البحث عن جذور الطفيلي

 

يُعيد فيلم باراسايت رسم الثنائيات الفجة التي تقسم عالمنا إلى أغنياء وفقراء، أسفل وأعلى، عبيد وسادة؛   يعيد رسمها سينمائياً بكل العناصر الجمالية الممكنة بصرياً، وإذا كان صحيحاً أنه لا يمكن التوغل في عالمي الفقراء والأغنياء دون أن يقود ذلك إلى صراع طبقي واجتماعي عنيف، إلا أن الحكاية هذه المرة تبدأ من مكان أكثر بساطة، من حلم تطلعت إليه عائلة كيم الكورية الفقيرة، وهو العيش الكريم وتحقيق مستوى دخل يسمح لها بالسكن في بيوت نظيفة، والحصول على طعام جيد، والتمتع بالخدمات ذاتها التي يحظى بها الناس الأغنى في المدينة ذاتها. اقتضى ذلك في البداية مهادنة الأغنياء، حتى اللحظة التي لم يعد فيها ذلك ممكناً. 

لم يكن هذا الفيلم هو الأول لمخرجه وكاتبه بونغ جون هو من كوريا الجنوبية، الذي يضع المتفرج العالمي على تماس مع السينما الكورية، لكن الملفت هو عدد الترشيحات والجوائز التي حصدها فيلم بارسايت منذ عرضه، حيث نال جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان 2019، وجائزة أكاديمي أوورد 2020 عن فئة أفضل فيلم أجنبي، وجائزة أفضل سيناريو في غولدن غلوب، ووصل إلى ترشيحات الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ذلك عدا عن الأرباح العالية التي حققها الفيلم، والتي وصلت إلى 25 مليون دولاراً في أميركا، وأكثر من 132 مليون دولاراً في أنحاء العالم.

تدور أحداث الفيلم في فضائين متناقضين تماماً لعائلتين مختلفتين؛ الأولى هي عائلة كيم، التي تعيش في قبو مظلم ورطب في حي شعبي فقير في مدينة سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية، وهي مؤلفة من أب وأم بالكاد يستطيعان كسب قوتهما، وولديهما اللذين يبحثان عن عمل يُمكنّهما من مساعدة العائلة. بينما الفضاء الآخر هو عالم الطبقة الغنية، عالم عائلة بارك التي تعيش في بيت عصري واسع، مع حديقة خلفية فسيحة، الزوج يعمل مديراً لشركة في مجال صناعة التكنولوجيا، في حين تبقى الزوجة في البيت لتعتني بابنهما وابنتهما.

كانت الإضاءة على قضية التعليم، سواء من جهة طبقة الأغنياء من أجل الحفاظ على المستوى الاجتماعي، أو من جهة الطبقة الفقيرة من أجل الارتقاء بالمستوى المعيشي، هي المدخل الأساسي إلى قصة الفيلم، وإلى نهايته أيضاً، وهي واحدة من التعبيرات التي اختارها الفيلم لمقاربة الحاجة الاقتصادية الماسّة للتعليم لدى كلا الطبقتين اللتين يتناولهما، حيث تأتي الفرصة أولاً للشاب كي وو من عائلة كيم ليدخل إلى بيت عائلة بارك بصفته معلماً للغة الإنكليزية، بعد عملية تزوير لشهادات علمية مكّنته من إقناع السيدة بتوظيفه مدرّساً خصوصياً لابنتها. لاحقاً، يسحب الابن الشاب عائلته بالكامل إلى داخل بيت عائلة بارك، وذلك عن طريق تدبير خدعٍ أطاحت بطاقم الخدم والعمال السابقين، وقادت إلى احتلال عائلة كيم لوظائفهم التي كانوا يعيشون منها.

تمرّ كل هذه الخدع والمقالب بأسلوب ساخر، وحتى تلك اللحظة يجد المرء نفسه أمام فيلم كوميديا سوداء، ينتهي بالسهرة الوحيدة التي جمعت أفراد عائلة كيم كلّهم على العشاء، لكن هذه المرة في بيت عائلة بارك، متنعمين بالشراب والطعام والرخاء في بيت نظيف وهادئ، لا أحد يبول على نافذته ليلاً، ليتحول الفيلم الكوميدي بعدها إلى فيلم تراجيدي، يتخطى الحزن والحسرة إلى الرعب والجريمة. 

تعددت كثيراً الأفلام السينمائية العالمية أو العربية التي تناولت قضية الفقر في العالم، وقدمت شهادات سينمائية عن حياة الفقراء والمضطهدين في سياقات مختلفة، لكن ما يميز هذا الفيلم هو التعبير السينمائي، سواء من خلال البنية المشهدية أو البنية الحكائية، عن التفسيرات الاقتصادية للفقر وسلوك الأفراد الأفقر في دولة مثل كوريا الجنوبية. جاء ذلك من خلال شبكة العلاقات التي أسست لها حبكة الفيلم بين الأفراد الفقراء فيما بينهم (عائلة كيم والخدم السابقون لدى عائلة بارك)، والتي عكست العديد من التقاطعات التي فرضها الحرمان من الحاجات الأساسية والعيش الكريم، وهي التقاطعات ذاتها التي تؤلمهم وتجعلهم يتنافسون على لقمة العيش، وتدفعهم في النهاية للقتل غضباً وحقداً. وجاء ذلك أيضاً من خلال الكشف عن «الكائن الطفيلي»، وهو ما تعنيه كلمة «باراسايت» باللغة الإنكليزية؛ هذا الكائن الذي كان معشّشاً في قبو بيت عائلة بارك، بكل ما تجسده شخصيته من معانٍ اقتصادية وإنسانية عن الفقر وكفاح  الفرد من أجل البقاء على قيد الحياة. 

يتحول بيت عائلة بارك الواسع والنظيف مسرحاً للجريمة، وربما لا تكون كلمة جريمة توصيفاً دقيقاً عن فعل القتل العلني والقصدي الذي يحدث، والذي سببه التنافس على الحياة كما يختبره الإنسان المحروم؛ أو ربما تكون هي الكلمة الأصح في الواقع، لكننا قد لا نرتاح للاعتراف بتحوّل أبطالنا المحرومين الذين أرادوا التمتع يوماً بالحياة إلى مجرمين فعلاً. تبدأ حفلة القتل أولاً انتقاماً بين أبناء الطبقة الواحدة، ومن ثم تتحول إلى جريمة ضد الأغنياء دفاعاً عن الفقراء في ختامها. 

عادةً، لا يمكن تقبّل فعل القتل من أيّ كان، ولا يمكن للفقر أن يشفع لهم تلقائياً، ولم يكن المخرج لينجح في تقديم فعل القتل على هذا النحو، لولا التمهيد الكوميدي الذي بدأ به، والذي رأينا فيه الوجه الخبيث الوصولي لدى عائلة كيم، التي أبدى أفرادها استعداداً كاملاً لإلحاق الضرر بغيرهم من العاملين بهدف الحصول على وظائفهم ورواتبهم. ولكن الأهم من ذلك كان موقع فعل القتل بالنظر إلى خط التطور الدرامي الذي نسجه المخرج من خلال الأحداث المتلاحقة، ومن خلال سلسلة مصادفات، كان الأهم فيها سوء الأحوال الجوية، الذي أدّى إلى طوفان بعد مطر غزير أغرق القبو المظلم بالمياه والخراء العائم، وهو الحدث المفصلي الذي يخنق كلّاً من شخصيات الفيلم والمتفرجين في آن معاً. 

بعد نهاية الفيلم غير المتوقعة، تتبادر إلى ذهن المتفرج العديد من الأسئلة عن حياة الفقراء ومعاناتهم، وعن الحاجات الماسَة التي تهدد حياتهم كل يوم، والتي تجعل من سلوك بعضهم انتهازياً ووصولياً في سبيل الحفاظ على البقاء، لكن أيضاً من الجدير بنا هنا أن نسأل عن الطفيلي الأساسي في الفيلم، وفي الرؤية السينمائية التي قدمها المخرج، والذي جسده الفيلم على شكل إنسان يختبئ في قبو العائلة الغنية، ويقتات مما يمكن تحصيله من خيراتها. يتوافق هذا فعلاً مع التعريف العلمي للطفيلي على أنه الكائن المستفيد الذي يعيش على أجساد الكائنات الأخرى، دون أن تعرف هذه الكائنات بوجوده في حالات كثيرة. 

لكن الفيلم يُعرّفُ الطفيلي من زاوية مختلفة، من وجهة نظر تبحث عن الجذور الأولى التي أدت أساساً إلى وجوده، وهي أولاً شكل الاقتصاد الذي يعتمد فيه الأغنياء وأصحاب رؤوس المال على تشغيل عدد من الموظفين لتقديم خدمات بسيطة مقابل أجور متدنية تساعد في إنقاذ الفقراء من الموت جوعاً فحسب، دون التفكير أساساً في توفير الفرص أمام هؤلاء لتحسين معيشتهم أو السماح لهم بتغيير واقعهم البائس. وهنا يُطرَح السؤال فعلاً؛ من هو الكائن الطفيلي في هذا الفيلم؟ لربما يحاول الفيلم القول إن جسد الطفيلي الأساسي هو عائلة بارك الغنية نفسها، التي تعيش مستفيدة من خدمات المعلم وأستاذة الرسم ومدبرة المنزل والسائق. بكلمات أخرى، من الممكن أن يكون باراسايت فيلماً عن الأغنياء قبل أن يكون عن الفقراء، عن الأغنياء عندما يجبرون الفقراء على التحايل والتوحش، وصولاً إلى دفع بعضهم إلى حياة تبدو من أشبه بحياة الكائنات الطفيلية.

Parasite 기생충 - Official Trailer