الانتفاضة اللبنانية 2019: ما نعرفه حتى اللحظة

 

خرجت مظاهرات كبيرة في معظم المناطق اللبنانية منذ أول من أمس الخميس احتجاجاً على الفساد السياسي والاقتصادي للنخب الحاكمة، وكان قرار وزارة الاتصالات فرض ضريبة على استخدام اتصالات تطبيق WhatsApp هو الشرارة التي فجرت غضباً عارماً في الشارع اللبناني، كان يتصاعد تدريجياً نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع سعر صرف الليرة اللبنانية، وفشل الحكومة اللبنانية و«العهد القوي» للرئيس ميشيل عون في تحقيق وعود الإصلاح الاقتصادي، بالإضافة إلى تراكم النقمة على النخبة السياسية الطائفية الفاسدة في لبنان وممارساتها وأسلوبها في الحكم.

ودارت اشتباكات بين المتظاهرين وقوى الأمن اللبناني يوم أمس قرب القصر الرئاسي في بعبدا، وقرب السرايا الحكومي وسط بيروت، استخدمت فيها القوى الأمنية خراطيم المياه وقنابل الغاز، ما أسفر عن عشرات الجرحى، بالإضافة إلى اعتقالات طالت عشرات المتظاهرين. كما شهدت المظاهرات اقتحاماً لمكاتب عدد من النواب في عدة مناطق، وإحراق صور للرئيس ميشيل عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري وغيرهما، فيما أطلق مرافقو النائب مصباح الأحدب النار على المتظاهرين في طرابلس يوم أمس، ما أدى إلى جرحى بعضهم في حالة حرجة. واليوم تتجدد المظاهرات في عدة مناطق لبنانية، مع أنباء عن مصابين برصاص القوى الأمنية وعناصر حزبية مسلّحة في النبطية وصور جنوبي لبنان.

ويطالب المتظاهرون في هتافاتهم برحيل كامل النخبة السياسية الحاكمة في لبنان دون استثناء، كما طالت الهتافات والشعارات الغاضبة جميع الأحزاب والتيارات السياسية المشاركة في الحكم، بما فيها تلك التيارات التي لها مصلحة في سقوط «عهد» ميشيل عون، والتي بدا أن قطاعاً عريضاً من جمهورها وناخبيها مشاركٌ فعلاً في الحراك.  

أجرت الجمهورية لقاءً سريعاً مع جان قصير، للحديث عن هذه الاحتجاجات التي تصاعدت بشكل لافت خلال يومين فقط، لفهم الملامح الأولية التي تشكل شخصية احتجاج الشارع اللبناني اليوم.

جان قصير باحثٌ وناشطٌ سياسي لبناني، وهو ناشر موقع ميغافون الذي يقدم تغطية مستقلة للأحداث في لبنان.

برأيك، ما هو الفارق الرئيسي بين احتجاجات اليوم وتلك التي انطلقت في عام 2015؟

يمكن ملاحظة أن جغرافيا الحراك الذي انطلق الخميس شملت كل المناطق اللبنانية، في بيروت والجبل وطرابلس والبقاع وصور؛ الانتشار الواسع لهذا الحراك هي ميزة واضحة منذ اللحظات الأولى له ولم تقتصر على بيروت، فعلى الرغم من أن تظاهرات حراك عام 2015 شملت الجبل وبعض المناطق بالإضافة إلى بيروت طبعاً، إلا أنها لم تكن تملك هذا الانتشار الواسع من الناحية الجغرافية، وهو ما يحمل في لبنان عدة أبعاد.

الناحية الثانية التي أرى فيها اختلافاً واضحاً بين الحراكين، هي علاقة الأحزاب السياسية أو بعضها مع الحراك، فإذا كانت بعض الأحزاب قد حاولت التقرب منه بشكل خجول عام 2015، أو انخرطت مباشرة في عملية قمعه وتشويهه، فإن هناك أطرافاً سياسية تتقاطع مصالحها مع حراك اليوم بوضوح، تحديداً وليد جنبلاط ونبيه بري، ويبدو أن سمير جعجع قد التحق بهم.

يحمل عموم اللبنانيين غضباً واضحاً على «العهد»، ويبدو أن القوى السياسية التي لديها صراعها الخاص مع ميشيل عون وجبران باسيل تريد الاستفادة من الحراك.

هل تظن من مشاهداتك أن حراك اليوم أكثر تنوعاً، طبقياً وطائفياً، من حراك 2015؟

الحقيقة أنا شاهدت في هذه المظاهرات خلطة مظاهرات 2015 ذاتها، وإن بتنوع أكبر؛ أعتقد أنه يمكننا تشبيه المتظاهرين اليوم بمتظاهري عام 2005 من حيث التنوع الطبقي، أما بالنسبة للتنوع الطائفي، فهو يظهر واضحاً في حراك اليوم من خلال التوزع الجغرافي الذي شمل الجبل وطرابلس وصور والبقاع، وهي مناطق متنوعة طائفياً، وقد عبر المتظاهرون فيها عن تعاطف واضح فيما بينهم.

بدأت هذه التظاهرات للاحتجاج على أوضاع اقتصادية صعبة للغاية في لبنان، إلا أن شعاراتها انتقلت للتحدث عن «إسقاط النظام» مع هتافات موجهة ضد كل النخب السياسية؛ هل بإمكان حكام لبنان الهرب من القيام بإصلاح سياسي من خلال تطبيق إصلاحات اقتصادية فورية؟

لا أظن؛ الشارع يطالب بإصلاحات جذرية وهو ما سيمتد إلى السياسيين أيضاً، كما لا أظن أنهم سيقومون بأي إصلاحات اقتصادية حقيقية، وهو ما سيدفع الحراك إلى التوسع بشكل أكبر. لكن المشكلة هي أنه لا توجد مطالب واضحة، هناك غضب واضح من «العهد» في الشارع، الذي يبدو أنه ينتظر ردة فعل السياسيين (فرجونا شو رح تعملوا؟)، لكن لا توجد مطالب بتعيين حكومة تكنوقراط مثلاً؛ غياب المطالب الواضحة قد يكون نقطة ضعف، لكننا لا زلنا في البداية.

كيف تجد علاقة حزب الله بالحراك؟

أظن أن علاقة الحزب بالحراك مرتبكة، فهذا الحراك موجَّه ضد حلفائه في «العهد»، الذين يوفرون له غطاءً سياسياً وأمنياً في لبنان.

يواجه كل من الحزب وحركة أمل بلبلة بالفعل في الجنوب، فقد توجه عدد من المتظاهرين إلى مكاتب النواب وحصلت مواجهات، وهو ما يعني أن الحزب مرتبك في مواجهة هذا الحراك، فهو لا يستطيع الوقوف في وجه شريكه في «العهد» (التيار الوطني الحر وباسيل)، ولا يستطيع في الوقت نفسه الوقوف علناً في وجه مطالب الناس الذين تحركوا في مناطقه.

وتشير الأحداث الأخيرة في الجنوب إلى أنّ قراراً قد اتُّخِذَ بقمع الاحتجاجات في مناطق نفوذ حزب الله وحركة أمل.

يعني هل تظن أن زمن استثناء حزب الله من الاحتجاج على الفساد السياسي قد انتهى؟

هناك متظاهرون هتفوا ضد الحزب، هناك امتعاضٌ فعلاً في الشارع، كما أن جمهور الحزب يمتلك حسّاً ناقداً للفساد الداخلي، إلا أن علاقة الحزب بجمهوره تختلف عن علاقة الأحزاب والتيارات اللبنانية الأخرى بجمهورها، لأن هذا الجمهور يحسّ أنه الطرف الأقوى في لبنان بفضل نفوذ الحزب، كما أن السردية التي روّجها الحزب مثل أنه حمى لبنان من داعش، إلى جانب نجاح تحالفه مع النظام في سوريا، تعطي جمهوره موقعاً مختلفاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن حزب الله لا يزال الطرف اللبناني الأقوى من ناحية العلاقات الزبائنية والمصلحية عبر شبكاته الاجتماعية.

ولكن بعد خطاب نصر الله اليوم، باتت هذه العلاقة أكثر تعقيداً، والأيام المقبلة ستوضح مدى سيطرة نصر الله على جمهوره.

ما هي توقعاتك للأسبوع القادم؟

اللجان التي دعت للمظاهرات ليست مجموعة عمل فعلية، وهو ما يعني أن تحدي التنظيم هو التحدي الأهم للأيام القادمة. هناك طاولة نقاش تكونت بشكل تلقائي في ساحة الشهداء، وهناك محاولات لخلق تنظيم واضح، كما أن القوى الشبابية والمجموعات اليسارية تحاول القيام بدورها بالدفع نحو التنظيم، مثل مجموعات النادي العلماني ومدى وطلعت ريحتكم وغيرها، وهي من المجموعات التي كان لها دورٌ بارز في حراك 2015؛ لا يوجد لدينا حتى اللحظة مجموعات وتيارات جديدة. أما التحدي الثاني فهو علاقة الحراك بالأحزاب، فهل ستتمكن من قمعه أو استغلاله؟ موقف الأحزاب من الحراك، ونتيجة الصراع معها، هي الأمور التي سيكون لها أثر واضح على استمرار الحراك.

لدينا ثلاث جبهات رئيسية؛ جبهة الأحزاب، وجبهة القوى الإقليمية والدولية، وجبهة الشارع؛ النتيجة تعتمد على التفاعل والصراع بين تلك الجبهات وتفوّق إحداها.