الإغراق بالشكوك: الكيماوي وإدلب والدعاية الروسيّة

 

يعيش سكان إدلب ومحيطها على وقع ضجيج يثيره العالم حولهم منذ أكثر من شهر، ضجيج الآليات والحشود العسكرية، وضجيج التصريحات الإعلامية والتحركات الدبلوماسية والاجتماعيات الإقليمية والدولية. وفي قلب هذا الضجيج حضرت مسألة السلاح الكيماوي على نحو يثير مشاعر الغضب أو السخرية أو العجب، أو كلها معاً.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تعلن فيها روسيا أن جماعات مرتبطة بدول خارجية، من بينها طبعاً عدو روسيا الأول في سوريا، الخوذ البيضاء، تعمل على فبركة هجمات كيماوية بهدف اتهام النظام بالمسؤولية والتمهيد لضربه، لكن المختلف هذه المرة كان تكرار الأمر عدة مرات، وعلى نحو كان يوحي في كل مرة بأن وقتاً قصيراً يفصلنا عن الإعلان عن هجوم كيماوي، أو «استفزاز كيماوي» وفق المصطلح الذي باتت تستخدمه الدوائر الروسية.

شاركت في هذا الاستعراض الإعلامي جهات عديدة، من بينها الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، ومركز المصالحة الروسي في حميميم، ووكالة سبوتنيك الروسية للأنباء، وطبعاً قناة الميادين، وآخرون. وكانت بعض تلك التصريحات تفصيلية جداً، إلى درجة الحديث عن خط سير مستوعبات الكلور عبر أرياف إدلب وحماة، وعن أسماء قرى وبلدات عديدة يتم تخزين المواد الكيميائية فيها، أو ستكون مسرحاً للهجوم المفبرك، من بينها جسر الشغور وكفرنبودة وسراقب وتفتناز وسرمين وبسنقول. كذلك تمّ الحديث عن أطراف خارجية متورطة بعينها، مثل اتهام المخابرات البريطانية وأخصائيين من شركة بريطانية عسكرية خاصة بالإشراف على فبركة الهجوم، وذلك حسب أحد بيانات وزارة الدفاع الروسية.

تضمّنَ الضجيج الكيماوي الروسي كلاماً عن استعدادات غربية، أميركية على وجه الخصوص، لضرب مواقع للنظام السوري بعد الإعلان عن الهجوم الكيماوي وبذريعته، وكلاماً عن تحريك أساطيل وحاملات صواريخ وطائرات في البحر المتوسط والخليج. كل ذلك في وقت كانت القوى الغربية، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى ألمانيا أيضاً، تحذّرُ من مغبة استخدام السلاح الكيماوي في معركة إدلب، مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال أمر كهذا، وأن ردها هذه المرة سيكون أوسع نطاقاً من كل الردود السابقة.

في مرتين على الأقلّ، تم تناول الخبر بصيغة تقول إن الهجوم المفبرك، أو إن فبركة الهجوم، ستتم «هذا المساء»، على نحو جعل كثيرين يتوقعون مذبحة كيماوية وشيكة، لكن هذا لم يحصل، وفي اليوم التالي كانت وسائل الإعلام والدبلوماسيون والناطقون الإعلاميون يتابعون الحديث عن إدلب والهجمات المحتملة فيها وكأننا في حفلة تفاهة مفتوحة، يتناول المحتفلون فيها أحداثاً مرعبة على وشك الوقوع، بالخفّة نفسها التي يتم فيها تداول أخبار النجوم والفنانين والمنافسات الرياضية.

على نحو يُذكّرُ بلحظة موت سانتياغو نصّار في قصة موت معلن لغابرييل غارسيا ماركيز، يبدو أن روسيا تسعى إلى أن تكون لحظة بدء معركة إدلب، بكل فظائعها وعنفها المتوقعين، لحظة باردة لا تحمل جديداً. ذلك أن كثافة الأخبار وتضاربها وتكرارها عن بدء المعركة واقتراب الهجوم الكيماوي الذي ينتظر العالم وقوعه كما لو أنه قدرٌ إلهيٌ لا مجال لردّه، ستجعل ردّ فعل العالم متواضعاً، بعد أن أصبح تناول اسم إدلب مكرراً على نطاق واسع وفي كلّ وسائل الإعلام العالمية. ولا تهتم روسيا هنا بأن تتبنى دول العالم ووسائل الإعلام روايتها أو رواية حلفائها، فهذا ليس مهماً على الإطلاق، بل المهم ألّا تكون هناك راوية قابلة للتصديق على نحو حاسم، وأن يختلط الحديث عن الإرهاب بالحديث عن السلاح الكيماوي بالحديث عن الضربات الغربية المحتملة، على نحو يصعب معه تبيّنُ الحقيقة أو اتخاذ المواقف.

وخلف هذا الضجيج كلّه، ستكون حياة مئات آلاف المدنيين وآمالهم وخياراتهم في إدلب ومحيطها غير منظورة، إذ ليس مهماً أن يكون هؤلاء مع النظام أو ضده، أو أن تكون حياتهم معرضة للخطر أم لا، لكن المهم أن يتم إيجاد طريقة تمنعهم من التدفق كلاجئين إلى تركيا ثم أوروبا، وأن يتم إيجاد طريقة تجعل موتهم في حال وقوعه أقل إثارة للضجيج، أو مختلطاً بالضجيج الكبير الذي بدأ منذ شهر، بحيث يكون معدوم أو ضعيف الأثر.

لم يستسلم أولئك الذين تتم مواجهتهم بإرهاب من نوع جديد، إرهاب الهجمات الكيميائية المعلن عنها قبل وقوعها، لفكرة تحويلهم إلى أصفار غير منظورة في المعادلة، بل خرجوا بعشرات الآلاف معلنين بوضوح السبب الرئيسي الذي قادهم إلى المواجهة التي يخوضونها، رفضهم لنظام الأسد ومطالبتهم بإسقاطه. كانت المظاهرات التي شهدتها مدن وبلدات وقرى في محافظات إدلب وحماة وحلب رسالة تذكير بأن هناك بشراً من لحم ودم يعيشون في المنطقة، وأن لقسم منهم مطلباً ورأياً دفعوا ويدفعون ثمنه.

لا يمكن التنبؤ اليوم بموعد وشكل ومصير المواجهة في إدلب، ولا حتى التنبؤ بمسألة ما إذا كنّا سنشهد معركة كبيرة وحاسمة أم معارك متفرقة ومحدودة، لكن ما يبدو واضحاً أن هناك تجارب يتم القيام بها على المستوى الإعلامي والدبلوماسي، من بينها تسخيف القضايا المتعلقة بالجرائم الكبرى وابتذالها إعلامياً، بحيث يُحيلُ تداولُ خبر عن مذبحة كيماوية إلى أعمال تصوير سينمائي محتملة، ومؤامرات خفيّة، وسيناريوهات غامضة، بدل أن يحيل إلى بشر يختنقون، وحيوات يتم إزهاقها.