصادرة عن قسد والإدارة التابعة لها حصار مناطق سيطرة النظام في الحسكة، بالتضييق الذي تمارسه الفرقة الرابعة على وصول المواد الغذائية وحركة الأفراد باتجاه منطقة الشيخ مقصود في حلب، فإنّ مصادر محلية في محافظة الحسكة قالت للجمهورية إن الأسباب متداخلة أكثر من ذلك، وبعضها مرتبطٌ بالتحركات الأميركية الروسية التركية في أكثر من منطقة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، لا سيما في تل تمر وعين عيسى. يضاف إلى ذلك، بحسب مصادر كردية، امتعاض المسؤولين في الإدارات الذاتية من سلوك عناصر الدفاع الوطني التابع للنظام في المحافظة، حيث قال علي الحسن، الناطق الرسمي باسم قوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، إن «تدهور الأوضاع الأمنية وتصعيد حالة التوتر كان بسبب استمرار قوات الدفاع الوطني باستكمال مشروع زرع الفتنة بين مكونات الشعب».

إلى ذلك، توقف الفرن الآلي في حي المساكن بمدينة الحسكة، وهو أكبر أفران المدينة، بشكلٍ مؤقت، عن إنتاج الخبز بسبب انقطاع الطحين، قبل أن تسمح قسد بعبور شحنةٍ واحدة يوم الخميس الفائت، كما أنّ جميع «مولدات الأمبيرات» المعتمدة على الديزل قد توقفت عن العمل نتيجة عدم دخول المحروقات، ما جعل مناطق سيطرة النظام خالية من الكهرباء بشكلٍ شبه كلي.

وقفات احتجاجية برعاية الأفرع الأمنية

تطورّت الأحداث يوم الأربعاء الماضي، ففي السابع والعشرين من كانون الثاني (يناير)، نظّمت مؤسسات النظام وأفرعه الأمنية اعتصاماً في المناطق التي يسيطر عليها في الحسكة، وكانت نقطة التجمع في «ساحة الرئيس» وسط المدينة، شارك فيه عددٌ يتراوح بين ثلاثمئة وأربعمئة شخص، طالبوا بفك الحصار وفتح الطرقات. ويقول مصدرٌ من مدينة الحسكة، رفض الإفصاح عن اسمه، «إنّ الهدف كان تصوير هذه التحركات الاحتجاجية للضغط على الإدارة الذاتية شعبياً وإعلامياً». بينما يُجمِع الذين تحدّثنا إليهم في الحسكة على أنّ الاعتصام كان مدبّراً من الأفرع الأمنية ومن فرع حزب البعث في المدينة.

وفي هذه الوقفة، توجّه المشاركون من ساحة الرئيس باتجاه حاجز الهجانة التابع للنظام قريباً من صيدلية الحياة، وهو نقطة تماسٍ بين الجانبين، ورشق المشاركون حاجز الإدارة الذاتية بالحجارة ورددوا بعض الشعارات التي تفيد بوقوعهم ضحايا الجوع والعطش والبرد نتيجة منع قسد لدخول المواد الأولية، وأشاروا إلى «عمالة قوات سوريا الديمقراطية واستقوائها بالاحتلال الأميركي». من جهتها، ردّت قوات الأسايش بالرصاص، غير أنّ الطلقات كانت تحذيريةً ولم تُسفر عن مصابين أو قتلى. ومن اللافت، في مقطع الفيديو الذي انتشر على نحوٍ واسع ذلك اليوم، وجود ضباط وعناصر من مختلف الأفرع الأمنية وميليشيات الدفاع الوطني وما يعرف بأنصار الأفرع الأمنية (أنصار الأمن العسكري، أنصار الأمن السياسي،..) في الوقفة الاحتجاجية، وكانوا يهربون بأسلحتهم مع المدنيين، ذلك أنّ توجيهاتٍ صدرت «بعدم الرد على مصادر النيران حتى في حال وقوع ضحايا»، بحسب ما قاله أحد العناصر الأمنية للمشاركين في الوقفة الاحتجاجية.

في اليوم ذاته، فرضت قوات وحدات حماية الشعب حظراً للتجوال عند السادسة والنصف صباحاً، بهدف منع مشاركة أنصار النظام القاطنين في مناطق سيطرتها، وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي قلّلت، بحسب مصادر محلية، من أعداد المعتصمين، نظراً إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على المساحات الأوسع من المدينة.

تكرّرَ مشهد الاحتجاج يوم الأحد الفائت، إذ حاول المشاركون التوجه مجدداً إلى نقطة التماس نفسها، القريبة من شارع فلسطين وسط المدنية، إلا أنّ وحدات الحماية أطلقت النار بشكلٍ مباشر، مما أدى إلى مقتل شرطيٍّ تابعٍ لوزارة داخلية النظام وإصابة أربعة مدنيين بجروح. من جانبها، لم تعمد قوات النظام إلى أي شكلٍ من أشكال التصعيد العسكري في مكان الحادثة، واكتفت بإرسال رسائل غير مباشرة لقوات سوريا الديمقراطية عبر تحريك آلياتٍ عسكرية وقوات من الجيش وسلاح الطيران بطريقةٍ توحي بأنها مستعدة للتدخل.

رغم الحديث عن ذلك، فإنّ التطورات الجارية حالياً لا توحي بأنّ قسد ستُقدِمُ على تنفيذ تهديداتها بطرد قوات النظام من المناطق التي تدير شؤونها في الحسكة والقامشلي، فمن مصلحتها بقاء هذه السيطرة المحدودة والمضبوطة بشكلٍ محكم، لا سيما أنها تتيح استمرار عمل المدارس والجامعات والدوائر الحكومية التي سيؤدي إغلاقها إلى اضطرار السكان المحليين للتوجه إلى محافظاتٍ أخرى من أجل الحصول على مستنداتٍ ضرورية أو لاستكمال التعليم والتقدّم للامتحانات، تماماً كما هي الحال في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية في الشمال الغربي من البلاد.   

وعلى خلفية المشهد في الحسكة، أجبرت قوات النظام في مدينة دير الزور الموظفين الحكوميين والطلاب من مختلف المراحل على الخروج في وقفةٍ احتجاجية للمطالبة بـ«رفع الحصار» عن المناطق التي يسيطر عليها في القامشلي والحسكة.

تتزامن هذه التوترات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام مع وصول إدارة جديدة إلى الحكم في الولايات المتحدة، ومعها يمكن لقسد ولنظام الأسد اختبار السياسات الجديدة لواشنطن حيال شمال شرق سوريا، وخاصة مع تعيين بريت ماكغورك منسقاً أميركياً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو معروف بدعمه لقسد. وقد تكون هذه التوترات، فضلاً عن التحركات العسكرية المباشرة في عين عيسى وتل تمر، مناسبةً لكلٍّ من روسيا وتركيا أيضاً لاختبار النيّات الأميركية في المنطقة.