البوكمال: آخر معارك داعش الكبرى في سوريا

 

بعد إعلان قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على الرقة، وتقدم قوات النظام وحلفائها الكبير في محافظة دير الزور خلال شهر تشرين الأول الماضي، توالت التصريحات وتضاربت حول معركة السيطرة على البوكمال، آخر معاقل داعش الكبرى في دير الزور وسوريا. إذ أعلن نظام الأسد وحلفاؤه أنهم سيتقدمون نحوها، وكذلك أعلنت قيادة قوات سوريا الديموقراطية جاهزيتها للسيطرة عليها، وترافق ذلك مع تصريحات قادة التحالف الدولي بقرب هزيمة تنظيم داعش في البوكمال.

هكذا حاولت الأطراف، نظام الأسد ومن خلفه إيران وروسيا، وقسد ومن خلفها التحالف الدولي، إظهار أن ما يحدث على الأرض هو سباق بين تلك القوى للسيطرة على الأرض وصولاً إلى مدينة البوكمال، لكن التطورات الميدانية التي حدثت لاحقاً، والتي تمثلت في تقدم النظام مدعوماً بمليشيات إيرانية وعراقية وتغطية جوية روسية صوب البوكمال عبر البادية، دون أي ممانعة أمريكية، أظهرت أن ثمة اتفاقاً بين روسيا وأميركا حول تقاسم السيطرة على المنطقة.

خصوصية البوكمال

تقع مدينة البوكمال الحدودية في أقصى الشرق السوري على الحدود السورية العراقية، وتتبع لها إدارياً نحو 30 قرية. وقد بلغ عدد سكانها وفق إحصاء عام 2004 نحو 265 ألف نسمة، منهم 92 ألفاً في المدينة نفسها، وقُدِّرَ العدد الإجمالي للسكان في المدينة وريفها عام 2011 بنحو 335 ألف نسمة.

شهدت البوكمال حراكاً ثورياً سلمياً مناهضاً لنظام الأسد منذ الشهر الرابع العام 2011، واستمرت في حراكها الذي تحول إلى العمل المسلح حتى طرد قوات النظام منها في شهر تشرين الثاني عام 2012 بعد تحرير مطار الحمدان الزراعي فيها. ومنذ بداية الحراك الثوري، كانت منطقة البوكمال ذات خصوصية واضحة بحكم موقعها الجغرافي على الحدود العراقية السورية من ناحية، والترابط الاجتماعي والعشائري القوي الذي يجمعها مع المناطق العراقية القريبة منها في محافظة الأنبار، وكان لهذا الترابط تأثيره القوي دائماً منذ ما قبل الثورة السورية، إذ كانت موئلاً لكثيرٍ من مقاتلي المقاومة العراقية ضد الأمريكيين، وكذلك لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية المرتبط بالقاعدة بزعامة الزرقاوي بعدها، ولنا أن نتذكر هنا الغارة الأميركية على البوكمال عام 2008، في سياق الحرب الأميركية على القاعدة، والفصائل الأخرى التي كانت تقاوم الأميركيين والحكومة العراقية في الأنبار.

البوكمال تحت حكم داعش

بعد طرد قوات النظام نهائياً من البوكمال خريف 2012، شهدت المنطقة نشاطاً مدنياً وتعزيزاً لقوة فصائل الجيش الحر، لكن كل هذا تغير بعد بضعة أشهر بصعود جبهة النصرة في المنطقة عام 2013، ثم المعارك مع تنظيم الدولة، داعش.

سيطر تنظيم داعش على المدينة بعد عدة محاولات خسر فيها كثيراً من مقاتليه، وقد قاومت فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة طويلاً في البوكمال، لكن مبايعة واحدٍ من أبرز القوى العسكرية فيها لداعش، وهو لواء الله أكبر بقيادة صدام الجمل المعروف محلياً باسم صدام الرخيتة، أدى إلى تحول كبير لصالح داعش. وتلا ذلك مبايعة عناصر من جبهة النصرة بقيادة فراس السلمان للتنظيم، في وقت كانت فصائل الجيش الحر تحاصره في مناطق معينة من المدينة، ما تسبب باختلال ميزان القوة لصالح داعش، وانتهاء الأمر بسيطرته على المدينة في تموز 2014.

بعد سيطرته على المدينة، ألحقَ التنظيم مدينة البوكمال بما أسماها ولاية الفرات، وليس بولاية دير الزور التي أسماها ولاية الخير، وهو ما كان رسالةً للعالم ولأتباعه ومناصريه يؤكد فيها أنه لا يعترف بالحدود الدولية من جهة، واستجابةً لواقع الترابط الاجتماعي والعشائري بين منطقة البوكمال والمنطقة المحاذية لها من غرب العراق من جهة أخرى.

جعل التنظيم من البوكمال المركز الإداري لولاية الفرات، وأتبعَ لها منطقة القائم العراقية ومناطق واسعة من الأنبار، ودخلتها العديد من العائلات العراقية بحكم صلات القربى العشائرية بين عائلات البوكمال ونظيرتها العراقية. كان أغلب قادة التنظيم في البوكمال من الجنسية العراقية، واحتوت على دواوين الحسبة والقضاء والشرطة والمحكمة ومقرّ الوالي وغيرها، وعمل التنظيم على بسط نفوذه وفرض قوانينه بشكل صارم عليها، ما تسبب بهجرة كثير من أهلها كسائر المدن التي دخلها التنظيم، الذي قام من أجل فرض سطوته بتنفيذ عدد كبير من الإعدامات وأحكام القصاص فيها.

معركة البوكمال، ومصالح الأطراف المتصارعة

كان الأمريكيون في البداية يبحثون عن دور للفصائل المحلية من أبناء دير الزور، وكان واضحاً أن خطتهم في مراحل سابقة كانت تقضي بدخول الفصائل إليها من البادية، وفي هذا السياق كانت المحاولة الشهيرة الفاشلة للتقدم من قبل جيش سوريا الجديد عبر البادية أواسط 2016. لكن هذه الرغبة تراجعت بعد التوافقات الروسية الأمريكية، التي أصبحت فيها البوكمال من حصة روسيا وحلفائها كسائر الضفة الشامية للفرات، وبالتالي لا مكان للقوى المعادية للنظام فيها.

وتنفيذاً للتفاهمات الأميركية الروسية، بدأ النظام وحلفاؤه هجوماً عنيفاً على المدينة من عدة محاور يوم 27 تشرين الأول الماضي، كان أبرزها محور البادية، بدعم من القوات التابعة للحكومة العراقية، التي ساندت مدفعيتها قوات نظام الأسد من جهة الشرق، ومن ناحية الباغوز والهري، بالتزامن مع توغل قوات الحشد الشعبي العراقي داخلها قادمة من الأراضي العراقية لعدة ساعات، بدعم من الطيران الروسي.

لكن ورغم إعلانه مرتين السيطرة على المدينة، إلا أن النظام لم يسيطر عليها بشكل كامل حتى اللحظة، إذ لا تزال أحياء الكتف وجسر الباغوز خارج سيطرته المحكمة حتى اللحظة رغم انسحاب التنظيم منها، وما نشره النظام من فيديوهات يدعي فيها السيطرة الكاملة، كانت جميعها من قرى الهري والباغوز، ومن حي الطويبة في الجهة الشرقية للمدينة، حيث يقع دوار المصرية الذي ظهر في فيديو السيطرة الذي وزعه نظام الأسد على وسائل الإعلام.

يرى نظام الأسد في إحكامه السيطرة على المدينة انتصاراً حاسماً له، وورقة ضغط على طاولة المفاوضات القادمة، ومواصلةً لتسويق نفسه كشريك في الحرب على الإرهاب، وبالتالي مواصلة تعويمه دولياً. أما إيران الباحثة عن نفوذ أكبر لها في المنطقة، فهي ترى في البوكمال بوابة لمشروعها الكبير في ربط طهران بالعراق ثم دمشق وصولاً إلى بيروت، ومنطقة نفوذ جديدة تستخدمها في صراعها مع الولايات المتحدة الامريكية، وحماية مصالحها في العراق.

الحكومة العراقية ترى في البوكمال امتداداً لعمقها الاستراتيجي، وتعتبر سيطرة حلفائها عليها ضماناً لأمنها القومي، كما تنظر إليها كبعد اجتماعي للعشائر التي خرجت عن سيطرة الحكومة المركزية في بغداد، إذ أن السيطرة عليها تعني تثبيت سلطة حكومة بغداد في غرب العراق.

روسيا من جهتها ترى في السيطرة على البوكمال من قبل حلفائها نهاية تنظيم داعش في سوريا، وتحقيقاً لأهدافها العسكرية، وامتلاكاً لأوراق ضغط سياسية في صراعها مع الولايات المتحدة الامريكية في سوريا والمنطقة. أما أمريكا، التي يبدو أنها تهتم للشأن العراقي بصورة أكبر من اهتمامها بالشأن السوري، فإن ما يهمها هو الحفاظ على الهدوء على طرفي الحدود ومنع تسلل المقاتلين عبرها، وهو ما يبدو أنها تلقت ضمانات بخصوصه من الجانب الروسي.

تنظيم الدولة من جهته، يعتبر أن معركة البوكمال ربما تكون معركته الأخيرة في سوريا، خاصة بالنسبة لمقاتليه المحليين، الذي يطلق عليهم التنظيم تسمية الأنصار، فهي معركة حياة أو موت بالنسبة لهم، والثبات فيها هو أملهم الوحيد في البقاء. ويبدو أن معركة البوكمال ستكون معركة داعش الكبيرة الأخيرة في سوريا فعلاً، وذلك لأن التنظيم خسر مناطقه الكبرى في سوريا والعراق وأهمها الرقة والموصل، ولم يبق له سوى جيوب هنا وهناك. وكذلك فإنه قد بدأ يضمحل ويهرب قادته وعناصره ويتحول من الهجوم إلى الدفاع، والأهم من ذلك هو اختفاء القيادات الكبيرة، وانقطاع الاتصال بينها وبين عناصرها، يضاف إلى ذلك الرغبة الحازمة لدى الأمريكيين والروس بإنهاء التنظيم.

كانت مدينة البوكمال وريفها الملاذ الأخير لعناصر التنظيم العراقيين أيضاً، وذلك بسبب سهولة التنقل عبر الحدود فيها، فالمنطقة محاطة بالصحراء من الشرق والغرب والجنوب، وشمالها نهر الفرات الذي يقسم ريفها إلى قسمين، الجنوبي الذي تتقدم فيها قوات النظام وحلفاؤها، والشمالي الذي تقدم فيه قسد بصورة منتظمة، وهي باتت تبعد أقل من 50 كم عن المدينة، وبالتالي توشك أن تطبق الحصار عليها بالتزامن مع دخول قوات النظام إليها من الغرب والجنوب، ومحاصرة القوات العراقية والحشد الشعبي لها من الشرق عبر الحدود.

لكن قوات سوريا الديموقراطية، أو لنقل مكونها الرئيس، وحدات حماية الشعب الكردية، هي الطرف الوحيد غير المستفيد من معركة البوكمال، رغم أنها تخوضها عملياً في ريفها الشمالي الغربي في منطقة الجزيرة، إذ تتقدم في قرى الشعيطات (أبو حمام وغرانيج والكشكية)، وصولاً إلى هجين والشعفة وبالتالي حدود المدينة. ولأن فائدة البوكمال بالنسبة لمشروع الوحدات الكردية قليلة، لجأت إلى تجنيد عناصر عربية في صفوفها من أبناء المنطقة، مستفيدةً من حالة الحقد على تنظيم داعش بسبب سيطرته سابقاً على مناطقهم وطردهم منها، وبالتالي دفعهم لقتال التنظيم وتقليل خسائرها في منطقة بعيدة عن نفوذها. وهذا الإجراء ينطوي على مخاطرة كبيرة قد تظهر بمجرد انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة، وتتمثل بحالات الانتقام التي قد يمارسها بعض مقاتليها، وحالات تمرد قد تقوم بها تلك القوى فيما بعد.

أوضاع المدينة وريفها لا تزال غامضة حتى اللحظة، وهناك تضارب في التصريحات بين النظام والتنظيم، خاصة في ظل الخسائر الكبرى في صفوف الطرفين، والهجمات المعاكسة التي يشنها التنظيم في بعض أحياء المدينة وريفها ليدلَّ على أنه لا يزال يملك أوراق قوة في المعركة، إذ غيّرَ من استراتيجيته القتالية بعد الخسائر الكبرى في صفوفه بسبب سياسة الأرض المحروقة التي تقوم بها قوات النظام مدعومة بالطيران الروسي، وأدت إلى تدمير المناطق على رؤوس أهلها.

يستخدم التنظيم استراتيجية حرب العصابات في البوكمال وريفها اليوم، ويقاتل عبر مجموعات صغيرة تختفي في النهار في مناطق جغرافية تعرفها جيداً، إذ أن أغلب مقاتليها من العناصر المحلية التي تعتمد على هجمات خاطفة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ما ألحق بالنظام خسائر كبرى في الأرواح والعتاد، خاصة المليشيات الشيعية وحزب الله اللبناني، وهو ما حدا بقوات الحرس الثوري الإيراني للتدخل لرفع الروح المعنوية للمقاتلين، إذ تكرر ظهور قاسم سليماني في جبهات القتال عدة مرات.

ستفتح معركة البوكمال بعد انتهائها الطريق لمعارك أخرى يتم تأجيلها الآن، وهو أحد أسباب أهميتها أيضاً. وإذ يستعجل الروس حسم المعركة لإعلان انتصارهم في الحرب على تنظيم داعش، إلا أنهم يدركون دون شكّ أن معارك أخرى قد تبدأ، لأن القاعدة لا زلت موجودة في سوريا، ومجموعات داعش المتفرقة لا زالت تنتشر في بادية الأنبار شرق البوكمال، وفي البادية الشامية غربها حتى أطراف السخنة. وكذلك فإن هناك احتمالاً كبيراً أن تندلع معارك بين الوحدات الكردية والقوات العربية التي تحالفها الآن، بسبب اختلاف أهداف ودوافع القتال، إذ أن ما جرى هو تحالفٌ مصلحيٌ لا يُستبعَد أن ينتهي مثلما انتهى تحالف الوحدات الكردية مع لواء ثوار الرقة وقوات النخبة سابقاً. ولعلَّ ما يعزّزُ من هذه التوقعات، احتمال عودة قوى عسكرية من أبناء دير الزور إلى المنطقة، وأبرزها فصائل البادية الموجودة في منطقة تواجد قوات التحالف الدولي في التنف.

قد تكون معركة البوكمال هي المعركة الكبرى الأخيرة ضد تنظيم داعش في سوريا، لكنها بالتأكيد لن تكون الحلقة الأخيرة في الحرب السورية.