الأُخوّة القلِقة: النازحون الكُرد السوريون في كردستان العراق

 

تقول الإحصاءات الرسمية في إقليم كُردستان العراق أن قُرابة 300 ألف نازح سوري يعيشون في الإقليم، أغلبيتهم المُطلقة من الكُرد السوريين، يعيش حوالي رُبعهم فحسب في عشرة مُخيمات خاصة، بينما يستقر البقية في مُدن وبلدات الإقليم. يُضاف إليهم حوالي خمسين ألفاً من السوريين الذين يملكون وثائق إقامة نِظامية، موزعين بالتساوي تقريباً بين الكُرد السوريين وأقرانهم الآخرين الناشطين في شبكة الأعمال والاستثمارات.

ما سوف تحاول هذه المقالة فهمه هي مجموعة العلاقات الاجتماعية والنفسية والسُلطوية التي تربط الكُرد السوريين بنظرائهم العراقيين، والتي تكشف بدورها جانباً من طبيعة علاقات المُجتمعات السورية النازحة مع المُجتمعات المُستضيفة في دول الجوار. كذلك فإنها قد تكشف المزيد من أداور وفاعلية، و«حقيقية»، خطابات الأخوّة والتضامن الإثني/القومي بين مُختلف المُجتمعات الكُردية في مُختلف دول المنطقة.

تعتقد المقالة أن شبكة العلاقات بين مجتمع النزوح الكُردي السوري ونظيره المُستضيف العراقي تنطبق عليها جميع أشكال العلاقات التقليدية بين هذين النوعين من المُجتمعات، لكن إضافةً إلى ذلك؛ فإن هناك مجموعة من الخصائص النوعية لهذه العلاقة، المتماهية مع الظروف والمناخات التي جرت وتجري فيها العلاقات بين المُجتمعين الكُردي السوري والآخر الكُردي العراقي.

من النزوح الفردي إلى النزوح المُجتمعي

ينطبق مصطلح «النازحين» على الموجة الأولى من الأكراد السوريين الذين فرّوا إلى الإقليم عقب أحداث القامشلي عام 2004. وقتها عبرت عدة مئات من العائلات السورية الحدود النهرية في أقصى شمال شرق سوريا نحو إقليم كُردستان العراق.

أغلبُ هؤلاء كانت تأخذهم رغبات مُركّبة في إحداث نوعٍ من الاهتمام الإقليمي والدولي بالمسألة الكُردية في سوريا من طرف، خصوصاً وأن الولايات المُتحدة كانت في أوائل عهد احتلالها للعراق، وتتبنى عقيدة توسعية لمشروع المحافظين الجُدد. لكن من طرفٍ آخر، فإن جزءاً غير قليل من هؤلاء كانوا مأخوذين بإمكانية الحصول على لجوء سريع إلى إحدى الدول الأوروبية.

لم يشكّل هؤلاء نموذجاً لأي علاقة واضحة المعالم بين الجماعات النازحة والمُستضيفة، فما لبثت حكومة إقليم كُردستان العراق أن أسكنتهم في مُخيمٍ للاجئين بالقُرب من مدينة دهوك، وصاروا بالتقادم يندرجون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مُختلف مناطق الإقليم.

في السنوات الفاصلة بين أحداث العام 2004 وحتى بِدء الثورة السورية، كان هناك العديد من الكُرد السوريون الذين لجأوا إلى إقليم كُردستان العراق، أغلبهم كانوا من الذين يتعرضون لمُلاحقات أمنية تتعلق بنشاطهم في الأحزاب القومية الكُردية السورية. كان هؤلاء، والكُرد السوريون عموماً، يستحوذون على قدرٍ كبير من التعاطف والمؤازرة من الكُرد العراقيين، بسبب نزعة التضامن القومية الكُردية، ولإحساس هؤلاء الأخيرين بأن «أشقاءهم» الكُرد السوريين يتعرضون للمأساة نفسها التي تعرضوا لها هُم من قبل، على يد نظام سياسي بعثي «عربي» مشابه.

بدأ النزوح الكُردي السوري الكثيف إلى إقليم كُردستان العراق اعتباراً من شتاء عام 2012، أو ما يُمكن تسميته بأول موجة من «النزوح المُجتمعي». تضافرت وقتئذ ثلاثة عوامل أدّت إلى أن ينزح أكثر من رُبع مليون كُردي سوري إلى كُردستان العراق خلال أقل من ستة أشهر:

1- بعد حادث تفجير «خلية الأزمة» في صيف العام 2012، وانتشار العُنف بشكل استثنائي في مدينتي دِمشق وحلب، فإن قُرابة مليون «نازحٍ داخلي» كُردي سوري، من الذين كانوا قد «هُجِّروا» واستقرّوا في هاتين المدينتين بشكلٍ كثيف طوال العقد الذي سبق الثورة نتيجة التهميش وسوء التنمية الاقتصادية والتعليمية والعُمرانية في مناطقهم؛ كانوا قد بدأوا بالعودة الجماعية إلى مناطقهم السورية التي نزحوا منها، بعدما صاروا متيقنين أن العُنف سيجتاح المُدن الكبرى بحجم مُضاعف لما سوف يكون عليه في المناطق ذات الأغلبية الكُردية. لكن، ولأسباب اقتصادية واجتماعية وتعليمية، متعلقة بما اكتسبوه خلال سنوات نزوحهم إلى هذه المُدن، لم يتمكنوا من تأسيس استقرار جديد في المناطق السورية ذات الأغلبية الكُردية. وكان إقليم كُردستان العراق منطقة مناسبة، لوجستياً من حيث سهولة الحدود، واقتصادياً حيث كانت موجة التنمية في ذروتها في الإقليم، لأن يلجأ عددٌ ضخمٌ من هؤلاء إلى الإقليم.

2- كانت الأحداث وقتئذ تُشير إلى موجة عُنفٍ هائلة ستجتاح المناطق الكُردية أيضاً. فالمليشيات الإسلامية كانت قد بدأت بالهجوم بلدة «سري كانييه/رأس العين» شمال شرق سوريا، التي تضم خليطاً سُكانياً كُردياً عربياً، وأساءت بشكلٍ استفزازي لبعض الرموز الكُردية، مما دفع لاندلاع أول حرب أهلية كُردية/عربية، وإن كانت مُصغّرةً ومخبأةً بثوب التنظيمات المُسلحة الكُردية والعربية. بعد أحداث سري كانييه/رأس العين، أصبحت قواعد اجتماعية كُردية واسعة متيقنة بأن الأحداث السورية لا يُمكن لها أن تمرّ دون أن يجتاح العُنف المناطق ذات الأغلبية الكُردية.

3- في ذلك الوقت أيضاً، بات حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي، كقوة سُلطوية مُفرطة ومفروضة على الكُرد السوريين، بات أمراً واقعاً. وصار على المُعترضين بشدة على سياساته أن ينزحوا إلى الطرف الآخر من الحدود.

طوال عقود، لم تكن هناك انطباعات واضحة وتقليدية مُتبادلة بين المُجتمعات الكُردية في مُختلف الدول، لأسباب كثيرة ومُركبة، لأنه لم يكن هناك سهولة في سفر وتنقل الكُرد بين مُختلف المناطق ذات الأغلبية الكُردية في مُختلف الدول، ولأنه لم يوجد إعلام ودراما وسينما ومختلف منتجات الثقافة على المستوى الكُردي، تستطيع أن تخلق وتبعث صوراً اجتماعية وثقافية وحتى سياسية عن مُجتمع كُردي ما، موجَّهةً لمُجتمع كُردي آخر، كما جرى ويجري في المُجتمعات العربية في عديد الدول مثلاً. فوق ذلك، فإنه لم يكن ثمة مؤسسات وكيانات كُردية تستطيع أن تكون تعبيراً عن الذات الجمعية لمُجتمع كُردي ما.

بناءً على ذلك، كانت الصورة النمطية الوحيدة التي تتبادلها المُجتمعات الكُردية عن بعضها بعضاً هي مزيج من الشعور المُشترك بالاضطهاد والمظلومية. لكن فوق ذلك، فإن ما توارثته الأجيال الكُردية عن كُرد العراق كان استثنائياً. فهؤلاء كان يُنظَر إليهم باعتبارهم الكُرد الوحيدين الذين استطاعوا تحقيق الاعتراف بهم من قِبل دولتهم، العراق. وكانت صورة الملا مُصطفى البارزني كـ «زعيم أسطوري» يقود نضالاً مُسلحاً أجبر عبره الدولة العراقية على أن تعترف بالوجود الكُردي، كان جوهر مُخيلة مُختلف المُجتمعات الكُردية عن كُرد العراق.

انفراط حبكة الأخوة

تقول مرويات كثيرٍ من الكُرد السوريين إن الأيام والأسابيع الأولى للهجرة المُجتمعية الكُردية السورية إلى إقليم كُردستان العراق شهدت موجة تعاطف هائلة من قِبل هؤلاء مع نُظرائهم السوريين. فقد اُستقبلت الأُسر السورية في البيوت، وشهدت شوارع مُختلف المُدن عمليات جمعٍ للمواد المنزلية والغذائية لهؤلاء المُهجّرين، وتعاطفت القيادات السياسية والمُجتمعية مع هؤلاء، حيث أُعتبر ذلك جزءاً من «واجب الأخوّة».

كان الكُرد العراقيون مأخوذين بأحداث مُشابهة غير قليلة جرت في تاريخهم الحديث، فمئات الآلاف منهم هُجِّروا إلى المناطق الكُردية في إيران في ربيع عام 1975، عقب انهيار الانتفاضة الكُردية المُسلحة في العراق بعد اتفاقية الجزائر الشهيرة وقتئذٍ، حيث لقي الكُرد العراقيون كُلّ أشكال الاحتضان من نظرائهم الكُرد الإيرانيين. كذلك فإن نزوح الكُرد العراقيين تجاه المناطق الكُردية في تركيا عام 1991 «الهجرة المليونية»، خوفاً من استخدام نِظام صدام حُسين للأسلحة الكيماوية، لاقى شيئاً كثيراً شبيهاً من ذلك الاحتضان. أيضاً فإن العشرات من أفراد البيشمركة الكُردية العراقية طوال عقودٍ من خوضهم للكفاح المُسلح ضد الدولة المركزية العراقية، كانوا يعبرون الحدود إلى المناطق الكُردية في الدول الأخرى، وكانوا يلقون المستوى نفسه من التعاطف والمؤازرة من كُرد تلك الدول.

شكَّلت تلك الأحداث والمُجريات البُنية الأساسية ليعتقد الكُرد السوريون بأنهم سيلقون التعاطف والتضامن التام من نُظرائهم العراقيين، وهو ما لم يجرِ تماماً.

ثلاثة مؤشرات على نمط العلاقة

لم يتعرض الكُرد السوريين لأي موجة «رفضٍ عُنصري» مجتمعي في إقليم كُردستان، مثل تلك الموجات المتنوعة التي تعرض لها السوريون في مُختلف دول الجوار، لكن ذلك لم يعنِ أن العلاقة بين الطرفين كانت على وئام تام.

فـ «احتفال» الكُرد العراقيين بنُظرائهم السوريين لم يَطُل كثيراً، إذ ما لبثت أن ظهرت كافة علامات الأشكال «الطبيعية» التقليدية في مثل هذه الحالات، بين المُجتمع الكُردي السوري النازح، ونظيره الكُردي العراقي المُستضيف، والتي يُمكن رصدها عبر أربعة مؤشرات.

أولاً، ليس ثمة اندماج اجتماعي بين الجماعتين، حتى بالحدّ الأدنى. فالنمط الغالب لشكل العلاقات بين الطرفين هي من النوع الذي يُمكن تسميته بـ «المُتاركة المُتفق عليها». لا يجري ذلك في حيّز العلاقات الاجتماعية فحسب، بل أيضاً في القطاعات الاقتصادية والثقافية والسياسية. فالكُرد السوريون الذين يعيشون في المخيمات لا يكادون يختلطون بنُظرائهم العراقيين، وشُبّاك التفاعل الوحيد هي أجهزة إدارة تلك المخيمات من قِبل الكُرد العراقيين، إنما تشهد كُل أشكال التوتر والشوائب التقليدية بين أجهزة سُلطة حُكم ما، وإن كانت سُلطوية بالحدّ الأدنى، وبين مجموعة من المحكومين، وإن كانوا «إخوة».

أما السوريون الآخرون، الذين يعيشون في مُدن وبلدات الإقليم، فإن مستوى تفاعلهم بنُظرائهم العراقيين هو بالحد الأدنى. مُجتمعياً ثمة فِصام واضح بين الطرفين، إذ يعتبر الكُرد السوريون أنفسهم أكثر «تمدّناً» وليبرالية في الحياة الاجتماعية، أو بقولِ أدق «أقلَّ مُحافظة» من نُظرائهم العراقيين، على كافة المستويات، بالذات فيما خصّ علاقة الأفراد بالعائلة المُمتدة والعشيرة ودور النساء وحضورهن في المتن الاجتماعي. ثقافياً، يعتبر الكُرد السوريين أنفسهم أكثر تآلفاً ورحابة في علاقتهم مع العالم المُحيط، بالذات مع العرب. يرجع ذلك لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالذاكرة الجمعية، التي تُعتبر مرجعاً أولاً في شكل العلاقات الثقافية، هذه الذاكرة التي كانت أكثر دموية بالنسبة لكُرد العراق، لكنها أيضاً تتعلق بحاجز اللُغة، فالكُرد السوريون أكثر إتقاناً للعربية وغيرها من اللغات، ليس قراءة وكتابة فحسب، بل أيضاً ثقافة وتفاعلاً مع العوالم والرموز والشيفرات المعرفية والمُجتمعية لهذه اللغات.

ثمة حلقات من العلاقات الاجتماعية شبه المُغلقة، يتعايش الكُرد السوريون عبرها فيما بينهم، في التواصل والسهرات والتفاعل اليومي، وتشكّل المقاهي ذات الطابع السوري مؤشراً واضحاً على ذلك. يحدث ذلك بالضبط يومياً وتفصيلياً، خلا القضايا الثانوية التي لا يُمكن التخلي عن التفاعل فيها مع نُظرائهم العراقيين، مثل العلاقة مع المؤسسات البيروقراطية.

مثلاً، في نوعية المُجتمعات التي مثل مُجتمعاتنا، تكون النساء من ربّات البيوت عادة الأكثر تفاعلاً واندماجاً في البيئات الاجتماعية المُتآلفة، خصوصاً من الساكنين في نوعية مساكن البناء الواحد الذي يضم عدداً من الشُقق، حيث يتبادلنَ الزيارات شبه اليومية ويُعمّقنَ الاهتمامات البيتية والنسوية المُشتركة، وعلاقتهنَّ تؤشر بالعادة إلى مستوى التآلف بين مُختلف الحلقات أو الفئات المُجتمعية. لكن هذا النوع من العلاقة بين الكُرد السوريين ونُظرائهم العراقيين، أنما هو شبه مقطوع، إذ نادراً ما تجد كُرديةً سوريّةً تُبادل جارتها العراقية الاهتمامات والزيارات والأحاديث اليومية. هناك تجاور فيزيائي فحسب، دون أي تداخل روحي اجتماعي يُذكر بين الطرفين. هناك تجاورٌ وسلام اجتماعي، لكن دون «أخوّة» مُلاحظة.

*****

المؤشر الثاني في نمط علاقة الطرفين يُمكن تسميته بـ «مؤشر علاقة القوة»، فالكُرد العراقيون يستشعرون اكتناز الكثير من القوة الظاهرة والهيمنة المُستبطنة في علاقتهم بالكُرد السوريين. يظهر ذلك في كُل تفصيل من أشكال العلاقات بين الجماعتين، لكن شكله الأكثر جلاءً يظهر في ثلاثة مواضع إشكالية.

ظاهرة القوة الأولى تبدو في تفاصيل علاقات الزواج بين أفرادٍ من الجماعتين. إذ عادة ما يكون الزوج من الكُرد العراقيين وتكون الزوجة من الكُرديات السوريات، ونادراً ما يُمكن مُلاحظة العكس، وهي سمة استقواء واضحة في مُجتمعات تُمجّد الذكورة، كالمُجتمع الكُردي في العراق. كذلك فإننا نجد فروقاً عُمرية كبيرة جداً دوماً بين المُتزوجين، فالأزواج الكُرد العراقيين أكبرُ عُمراً من زوجاتهم الكُرديات السوريات، وفي مرات غير قليلة يكون مستوى التحصيل التعليمي غير متوائمٍ بين الطرفين، وطبعاً تكون الكُرديات السوريات أكثر تحصيلاً عادة. فوق ذلك، فإن الغالب في حالات الزواج هو أن تكون السورية زوجة ثانية للزوج العراقي.

من مجموع تلك الأشكال من سوء التوافق والتساوي بين الطرفين، يُستدَلُّ أن العلاقة ليست زواجاً تماماً، أنما أقرب ما تكون لشكل من الاستملاك الشرعي والقانوني من طرف لطرفٍ آخر. فكثيرٌ من حالات الزواج انتهت بعد شهورٍ من بِدئها، دون أي سبب وجيه، خلا الإحساس المُستبطن من الزوج بالقوة والقُدرة، المادية والمُجتمعية والتشريعية، على التخلي عن الزوجة، وحتى دون أن يمنحها أياً من حقوقها «العادلة» المفترضة في العلاقة الزوجية.

من ذلك يُمكن استنتاج أن العلاقة الزوجية اليومية، طوال فترة استمرارها في مثل هذه «العائلات»، إنما تفتقد لعامل التوازن والمساواة العادية، إذ أن طرفاً يستشعر اهتراءً وضعفَ قوةٍ تجاه الآخر، القوي والمُستملك والذكوري، الذي في مرات غير قليلة يرى في الأمر شكلاً من أشكال «الشراء»، وليس مؤسسة زوجية واضحة وقائمة على أسس روحية عميقة.

النمط الآخر لعلاقة القوة يظهر أثناء المماحكات الاجتماعية، الفردية منها والجمعية، تلك التي لا يُمكن تجنبها. فلو وقع حادث سيرِ مثلاً، كان طرفاه كُردياً سورياً وآخر كُردياً عراقياً، وأياً كان المُتسبب، فإن الكُردي العراقي عادة ما يُظهر سطوة وانفعالاً مُفتعلاً، يكتنزُ عبرة شعوراً بالهيمنة على الموقف، واستضعافاً لنظيره الكُردي السوري. يحدث ذلك بالوتيرة نفسها في مماحكات الجيران ورفقة العمل ومجمل الأحداث اليومية.

إلى جانب استقواء الكُردي العراقي ببيئته الاجتماعية المُساندة له، فإنه يستقوي بسُلطة القانون. فالكُرد السوريون نادراً ما تكون أوضاعهم «شرعية تماماً»، من بطاقة الإقامة إلى سندات ملكية السيارات والأعمال التجارية، مروراً بحقوقهم في الادعاء والتقاضي العادل، وليس انتهاء بموقعهم ومكانتهم وعلاقاتهم لدى الأجهزة الأمنية والشُرطية ودوائر الحُكم التنفيذية والبلدية.

الشكل الأخير من علاقة القوة يظهر في حقوق العُمال، فعشرات الآلاف من العُمال الكُرد السوريين لا يحظون بأي حماية قانونية أو ضمان اجتماعيّ، ويعملون ضمن بيئات عملٍ غير آمنة نفسياً وطبياً وفيزيائياً، لا تراعي شروط العُمر وساعات العمل والحقوق الطبيعية في الاستراحة والإجازات، وطبعاً بأجور زهيدة مقارنة بما يناله نظراؤهم العراقيون، وحتى بمقارنتهم بالعمالة الآسيوية. لا تخلو أجواء أعمالهم من تسلط أصحاب العمل، واستعمالهم لكثيرٍ من أشكال «السادية» اللفظية والنفسية.

تتعاضد الظروف القانونية والاقتصادية لتشييد هذا النمط من العلاقة، فالأكراد السوريون لا يُمكنهم العمل في القِطاع العام، كما أن مؤسسات القطاع الخاص الكُبرى تُفضّل العُمال الآسيويين في الأعمال الرخيصة، ويفضلون عمالة الأتراك واللُبنانيين والأُردنيين في الأعمال التي تحتاج إلى كفاءات عالية، كالبنوك والفنادق والشركات التجارية. بدورهم، فإن أرباب الأعمال الصغيرة، كأعمال السُخرة والبناء والمطاعم، لا يقبلون منح العُمال السوريين عقود عملٍ نظامية تقرّ لهم بحقوق اجتماعية ومهنية واضحة و«عادلة». إذ يُمكن لأي رب عملٍ كُردي عراقي أن يقوم بإيقاف العامل الكُردي السوري عن العمل دون أي سبب وجيه، وحتى دون أي تعويضٍ مادي أو أدبي. في مُجمل هذه الدائرة، يساعد القانون العام أرباب العمل على فعل ذلك، فاللاجئون السوريون لا يملكون أي حقوق واضحة بالعمل، ولا يحصلون على أي مُساعدات اجتماعية وضمانات صحية يمكن أن تحمي حيواتهم.

مثل علاقات الزواج والمماحكات والعمل، يظهر فائض القوة في كُلّ أشكال العلاقة بين الكُرد السوريين ونُظرائهم العراقيين، وطبعاً لصالح الأخيرين دوماً.

*****

الشكل الثالث لعلاقة الكُرد السوريين بنُظرائهم العراقيين يتعلق بـ «مؤشر الاستقرار». فبالرُغم من فيض الخطابات القومية الطافحة، إلا أن الكُرد السوريين نادراً ما يستشعرون بأن إقليم كُردستان العراق هو «وطنهم»، أو بقول أكثر دقة: نادراً ما يستشعرون أن إقليم كُردستان العراق هو «وطنهم التام».

بالرغم من الصبغة القومية الكُردية التامة للإقليم، الثقافية والسياسية على حدٍّ سواء، وبالرُغم من فداحة ما كانوا يتعرضون له في سوريا، إلا أن الكُرد السوريين كانوا ولا يزالون يمنحون الكيان والمُجتمع السوري أشكالاً من الثقة والاعتبار كمكان جُغرافي وعالم نفسي للاستقرار، أكثر بكثير مما يمنحونه لإقليم كُردستان. يعود ذلك لأسباب كثيرة ومُركبة للغاية، لكن جانباً واضحاً منها شُيِّدَ وتراكم من خلال سنوات تجربة نزوح قُرابة خُمس المُجتمع الكُردي السوري إلى إقليم كُردستان. ما كان يُعتبر «وطناً» في وجدان الكُرد السوريين، غدا «مكان نزوح» لا أكثر.

هناك الكثير من الدلالات على سوء أحوال «مؤشر الاستقرار» بالنسبة للكُرد السوريين، إذ يرغب القسم الغالب منهم بالهجرة نحو أوروبا، أما الميسورون من الكُرد السوريين فإنهم نادراً ما يوسّعون أعمالهم ويسعون لشراء العقارات والممتلكات الثابتة، بل يفضّلون على الدوام استئجار كُلّ شيء إذا أمكن.

على أن السلوك الأوضح والأكثر دلالة على ذلك يكمن في خيارات الأهل لأنماط التعليم التي يفضّلون إرسال أبنائهم إليها، فالميسورون يرسلون أولادهم إلى المدراس العالمية عالية الكلفة، المنتشرة في الإقليم بشكلٍ واسع، أما الفقراء ومتوسطو الدخل فإنهم يفضلون المدارس التي تتَّبِعُ منهاجاً سورياً وباللغة العربية أساساً. نادراً ما يجد المرء عائلة كُردية سورية تُرسل أبناءها للمدارس الحكومية الكُردية العراقية، إلا في حالات الضرورة القصوى.

*****

بالمحصلة، لم يتعرض الكُرد السوريون في إقليم كُردستان العراق لما تعرّض له نُظرائهم من العرب السوريين، خصوصاً في «الدول الشقيقة»، رُبما لأن الإقليم ما يزال في أحوال اقتصادية ميسورة، لا يُزاحِمُ فيها الكُردي السوري نظيره الكُردي العراقي في مختلف مجالات العمل، وربما لأسباب تتعلق بعدم تحول المسألة السورية إلى صراع سياسي داخلي ضمن الإقليم، مثلما يحدث في تُركيا ولُبنان، والأردن إلى حدّ ما، حيث يدفع اللاجئون السوريون أثمان الانقسامات الداخلية في تلك الدول حول المسألة السورية، ورُبما أيضاً بسبب بقاء أطياف من المشاعر القومية الكُردية التي لا تزال تخلق مساحات وأشكالاً من التضامن بين مُختلف المجموعات الكردية.

لا يعني ذلك أن الكُرد السوريين قد صاروا محميين من أشكال الهيمنة والتنمّر والشعور بالهوان تجاه نُظرائهم الآخرين، فضبابية القوانين والتشريعات التي تحدد الحقوق والمكانة القانونية لهذه الكُتلة السُكانية، وغياب الآليات الواضحة للمساءلة والمُعاقبة في حال تمّ التجاوز المادي والنفسي عليهم، تجعلهم عرضة على الدوام لكُلّ تلك الأشكال من «الاضطهاد» الرمزي والنفسي والاجتماعي، وحتى المادي.

لكنه أيضاً لا يخفي استبطان الأغلبية الأوسع من القواعد الاجتماعية الكُردية السورية لمشاعر دفينة تعتقد بالتفوق الاجتماعي والتعليمي والثقافي والسلوكي للكُرد السوريين مقارنة بنُظرائهم العراقيين، تلك «الخصائص» المتأتية من حالة مُجتمع بقي طوال القرن العشرين مُستقراً مكانياً وفي سلامٍ اجتماعي مع جواره، وفوق ذلك كانت مسائل التعليم والتمدن ومراكمة الرأسمال الاجتماعي من أهم ديناميكيات الصعود في السلم الاجتماعي، بينما كان الكُرد العراقيون طوال القرن العشرين على العكس من ذلك تماماً، يعيشون أوضاعاً سياسية/حربية غير مُستقرة تماماً، لم تفرز ديناميكية اجتماعية ذات مضمون، خلا «الذكورة» بكُل استطالاتها، وبكُل مفرزاتها وتأثيراتها وأدوارها في نكوص المُجتمعات.

على حبل هاتين الديناميكيتين/العالمين، تسيرُ العلاقة القلقة بين مُجتمعي الكُرد السوريين ونُظرائهم الكُرد العراقيين.