الإنسان والطبيعة في الوثائقي البيئي

 


لا يحتاج المرء إلى عمليات حسابية معقدة لتقدير المبالغ الطائلة التي أُنفقت على أفلام وثائقية عن الحياة البرية على كوكب الأرض، تقوم على إنتاجها قنوات فضائية مثل ديسكفري وناشيونال جيوغرافيك، التي تخصصت بعرض الأفلام الوثائقية عن البيئة والعلوم والثقافة خلال العقود الأخيرة الماضية، ذلك عدا عن الكم الهائل من الأفلام الوثائقية عن الاحتباس الحراري والتصحر وعمليات إعادة التدوير، وكل ما يندرج تحت المسمى العريض للأفلام الوثائقية البيئية في مختلف المواقع الإلكترونية.

 وبالرغم من وفرة المواد الوثائقية الشارحة عن الحياة البرية والمائية، أو تلك التي تحمل محتوىً تحذيرياً من  التدهور البيئي، إلا أن ذلك لم يغير شيئاً مع الوقت، ولم يترك إلا آثاراً هزيلة على الوعي البيئي أو التحركات الجدية فيما يخص القضايا البيئية. والأسوأ من ذلك هو ازدياد تدهور الظروف البيئة، حيث صار العالم يواجه كوارث هنا وهناك كلّ عام، بدأت هذا العام مع حرائق غابات أستراليا، ليأتي بعدها فيروس كورونا المستجد ويعيد ترتيب الحياة البشرية والاقتصادية على هذا الكوكب.

لكن لماذا لم تستطع هذه الأفلام البيئية، على الرغم من جماليتها وضخامة وكثافة إنتاج كثير منها، أن تدفع إلى اتخاذ إجراءات أو خطوات جدية نحو حماية الكوكب؟ ولماذا لم تلقَ صدىً يلبي نداء المنظومات الحيوية المنهارة؟ لا يوجد جواب وحيد وصحيح حول هذه الأسئلة، لكن غالب الظن أن أحد الجوانب التي تستحق التوقف عندها هي طريقة مخاطبة المُشاهد بصرياً وفكرياً في هذه الأفلام. لقد اعتاد غالبية المشاهدين على نبرة التأنيب والتقريع في المواد العلمية البيئية، كما اعتادوا على سماع الدروس ذاتها في غالبية الأفلام الوثائقية البيئة، أما من ناحية أفلام الحياة البرية، فهي كانت إلى زمن طويل أفلاماً تعريفية ومثيرة عن حياة حيوانات محددة في الغابات والمحيطات، وعن مهارات الصيد والتزاوج والهجرة في مجموعاتها.

في قائمة الأفلام الوثائقية التي شاركها مجاناً موقع مهرجان أمستردام للفيلم الوثائقي IDFA، والتي تزيد عن 300 فيلم وثائقي من أنحاء العالم، نجد موضوعات مختلفة من الفن والاقتصاد والتاريخ، لكن ما استوقفني فعلاً هو الأفلام البيئية، أو الأفلام التي تندرج تحت مواضيع أخرى، لكن العلاقة مع البيئة والطبيعة شكلت جانباً أساسياً لفهم حياة أبطال هذه الأفلام وقراراتهم.

وهذه إحدى النقاط التي ميزت هذه الأفلام، إذ أنها تتناول القضايا البيئية من خلال وجود عنصر بشري، ولا تتأمل الحياة البرية الحيوانية بوصفها وحدة منفصلة عن الإنسان، كما أنها لا تراقب الحياة الخاصة بها بحثاً عن الإثارة والتشويق، والأهم أنها لا تعزل مسألة الكوارث البيئية عن أسبابها الاقتصادية الناتجة عن سلوك النظام العالمي الذي يحكمنا.

الديك في الشقة 

على هذه القائمة نجد مجموعة من الأفلام التي تلعب دور البطولة فيها حيوانات، تفرض حضورها وإيقاعها الخاص على الحياة اليومية لأصحابها، لكن هذه الأفلام ليست تأملاً في الذكاء الاجتماعي للحيوانات وقدرتها على التعلم مثلاً، بل إنها تعبير عن حاجات أصحابها الدفينة، عن وحدتهم وعن رِقتهم.

في فيلم تانغروس (Tungrus)  للمخرج الهندي ريشي شاندان (Rishi Chandna) ، يقرر الأب في عائلة هندية من الطبقة المتوسطة أن يُحضِرَ معه ذات يوم ديكاً إلى شقته الصغيرة التي يعيش فيها مع أولاده الثلاث وزوجته. يصوّر الفيلم حياة العائلة مع الديك، التي تناقض أي صورة تقليدية في أذهاننا عن تربية الحيوانات المنزلية، والتي عادة ما تتصف بالظرافة واللطف والحب المتبادل من الطرفين . يقلب هذا الديك حياة العائلة رأساً على عقب، في مشاهد كوميدية سببها التنافر بين سلوكيات الديك غير المهذبة وغير اللائقة وسلوكيات العائلة المتحضرة. وحده الأب يتعلق بهذا الديك ويحب وجوده، لأنه يستعيد معه طفولته في الريف، لكنه يضطر لمواجهة انزعاج الأبناء للديك وضغوطات العائلة التي تشجع الأب على إرساله ليتم إعداد للطبخ؛ ليصبح الأب أمام الخيار: هل أقبل أن يصبح هذا الديك على مائدتي بدلاً من بيتي؟

TUNGRUS trailer | BFI London Film Festival 2018

في مزاج مختلف تماماً، ومشاهد بالغة الرقة والحميمية في فيلم كوكلي (Cucli) للمخرج الإسباني خافير مارديس (Xavier Marrades)، يروي الفيلم قصة الصداقة بين رجل وحمامة مصابة قرَّرَ علاجها ومداوتها، لتصبح هذه الحمامة بعد شفائها رفيقته الوحيدة والدائمة في وحدته بعد فقدانه زوجته وتمضية وقته مع والديه العجوزين. لا يمكن في الفيلم إلا أن نشعر بوحدة شخصيات الفيلم وحاجتهم للاهتمام بأحدهم، والاتكاء على حيوان أو طير يُسلّيهم عن أيامهم الكئيبة. يركز هذا الفيلمان على العلاقة البشرية مع الحيوان، والمحددات الاجتماعية والسكنية التي تنعكس على علاقتنا بالحياة البرية، والارتباك أو التوازن الذي يمكن أن يثيره التداخل بين الحياة البرية والحياة المدينية.

البحر يتسع للجميع 

لا تتواجد البيئة في هذه الأفلام مُمَثَّلة بالحيوانات فحسب، بل أيضاً بالبحار التي تتسع للجميع، وتحتضن أرواح المتعبين من حياتهم والهاربين من بلادهم. فيلم حارس البوابة (The Gatekeeper) للمخرج الياباني يونغ تشان (Yung Chang)، هو فيلم عن رجل قرَّرَ بمبادرة شخصية منه أن يُعيّنَ نفسه حارساً على أشهر نقطة انتحار مطلة على البحر في اليابان، وهي منحدرات توجينبو Tojinbo، حيث وصلت أرقام المنتحرين في اليايان خلال العام 2015 إلى 24025 شخصاً، أي بمعدل 70 شخص يومياً. قرَّرَ الرجل تكريس وقته من أجل تتبع هؤلاء الذين يقتربون من زوايا المنحدر الشاهقة، والذين تبدو عليهم علامات الحزن؛ يتابعهم وينادي عليهم ويخوض معهم محادثة من الممكن أن تغير مصير حياتهم. 

إلى الجانب الآخر من العالم، وتحديداً إلى البحر بين الشواطئ التركية وشواطئ جزيرة ليسبوس اليونانية، يأخذنا فيلم 4.1 ميل (4.1 Miles) للمخرجة اليونانية دافني ماتزياراكي (Daphne Matziaraki) إلى مشاهد سبق ورأينا ما يشبهها خلال عام 2015. يصور الفيلم  محاولات خفر السواحل اليوناني لإنقاذ اللاجئين من الغرق في اللحظات الأخيرة، التي تسبق موتهم نتيجة اقتراب غرق قواربهم.

ولا تحضر موضوعتا الانتحار واللجوء في الفيلمين بصفتهما موضوعات سياسية وإنسانية فقط، بل من الجيد التفكير بعلاقتها مع المنظومة الحيوية ككل، التي من الضروري أن تضمن شروطاً معيشية أفضل لهؤلاء المنتحرين أو للاجئين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبدو ضرورياً التفكير في علاقة الفرد بالمكان والطبيعة التي يلجأ إليها الأفراد، ليس بهدف التأمل والاسترخاء هذه المرة، بل من أجل أن تحتضنه وتحتضن أوجاعه. البحار في هذين الفيلمين، وبعيداً عن الصورة الرومانسية للطبيعة، هي مكان لتشارك الحاجات البشرية وللعبور نحو مكان أفضل. 

 

4.1 Miles Trailer

المعايير المعيشية المزدوجة 

من كيب تاون التي تعاني من الجفاف وقلة المياه الصالحة للشرب، وهي في الوقت ذاته واحدة من أشهر الوجهات السياحية في جنوب أفريقيا، يأتي فيلم مشاهد من مدينة جافّة ( scenes from a Dry city)، من إخراج فرانسوا فيرستير François Verster، ليعرض جانباً من معاناة المدينة مع شحّ المياه. لا يقدم الفيلم معلومات مباشرة بخصوص هذه المسألة، ولا بأسلوب توعوي خطابي كما هو الحال في كثير من الأفلام الوثائقية، بل على العكس من ذلك، تنتقل الكاميرا في المدينة لترصد مشاهد من الحياة اليومية للسكان المحليين في ظل نقص مياه الشرب والاستخدام، بينما يتمتع السّياح والأغنياء على الطرف الآخر بالفنادق الفاخرة، حيث المسابح والحمامات والمطاعم وملاعب الغولف.

لم يتطرق الفيلم لهذا التجاور والتناقض بشكل مباشر إلا في مقاطع قصيرة من الفيلم، تعكس اختلاف المعايير المعيشية بين سكان المدينة الفقراء والسياح الأغنياء. حيث من المتوقع من الفقراء، الذين لا حول لهم ولا قوة، الالتزام بالتقنين واحترام القانون والصلاة من أجل المطر، أما  لدى السياح فإننا نجد معايير مختلفة للمحافظة على الرفاهية وتأمين المياه النظيفة للشرب، لنفهم أن شحّ المياه يتجاوز سلوكيات البشر الاستهلاكية، وأن أغلب الكوارث البيئية هي مفرزات لإدارة الموارد الفاشلة اقتصادياً، وملاحقة سلوكيات الأفراد التي لا تشكل إلّا نسبة ضيئلة من محاولات إنقاذ المدينة من الجفاف، وغضّ البصر عن سلوكيات الحكومات الممنهجة للحفاظ على استقرار حياة الأغنياء هانئة وهادئة.