الانتحاري التائب

 

التقيتُ به لأول مرة قبل أربعة عشر عاماً. لم يكن وقتها انتحارياً، ولا حتى تائباً. هو شاب من إحدى قرى ريف حلب الشرقي، لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره حينها، أصغر إخوته وأقربهم إلى أبناء أخيه. أسمر بوجنتين حرقتهما الشمس، شعره الأسود الكثيف مسرّح للخلف دون استخدام أي مثبت، ما يجعله يقف بشكل عامودي على رأسه، الذي تبرز منه جبهة عريضة تدلّ على عناده الشهير. اعتاد أن يكون الأول في كل شيء. الأول لحظة المشكلة، والأول عند الصلح. أول من يقدّم المساعدة، وأول من يدفع المال عند الدفع، وأول من يرفض قبوله. رميةُ «كسريته» لا تُثنّى في الصيد، وسيجارته لا تنطفئ بين إصبعيه على الدوام، ومهارته في لعب الطرنيب والتريكس تضاهي مهارته في قيادة الدراجة النارية.

كان خالد بشكله وصفاته وكل ما فيه، تجسيداً لشخصية «عكيد الضيعة». وخالد هو عمّ صديقي عمر، إسمان مستعاران اخترتهما عشوائياً لأحافظ قدر الإمكان على خصوصية صاحبيهما. لم أكن قد التقيتُ بخالد منذ زمن طويل، بالتأكيد منذ ما قبل اندلاع الثورة السورية، لكنني عرفتُ أنه انضم إلى الثوار، رفقة إخوته وأصدقائه، مشكلين أقوى جهة مسيطرة على تلك المنطقة. بالتأكيد لم أستغرب ذلك، بل كان وجود أشخاص مثل خالد باعثاً على الشعور بالقوة والاطمئنان.

في وقت لاحق، بدأ نجم تنظيم الدولة الإسلامية بالصعود بشكل سريع، وسيطر في عام 2014 على ريف حلب الشرقي بشكل كامل. هرب صديقي عمر خشية على نفسه من إجرامهم، إذ كان معروفاً بمعارضته لهم، أما خالد فقد قرر الاعتزال، بعد أن خيرهم التنظيم بين القتال تحت لوائه، أو ترك القتال. كان ذلك القرار دافعاً له ولثلاثة من إخوته للعودة للحياة المدنية وعدم مغادرة قريتهم، بينما فضّل اثنان من إخوته مواصلة العمل الثوري المسلح في مناطق أخرى. 

بعد ذلك بعام شاءت الصدف السيئة والجيدة أن يلتقي درب نزوحي بدرب نزوح عمر، لنعيش سوياً في مدينة إعزاز شمال حلب. كانت المنطقة في ذلك الوقت تتعرض لهجوم متزامن من ثلاثة أطراف. تنظيم الدولة يتقدم بقوة من الشرق، وقوات حماية الشعب الكردية بدأت بالتحرش بالمنطقة بعد شعورها بفائض من القوة الذي قدمه لها التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة، وبشكل مشابه راحت أنظار نظام الأسد تتجه إلى تلك المنطقة البعيدة شمالاً، التي لم يكن يفكر بها قبل التدخل الروسي لصالحه في الحرب السورية. 

الوضع كان داعياً للاستنفار والتوتر المستمر، ولتنظيم جدول لمتابعة المعارك حول المدينة، كي لا يفوتنا جديد الأخبار على كل الجبهات. لكن بالنسبة لعمر كان الوضع أكثر تعقيداً، فبعد أن كان قرارهم هو الابتعاد عن التنظيم، فوجئت بكلامه عن أن أعمامه الذين ظلّوا في قريته وأبناءهم قد انضموا لتنظيم الدولة، وأن بعضهم يرسل له رسائل التهديد بالقتل والذبح بشكل يومي. كانت الرسائل تطال كذلك إخوة عمر وعمّه ووالده، الذين انتقلوا للعيش في مناطق سيطرة الجيش الحر.

كيف للمرء أن يشرح مرارة ذلك؟ أحبابك الذين تركتهم قبل سنة يريدون قتلك الآن. من غسلَ دماغهم؟ ماذا عساه يرد على رسائلهم؟ يقول عمر: «أبناء أعمامي مراهقون، بعضم كان ما زال يبلل ثيابه وهو نائم عندما غادرت، واليوم يبعثون لي بأنهم سيأتوننا فاتحين».

سألته عن عمه خالد، فأجاب بأنه لا يظن أنه انتسب للتنظيم، لكن ابنه قد فعل، ولا يبدو أن خالد يستطيع الوقوف في وجه هذا الجنون. لكن كيف حصل هذا؟ وما الذي دفعهم إلى ذلك؟ أعرف أنهم قد ألقوا السلاح ورفضوا في البداية القتال مع التنظيم. لم تكن تصلنا أخبار كافية تساعدنا على تحديد سبب معين. يحلل عمر المعلومات التي لديه، ويعطيني فرضيات مختلفة كل يوم، ولا يعرف أياً منها كان السبب الحقيقي. كان أحد أعمامه قد زوَّجَ ابنته لعنصر من عناصر التنظيم، ويظن عمر أن هذا الصهر قد يكون حصان طروادة الذي جذب المراهقين بداية، والأكبر سنّاً في وقت لاحق. كان المراهقون دائماً أكثر المتحمسين لحمل السلاح مع كل أطراف النزاع السوري، وهي الفرصة التي لم تفوتها أي من هذه الأطراف.

كان عمر يعرف أن موقف أقربائه كثوار سابقين يبدو ضعيفاً أمام حملات الانتقام العائلية والعشائرية التي يقوم بها منتسبون للتنظيم، ولذلك بات يُرجِّح أنهم وجدوا في هذه الخطوة حماية لهم من تلك الحملات، ومن خطر محتمل أكبر، وهو تغير سياسة مسؤولي التنظيم مع الثوار القدامى غير المبايعين لهم.

كنّا قريبين جغرافياً منهم، ونتابع إصداراتهم ووسائل الإعلام الخاصة بهم، ونعرف أساليبهم باستقطاب المبايعين، وخصوصاً المراهقين، من التهديد المستمر للقاطنين في مناطق التنظيم، إلى الأحلام الكبيرة التي يعدون من خلالها باستعادة قوة الدول الإسلامية في الماضي، عبر تقديم إسقاطات تاريخية على واقع حالي، وهو ما يلقى رواجاً لدى عدد كبير من المسلمين. كذلك كان قتالهم لنظام الأسد دافعاً هاماً من دوافع الانضمام لهم، ومعه العامل الاقتصادي الذي لعب على وتره التنظيم، مستفيداً من استثماره لموارد النفط الهائلة، والضرائب التي كان يجمعها من مئات آلاف الناس في سوريا والعراق. 

في الحقيقة، هناك كثيرٌ من الفرضيات التي يمكن طرحها، ولا يمكن الجزم تماماً بأي منها في هذه الفوضى. لكن القصة لم تنته هنا، فتباعاً بدأت تأتي الأخبار لعمر: «إبن عمي انقتل بعين العرب... إبن عمتي مات بالموصل... إبن عمي الثاني مات بمطار كويريس»، لم يكن لدى عمر كثيرٌ من الكلام ليقوله، بل كان يشعل سيجارته وينفخ من داخل قلبه وعقله. الخبر الأعظم كان مقتل أحمد، عمّ عمر الأكبر، بضربة لطيران التحالف. كان أحمد أحد أهم قادة التنظيم في الهجوم على منطقة إعزاز. كيف تحوّل ذلك الرجل الوديع دائم الابتسامة إلى قائد لمجموعة من الوحوش؟ لم أجد في اللغة العربية كلمات تستحق أن تقال لعمر ذلك الوقت، فهل هناك أصعب من أن يموت عزيز عليك في الضفة المقابلة، وهو يقود جيشاً لقتلك؟ لم يحتمل والد عمر خبر موت شقيقه ورفيق عمره بهذه الطريقة، وبدا غاضباً وهو يقول عبارات «لجهنم، الله لا يرحموا».

في اليوم التالي قام الثوار برمي عدد من جثث مقاتلي التنظيم، في ردة فعل مبتذلة على ممارساتهم، أمام «دوار الدواعش». لم يكن هذا الاسم متداولاً للتعريف بدوار الميتم في إعزاز، بل كنتُ أنا أطلق عليه هذا الاسم، بسبب جثث الدواعش التي كانت ترمى حوله بشكل متكرر. طلب مني عمر أن أفتش على جثة عمه بينها، فلا يبدو أن أعصابه كانت تحتمل هذه المهمة، وفضّل أن يحتضن ابنته الصغيرة التي كان يحملها على يده، بينما وقف يراقب من مكان بعيد.

كانت الوجوه لشباب صغار، لم يتجاوز أحدهم العشرين. بعض الجثث كانت مشوهة، وبعضها مقطّعة. أكثر الجثث كانت بعيون مفتوحة، لا أدري ما الذي يجعل العيون تنفتح أو تنغلق بعد الموت. فكرت بأن العيون يجب أن تكون مغلقة كلها أو مفتوحة كلها، ليكون الأمر منطقياً أكثر. هل كان من المنطق أصلاً أن أبحث عن منطقٍ بين تلك الجثث. كان بإمكاني أن أفكر بآبائهم وأمهاتهم وأخوتهم وأخواتهم وأبنائهم، ربما فكرت بذلك حينها إلا أني لا أذكر الآن. يخطر على بالي سؤال وأنا أكتب هذه السطور، ماذا كنا سوف نفعل لو أننا وجدنا جثة الحاج أحمد فعلاً بينهم؟

في الأيام اللاحقة كان عمر يحمل مزيداً من الأخبار القادمة من الشرق، لم يكن يقول لي عن مصدرها، ربما خوفاً على شخص ما هناك، وأنا من جهتي لم أكن أسأل عن ذلك. الأخبار كانت تقول إن أحد أبناء خالد قتل في عمل انغماسي في قاعدة عين الأسد العسكرية في العراق، وأن خالد نفسه قد بايع التنظيم، وهو بانتظار دوره لتنفيذ عملية انتحارية. يضحك عمر؛ «هل بدأ يفقد عقله؟»، أتساءل في نفسي وأنا أراه على هذه الحال، ما الذي يجب أن أقوله في هذه المناسبة؟ أحاول أن أتخيل خالد وهو يركب سيارة مفخخة ويردد بعضاً من تلك الكلمات الرنانة التي نسمعها في إصدارات التنظيم. لم أستوعب أبداً كيف يقتل الإنسان نفسه، لم أكن لأفعلها مهما كنت مؤمناً بأي قضية.

لاحقاً، ومع اقتراب نهاية عملية درع الفرات، التي نفذها الجيش التركي بالتعاون مع فصائل معارضة لدحر تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق شمال وشرق حلب، ومع تراجع التنظيم النهائي عن المنطقة، أرسل لي عمر صورة على تطبيق واتس آب. إنه هو، لا يمكن أن أخطئه مهما طالت لحيته وشاب شعره وتغيرت تراسيمه. إنه خالد مع والد عمر، والدموع تنهمر من عيونهما. ما الذي يفعله خالد هنا في الشمال؟ يبدو أنه ترك التنظيم، وهرب إلى المناطق التي اصطلح على تسميتها بمناطق درع الفرات. حذّرتُ عمر بكلام نصفه مزاح ونصفه جاد، طالباً منه ألّا يزورني إلا بعد رحيل عمه. فهمَ عمر مزحتي بسهولة، وأجاب بأنه لن يدله على بيته هو الآخر. فرِحتُ لخالد وعمر ووالده بعد كل تلك المآسي، لكن سوابق عناصر التنظيم تدفعنا لاتخاذ أقصى تدابير الحذر، فقد تكون مهمته الجديدة هنا. لم يكن خالد يوماً غداراً، لكن أيضاً لم يكن كل هذا الجنون قبل سنوات قليلة.

استأجرَ عمر منزلاً لعمه خالد في قرية قريبة، وتكفّل بكل ما يلزم لتأمين احتياجاته اليومية رغم أنه سعى جاهداً كي لا يدله على منزله. كان عمر في عيد رغم أنه لم يصرّح بذلك، وجهه كان يقول كل شيء، فبينما العم العزيز كان ذاهباً لتفجير نفسه في مكان ما، ها هو الآن بينهم، خالد كما طالما عرفناه، وليس أبو الدحداح أو أبو القعقاع. 

دعاني عمر لاحقاً لزيارة عمه، كنتُ أنتظر هذه الدعوة دون إلحاح لحساسية وضع الرجل. كنتُ أريد أن ألتقي «عكيد الضيعة»، كما كنتُ أرغب بشدة في أن أتعرف على ذلك الانتحاري التائب، أريد أن أتكلم قليلاً مع من فقد شقيقه وابنه وستة عشر شاباً من أبناء إخوته وأخواته، خلال أقل من سنتين. 

عرفني على الفور لدى وصولي. عانقني وقبلني، ودعانا للجلوس في منزله المستأجر. كانت آثار الزمن الكثيف الذي مرّ واضحة عليه، في الشيب الذي غزا شعره، وفي الهزال الذي اعترى جسده. سماره الريفي تحوّل إلى شحوب ممرض كئيب. لم تكن هذه نظراته قبل عشر سنوات، فقد كان يحدث الناس بالنظر مباشرة في عيونهم، أما في ذلك اللقاء، فقد كانت عيونه تتهرب منا بطريقة غير مألوفة. ألا يكفي كل ما جرى لنفهم تلك النظرة؟ 

قررتُ أن أكتم أسئلتي وأتركه يتحدث. كلامه كان يدور عن كيفية هروبه، وعن الطريق التي سلكها، والمخاطر التي تعرض له للوصول إلى «درع الفرات». كانوا يسابقون الزمن قبل أن يقطع نظام الأسد الطريق عليهم باتجاه هذه المنطقة، فقد كان جيش النظام يتقدم بسرعة كبيرة انطلاقاً من شرق مدينة حلب للوصول إلى نهر الفرات في منطقة الخفسة، الأمر الذي سيجبر الهاربين على عبور نهر الفرات شرقاً باتجاه مناطق قوات سوريا الديمقراطية، ما سوف يعقد بشكل كبير عملية الهروب المعقدة أصلاً، وهذا بالفعل ما حدث بعد وقت قصير. 

«كيوم القيامة كان الناس يهيمون»، يقول خالد. هو بالتأكيد لم يشهد يوم القيامة، لكنه لا يتصور أن يكون أشدَّ على الناس من تلك الأيام. كان الطيران الروسي يستهدف كل شيء، المباني والسيارات والبشر، وعناصر تنظيم الدولة كانوا يتحرشون بالهاربين، ويعيّرونهم بهروبهم. كانت معرفتهم بأن خالد مقاتلٌ هاربٌ تعني أنهم سيعدمونه على الفور، ودون الرجوع لمسؤول أعلى. كما كان هناك خطر الألغام المزروعة في كل مكان، إحدى هوايات التنظيم المفضلة. كان يتحدث كذلك عن أقاربه الذين لم يستطيعوا الهرب معه، بعد أن أغلقت قوات النظام عليهم الطريق، وعن توجههم إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، للوصول بعدها إلى مناطق «درع الفرات». انتقل الحديث بعدها إلى عمر، الذي راح يعدد لعمه الخيارات المتاحة للعمل في هذه المنطقة، للانطلاق من جديد.

انتقل خالد لاحقاً للسكن في مخيم السلامة القديم، بسبب الضائقة المادية. ويقع مخيم السلامة في حرم معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، ويضم آلاف الخيم المتراكمة بلونها الذي اكتسبته من غبار الأيام، والتي تتوزع على أطراف شوارع كلسية بيضاء غير منتظمة الاتجاهات، تُحوّلُ المخيم إلى متاهة مغلقة من البؤس والشقاء. وكأنما أرادوا بهذه الشوارع منع البؤس من الخروج.

بعد شهرين من زيارتنا الأولى، توجهنا إلى مخيم السلامة لزيارة خالد. عاد للتحديق في العيون هذه المرة، تأكدتُ من ذلك بمجرد استقباله لنا على باب الخيمتين المتصلتين ببعضهما. كنت جاهزاً هذه المرة لطرح الأسئلة. بدأ عمر بسؤاله عن أشخاص يعرفهم في قريته، الإجابة كانت تأتي دائماً بكلمة «قتل» مرفقة بمكان ما، فيرفع عمر حواجبه مع كل جواب. تدخلتُ هنا وسألته عن الناجين، ألا يوجد أناس لم يقتلوا في هذه القرية؟ «نجوتُ أنا وابن أخٍ لي، صمد في وجه كل محاولات الضغط عليه لمبايعة التنظيم، ونجا عددٌ من النساء والأطفال أيضاً، أما البقية فهم أموات، أو أحياء انقطع الاتصال بهم على الأقل. أموات قريتنا في هاتين السنتين أكثر من أحيائها، ولم ننجح بدفن إلا عدد قليل ممن نجت جثثهم بعد أن فاضت أرواحهم». مجدداً لا أجد الكلمات المناسبة للتعليق على جوابه، فأنتقلُ إلى سؤال جديد. 

سألته عن تطوعه لتفجير نفسه مع التنظيم. «ضاقت الدنيا عليّ عندما علمت بمقتل ابني الأكبر أسعد، لم يجلبوا حتى جثته لأودعها. انضم أسعد للتنظيم لمجرد قدرته على حمل السلاح، لم يكن باستطاعتي منعه، وإلا كنت سأواجه ردة فعل قد تكون مميتة. بقيتُ حتى آخر رمق أقاوم عصا وجزرة الدواعش، إلا أنَّ تقدم قوات النظام باتجاه منطقتنا، ومقتل ابني في ذلك الوقت، دفعني لهذه الخطوة». لم يبدُ لي أنه كان يريد أن يقاتل، بقدر ما كان يريد التخلص من حياته، التي تراجعت قيمتها كثيراً بالنسبة له في السنتين الأخيرتين. 

لكن لماذا لم تنفذ العملية؟ «كان على الانتحاريين أن يخضعوا لدورة شرعية لمدة شهر قبل اختيار مكان وكيفية التنفيذ. في هذا الشهر اكتشفتُ أنهم يعملون لصالح الشيعة». يريد خالد بهذه العبارة أن يقول إن قادة التنظيم يعملون لصالح إيران، مستنداً إلى تحليل بسيط يقول إن التنظيم لا يعمل لصالحنا، فهو إذن يعمل لصالح أعدائنا دون شك. أما تحليلي أنا فهو أن خالد عاد إلى رشده واستفاق من صدمة مقتل ابنه، وأيقن أن ما يقوم به أمر خاطئ.

يتابع: «كان معي في الدورة ذاتها شاب انتحاري من تونس، أكثرَ من طرح التساؤلات على قياداته، وراح الشك يتسرب إلى قلبه. اختفى بشكل مفاجئ، قبل أن يخبرنا مسؤولو المعسكر أنه قد نفذ عمليته بنجاح. عرفتُ أن التونسي تمت تصفيته، فقررتُ الهرب في الزيارة الأخيرة للأهل، التي يتيحها التنظيم للوداع الأخير. وهذا ما حصل فعلاً بعد أيام قليلة».

خالد يعيش الآن في ريف حلب الشمالي، محاولاً لملمة ما يمكنه من شتات عائلته. لقائي الأخير به كان في إعزاز، فقد استدان بعض المال في محاولة منه لبناء جزء مما تهدم. بالتأكيد لن يستطيع أن يعود خالد الذي كنا نعرفه قبل عشر سنوات، ولن تعود عائلته كما كانت، ولن تعود البلاد كلها كما كانت عليه أيضاً. وحتى لو احتفل كله العالم بانتهاء التنظيم كما يفعل الآن، إلا أن آثاره وآثار الحرب الدولية ضده ستبقى جاثمة فوق صدورنا، على الأقل حتى يكبر ذلك الجيل الذي لم يولد ويعش أياً من هذه الأيام.