البيوت التي نزحت من الرقة كما لو أنَّها أرواح

 

رأيتُ صورة بيتنا المدمر منشورة منذ أشهر على فيسبوك، لكنني الآن أقفُ أمامه. اختفت جدرانه، وأطبقت أسقفه على مساحة ثلاثين سنة من حياتنا فيه. ضُرِبَ بعنف، لكن باب البيت ظل واقفاً أمام الدرج الذي كان يحمل رائحة الطعام التي تدلني على أمي لدى عودتي من المدرسة.

وقتها، كنتُ أصعد الدرج فأجد باب البيت مفتوحاً، كعادة أهل الرقة، فأدخل مستجيرة من حرِّ الشارع وزحمته إلى برودة البيت وهدوء وجه أمي، أمي التي احتفظت بهدوئها في أصعب الأوقات، حتى أصوات القصف العنيفة لم تخرجها عن هدوئها. مجرد نظرات قلقة علينا، عليَّ أنا على وجه الخصوص، لأنني كنت رفيقتها الأقرب والملازمة لها في السنوات الأخيرة، سنوات شيخوختها التي صادفت سنوات الحرب والنزوح.

البيت المجاور أصبح أرضاً تراباً. كان يجاور غرفتي أيضاً. الآن أصبحت ما كانت «غرفتي» بادية للشارع، هذه الغرفة التي لم أستطع النوم فيها منذ بداية الحرب، عندما أصبح صالون البيت هو المكان الذي يجمعنا، نأكل فيه، وننام فيه، باعتباره محاطاً بغرف. وحسب اعتقادنا، كان المكان الأكثر أماناً. الآن، استطعت أن أتبين أن الصاروخين اللذين ضربا المنزل كانا قد نزلا في الصالون.

سَرَت في جسدي رعشة خوف من فكرة «ماذا لو أننا بقينا حتى نهاية القصف؟».

لا أعرف

نبهني صوت شام، ابنة السنوات الأربع، أننا دخلنا إلى المدينة: «اللكة مكسَّلة تكسيل، أي: الرقة مكسرة تكسير». قالت ذلك بعد أن نصبت قامتها الصغيرة في السيارة، وبدأت تشير إلى البيوت المدمرة متسائلة: «هذا بيتنا؟»، فأنفي لها ذلك. وكلما مررنا ببيت تسأل فأجيبها: «لا». وكررت السؤال على طول الشارع. سألتني أختها الكبرى «في أي شارع نحن؟». التفتُّ يميناً ويساراً، أحاول أن أحدد معلماً لأجيبها، فلم أستطع. قلتُ لها: لا أعرف!

سماء حيادية

اختفت الطائرات من سماء المدينة، بعد أن أنزلت كامل حمولتها على المباني. الفكرة التي دارت في رأسي: كم صاروخاً احتاجت طائرات التحالف الدولي، وكم قذيفة أطلقتها مدافع «قوات سوريا الديموقراطية» لتحقيق كل هذا الدمار؟ أي عقل قادر على التخطيط لكل هذه الفوضى، وعلى حرث المدينة بشوارعها ومبانيها وذكريات أهلها؟ وكيف استطاع من بقي من أهل الرقة تحمُّل هذا الجنون؟ ليبقى السؤال الاستنكاري «هل أعداد الصواريخ التي ضربت الرقة موازية لعدد المباني، أم لأعداد عناصر داعش»؟

عندما كانت الطائرات تبدأ القصف، كنتُ وسط َخوفي أحاول التفكير أن الطائرة ليست مجرد آلة حديدية، فأحاول تصوّرَ الشخص الذي يقودها. هو حتماً يشبهنا، إنسان لديه حياة ومخاوف، فهل تراوده الفكرة نفسها عن ساكني البيوت التي يقصفها وهو يؤدي عمله؟

نزوح البيت

تقول أمي «طول ما احنا برا بيتنا... نظل نازحين. طالما نسكن في منزل شخص آخر. يظل اسمنا نازحين». ونحن جميعاً لدينا هذا الإحساس. صباح يوم 14 أيار/ مايو الماضي، دارت الفكرة نفسها في رأسي. في هذا اليوم، وبعد مضي شهر تقريباً على عودتنا إلى الرقة، لا يزال إحساس النزوح يرافقنا. أصبح شارع بيتنا مجرد مكان نمرُّ به بعد أن دمروا البيت تماماً، وأصبح مجرد ركام، كمعظم الأماكن في المدينة.

من لا بيت له، لا وطن له. و«البيت» هو من جعل معظم سكان الرقة يتمسكون بالبقاء فيها حتى آخر لحظة «ننزح ونترك بيتنا؟!». هذه العبارة كنتَ تسمعُها من الجميع، إلى أن اضطروا للاختيار بين أرواحهم وبيوتهم، لكن آلافاً اختارت لهم الطائرات والقذائف أن يموتوا تحت أنقاض بيوتهم.

غرافيتي

في سكننا الجديد، في بيت عمي، بعد سنوات من هجرة عائلته مؤقتاً إلى أميركا، وعلى الجدار المقابل لي، أرى علماً مرسوماً عليه شعار «الدولة الإسلامية» بلون أخضر. كنتُ ممددة أراقب ما تركه أحد عناصرهم من ذكريات على حائط الغرفة التي أقيم فيها الآن. وردة على يمين العلم مرسومة باللون ذاته. وعلى جدار آخر، رسمٌ لرجل يلبس لباساً عسكرياً كما يبدو، ويرفع يديه بحركة تشبه الاستسلام، أو هكذا بدت لي. من السقف، تتدلى قطعة قماش تبدو بقايا كوفية سوداء.

عندما وصلنا إلى البيت، وقفنا ننظر إليه من الخارج، لنقدِّر إن كان صالحاً للسكن أم لا، فنحن لا نستطيع الدخول قبل عملية التفتيش عن الألغام المرجّح وجودها في كل بيت من بيوت الرقة. جاء أحد الجيران وقد اشتبه في أن نكون إحدى فرق التعفيش. والتعفيش مصطلح وجد مع بداية محاربة الثورة السورية من قبل ميليشيات متعددة، بما فيها جيش النظام. الحرب أفرزت طبقات من المعفشين انقسمت إلى طبقة كبار المعفشين، وهم عناصر الميليشيات المقاتلة في سوريا، ولهم حقوق مطلقة في تعفيش أثاث البيوت التي يسيطرون عليها، وتجهيزاتها الأخرى، من أبواب وشبابيك. حتى الأسلاك الكهربائية داخل الجدران لهم حق فيها؛ وهنالك طبقة صغار المعفشين من عامة الناس الفقراء الذين يبحثون عن بقايا الأثاث المختلطة بركام الدمار في الشوارع.

شرح لنا الجار أسباب شكّه في أن بعض المعفشين يصطحبون نساء ليبدو الأمر طبيعياً أمام الجوار. تعارفنا، وانطلق في حديثه بعد أن زالت شكوكه حولنا، وعرف أننا وأصحاب البيت من عائلة واحدة. شرح لنا أن البيت كان مقراً لكبار «القادة» على حد قوله. وكان بمثابة مضافة للاستشهاديين، وهذه حاله منذ ما يقارب السنتين. قبل ذلك، تعددت استخداماته، فمرة كان مطبخاً فيه ما يقارب الخمسين امرأة يعملن على إعداد طعام «الأخوة» في المقرات الأخرى.

وأضاف وهو يشير إلى بيتين آخرين كانا مقرين أيضاً، ومن أحدهما كانت تخرج الطائرات المسيَّرة، ووصف بالإشارات حجم الطائرة. وأخبرنا أنه وبعضُ سكان الشارع ظلّوا في الرقة حتى ما قبل خروج داعش منها، عندما طردهم عناصر التنظيم بالقوة من الحارة.

وبعد أن أنهى شرحه، قال: انظروا! كل الحارة قصفت ما عدا هذه البيوت الثلاثة. قالها ساخراً، فذكّرني كلامُهُ بكلام سمعتُهُ من أحد عناصر داعش كان يتحدث بالموبايل بعد إحدى عمليات القصف التي خلفت مجزرة بين المدنيين كالعادة؛ كان يقول لأحدهم: «الحمد لله! القصف كلو عالعوام... الأخوة بخير». والعوام طبعاً هم الناس المدنيون، أما الأخوة فهم عناصر داعش.

أخيراً، حذّرنا الجار من وجود «جرة غاز مُلغّمة» عند مدخل البيت. بعد ذلك بشهر تقريباً، طلبنا فريق هندسة الألغام، وشرحنا لهم وضع البيت بناء على كلام الجار. وحين جاءوا إلى البيت، لم يستغرق الأمر سوى ثوان حتى قال أحدهم «هذا البيت دخله أشخاص عشرات المرات».

أبو سفيان الأموي الحجازي

في البيت، وجدتُ وصية تعود لشخص ملقب بـ «أبو سفيان الأموي الحجازي». تصورت أنني سأجد «رزماً من الدولارات»، لأنني وجدت رزمة من «مطاط المصاري». تبادلنا نظرات كوميدية جشعة وساخرة، وتفرقنا كل في جهة بحثاً عن الدولارات التي كانت مضمومة بهذا المطاط. كنا نضحك ونذكِّر بعضنا «لا حدا يغدر بالثاني... يلي يلاقي شي يخبر البقية ونتقاسم». وكلما وجدنا شيئاً غريباً، مثل محفظة، أو صندوق، نصرخ للبقية: الدولارات! نجتمع ونفتش، ولا شيء. وجدت أثناء «البحث عن الدولارات» طلباً مقدماً من قبل شخص داعشي يطلب الإذن للقيام بإصدار تسجيل مصور يوجه فيه وعيداً للأميركان باعتباره يجيد لغتهم.

إذن، هو مواطن أميركي. ونحن في بيت دواعش مهاجرين من الطبقة الأعلى الذين تم التفاوض معهم للخروج بباصات مكيفة من الرقة عندما قرر «أحدهم» انتهاء الحرب علينا. وعندما أجد هكذا أشياء، كنت أجلس لقراءتها، متناسية أن البقية يبحثون عن الدولارات، بينما ينقلون أغراض الأخوة الدواعش خارج المنزل للقيام بتنظيفه. كان هذا الأميركي قد تقدم لقيادته بثلاثة طلبات، إما قتل مرتد، أو تقديم إصدار يهدد فيه الأميركان، أو القيام بعملية انتحارية.

السقيفة

آخر مكان كان علينا تفقده هو السقيفة، أو العلّية كما يسميها بعض الناس، وهي مكان تخزين الأشياء الزائدة عن حاجة البيت. السقيفة عالية، ولم أجد شيئاً لأصعد عليه إلا دراجة التمارين الرياضية الثابتة الموجودة ضمن أشياء أخرى رياضية، مثل الأثقال بمختلف الأحجام، وأكياس الملاكمة. نظرتُ من باب السقيفة فشاهدتُ لحافاً ووسادة، وأسلاكاً تخرج من شيء دائري، فقلت للبقية: إما لغم، أو جثة. أصبحت وجوههم أقل حيوية، واختفت الضحكات الساخرة المصاحبة لعملية البحث عن الدولارات. صرخوا بي: لا تصعدي! انتبهي! قلت لهم ناولوني عصا طويلة «لا تخافوا! المكان مقرّ لأخوة مهاجرين، يعني ألغام ما في. أكثرها جثة، أو فارة»، وأنا «مستعدة أشوف جثة، بس ما تطلعلي فارة».

دفعت الشيء الدائري بالعصا فتحرك ولم ينفجر «سليمة أخوان... سلة فارغة... وأسلاك تلفزيون... الآن سأرفع اللحاف بسرعة». وما تحت اللحاف كان مجموعة من الكتب والملابس، ليس أكثر. جلستُ وبدأتُ أتفحص الكتب، بعد أن رميت لهم بالوسادة الصغيرة واللحاف قائلة «افتحوها... بما أنها على السقيفة فأكيد الدولارات موجودة داخلها». وعادت موجة الضحك والبحث الهزلي عن النقود.

جلستُ في السقيفة أبحث بين الكتب. لم أجد شيئاً يخص «الأخوة» الداعشيين. كانت كتباً جامعية، ومحاضرات كلية الطب في جامعة دمشق تعود لابن عمي. بدأتُ في إعادة ترتيبها في الصناديق، كونها تبعثرت من ضغط الانفجارات. وأثناء ترتيبها، «جاء» أمامي محمد الحاج صالح. وجدت رواية له بين الكتب الجامعية بعنوان شهادة أتان، وهكذا اجتمع أبو سفيان الأموي الحجازي، وأبو عائشة المصري، والعشرات من «الأخوة» الداعشيين، وأنا وأبو ياسين [هو الدكتور محمد الحاج صالح، مؤلف رواية شهادة أتان]، في هذا المنزل.

كانت مشاهدة اسم لشخص أعرفه تشبه شعوري عندما أمشي في الشارع الآن وأصادف أشخاصاً أعرفهم. وأول فكرة تأتي إلى رأسي: لا يزال حياً! نجح في الخروج من لوثة القصف، أو النزوح. رؤيتي لاسم أعرفه أخرجتني من غرابة أسماء وشخصيات: أبو عائشة المصري، أبو إبراهيم الدمشقي، وأبو سفيان الأموي، وشهوده في الوصية التي يعترف فيها بدينٍ لأحدهم، بينما أورثنا تركته الثقيلة.

طبقات التعفيش

طبقة صغار المعفشين تكون عادة عُرضة للاعتقال من الطبقة الأولى، ففي يوم استيقظنا على صوت صراخ وسباب آتٍ من الشارع. رأيت اثنين من «الهافالات»، أحدهما يلبس شروالاً مصنوعاً من قماش عسكري، وكنزة سوداء مفتوحة الصدر. كان يمسك ببندقية موجهة نحو صبي ممدد على الأرض لا يتجاوز عمره 15 عاماً. كان الصبي يتقي بيديه ضربات الهافال الذي انهال عليه بالسباب والدعس برجليه، والضرب بيديه «وحق دم الشهداء بدي أأدبك... لعما ما خليتو شي بالرقة، لك خربتوها خراب». والصبي يجيب «وحق دم الشهداء هي شوية أغراض مكسرة وحديد مرمي بالشارع ما حدا يريدو». وهنا زاد غضب الهافال واشتدت ضرباته: «إخرس! ما حدا غيرنا يحلف بدم الشهداء».

في الرقة، تمت عمليات التعفيش بشكل سري تماماً، دون صور، ودون تشفٍّ، خلافاً لما جرى في حلب، وضواحي دمشق، ودرعا، مؤخراً. فهي، مثلها مثل مدن الجزيرة السورية الأخرى، مدينة منسية، مغيَّبة، ولا يعرف أحد في الداخل السوري عنها إلا معلومات «سياحية». رسخها النظام في أذهان السوريين أولاً كمدن نامية، واخترع هذا المصطلح وكرَّسه وثبَّته، ولم يسمح لها أن تنمو مع أنها تمتلك كل مقومات المدنية والنمو، لكنه أبقاها كقرى، وهمشها بأسلوب يجعل منها مصدراً للثروة لا يستفيد منه سوى الغريب الموالي له. والآن تُعامَلُ هذه المدن حتى من قبل المعارضة السورية نفسها كسقط متاع لمن يأخذها. وبينما تبقى صور دمارها، وصور آلاف من ضحاياها المدنيين، لا يسمع أحد صوت احتلالها، ولا أنين أنقاض بيوتها. لا يشغل ذلك إلا أهلها، وربما قلّة من المتعاطفين معها.

الطريق إلى البيت

أصبح شارعنا وبيتنا المدمّران مجرد مكان نعبر فيه. أمام ركام منزلي لا أشعر بشيء. مشاعري أصبحت ركاماً ليس له معالم. الشعور الوحيد الذي راودني أنني غريبة، وأن بيتي غريب أيضاً.

أشباح المكان

كنتُ أقفُ في بلكون البيت أحاول البحث عن شبكة النت، وأنا أرفع الموبايل للأعلى واليمين واليسار، متوسلة التقاط إشارة النت. الوقت ليل، والمكان حولي مظلم. الشبابيك من حولنا كثيرة، لكنها مظلمة. شبابيك وأبنية مهجورة دمارها فاضح في النهار. ومع غياب الشمس، وشحّ الضوء، تتحول البيوت والشوارع إلى مصائد للخوف. أشجار بلا أوراق، وأشباح منازل لا تستطيع النظر إليها طويلاً لما تثيره من خيالات مفزعة.

شبح داعش

في تلك الأيام من أيار الماضي، سرت إشاعات، أو أخبار، مصدرها الوحيد هو الهافالات، عن خروج داعشي من نفق، أو القبض على ثمانية آخرين في شقة، أو الإمساك بأحدهم في محل للنت، أو خروج أحدهم من نفق داخل بيت، وذبحه أفراد عائلة كاملة.

وبالرغم من أنني أدرك أنها مجرد إشاعات لتذكير الناس بداعش، وتشديد القبضة الأمنية عليهم، خاصة بعد خروج عدة مظاهرات تطالب بخروج «البككه»، إلا أنها تترك أثراً نفسياً مثل أثر الأشباح في الخرافات، وحكايا الجدات. وعندما أمعن النظر في أي نافذة مظلمة، أتخيل أن «أبو حمزة الفرنسي»، أو «أبو بكر البغدادي»، سيخرج شخصياً منها، فأتجنب النظر إلى الشبابيك المظلمة.

انتظار

ما كان يفرحني وجود نافذتين وحيدتين مضيئتين في بيت عجوزين كنت أراهما أحياناً في الشارع، أو أراقبهما من شباك المطبخ وهما يتناولان فطورهما في رمضان. كنت أنظر طويلاً إلى طاولة المطبخ التي تعود مرتبة بعد أن ينهيا طعامهما.

لا شيء يؤنس في محيط حياتي الجديدة، وفي كل الأبنية المحيطة ببيتنا الجديد غير هذين الشباكين المضيئين. رسمتُ سيناريو لوحدتها، وقدّرتُ أن أبناءهما هاجروا كما فعل كثير من السوريين، وبقيا هما يولمان ذكريات ما عاشاه في هذا البيت، وينتظران عودة الأبناء، أو فراق البيت.

سمفونية العبث

البيت الذي أسكنه كان منزلاً منفصلاً مؤلفاً من طابق وحيد تحيط به عدة مبانٍ عالية فيها الآن كثير من الشقق المهجورة، أو بيوت أصبحت مستوية تماماً مع الأرض، لتعطيك إحساساً أنك تعيش في مقبرة. فقد يكون تحت ركام كل بيت أشخاص ماتوا، وعلى الأقل هنالك بقايا حياة أشخاص ماتوا، أو هاجروا.

الأعمدة الإسمنية للشقق الأعلى تتدلى بفعل القصف. طار بعضها على سقف بيتنا الموقت مع أواني المطابخ وأثاث البيوت. هنا قميص نوم سيدة، وفردة حذاء نسائي أنيق بكعب دقيق، وستارة نافذة. أستعيدُ الآن أصوات القصف مثل سمفونية رعب يقودها شخص يختبر مدى قوة الشرّ فيه. تضرب الطائرة، فيبدأ العزف الثقيل السريع، وترتج الأرض، وينفخ الهواء العاصف المدمر للطائرات ضغطه في أدمغة الناس والبيوت. يهدأ المايسترو قليلاً قبل أن يبدأ الحركة الثانية، فيأتي صفير صواريخ من بعيد. يرتفع ضغط الهواء، ويتضخم، فتبدأ البيوت بتبادل أثاثها. يطير السرير، أو الفراش، كنبة البيت، أو سقفه، وتتناثر ضحكات السيدة الأنيقة، ولحظات نومها، مع قميص النوم المثير، وتحط على جدار بيت آخر حين يخفض المايسترو الصوت الهادر، ويترك فرصة للغبار والنار أن يهدآ، ليعيد هو ترتيب غرَّته الشقراء.

بين منهجين

قادتني خطاي إلى شارعنا القديم من دون هدف غير مروري بأنقاض البيت. وقفتُ في نهاية الرصيف. على الدوار كانت لافتة قماشية ضخمة مرسوم عليها وجوه ملثمة بالأسود كخلفية لعبارة (خلافة على منهاج النبوة). في ظل هذه اللوحة العملاقة كانت تتم عمليات الإعدام والصلب، وتحتها كانت الجثث تبقى معلقة لأيام، تحت «منهاج النبوة». عمليات الإعدام العلني التي تابع الناس قسوتها مجبرين كانت بمثابة متابعة فيلم رعب وأنت مقيد مفتوح العينين على مشاهد القصاص والصلب. ودائماً، في ظل اللوحة العملاقة التي تريد أن تعيد إنتاج النبوة. القسوة بدل الرحمة، والقصاص بدل التسامح، والموت الأسود بدل مسحة الرسول الشافية.

في المكان نفسه، أرى اليوم الصورة الضخمة لعبد لله أوجلان، حيث أقيمت قبل أسابيع حلقات الدبكة الاحتفالية أمام بناء (العجيلي) المدمَّر.

أذكر أني شاهدت الصورة نفسها للزعيم الكردي في أحد دكاكين تل أبيض كخلفية لروزنامة تؤرخ لحظة الاحتفال بالنصر بين ركام المنازل.

اقتصاد الدمار

«التنقير» أحد مصطلحات الحرب، مثله مثل التعفيش، والتسليك، ولكنه ليس فعل سرقة. نصحو كل يوم على صوت النقارات. هكذا يسمونها. هي آلات ضخمة تفصل الكتل الإسمنتية عن الحديد المستخدم في أسقف البيوت. وصوت النقارات الآن هو الصوت الغالب في المدينة، ولا ينافسها سوى الكومبريسات بصوت اهتزازاتها المنتظم الذي يحوّل ركام المباني وشكل المدينة وذكرياتنا عنها إلى حمولات من الحجر والرمل تُنقل إلى خارج المدينة.

أكوام الركام تحدد طريق سيري، فأتحول من اليمين إلى اليسار، أو أتراجع عندما أدخل شارعاً وأجد نهايته مسدودة بكومة ضخمة من بقايا المنازل، فأمشي أحياناً إلى جانبها، وأعيد اكتشاف المدينة، أو أعيد رسم المعالم الجديدة للشوارع، بعد أن اختفت كثيرٌ من مبانيها في صناديق الشاحنات، أو ما تزال ركاماً لا يستطيع أهلها دفع تكاليف ترحيلها لإعادة بناء بيوتهم، فأبقوها ركاماً، أو أسير إلى جانب بيوت تبدَّلَ شكلها وتشوّه، كونها لم تتعرض لقصف مباشر.

رحيل البيوت

منذ أيام، تهتُ تماماً عندما أردتُ الخروج من شارع المنصور في اتجاه دوَّار الساعة، فدخلتُ متاهة أوصلتني إلى باب بغداد، فأوقفت سيارة تكسي لتقلني إلى وجهتي.

غالباً ما أتجنب أثناء سيري المشي على الرصيف. ربما أبالغ في مخاوفي، ولكن منظر الأسقف والأعمدة الإسمنتية المتدلية من الأبنية تعطيني إحساساً بأنها ستسقط في أي لحظة فوقي. أمشي وألاحظ الأشكال المختلفة التي اتخذها كل مبنى بعد قصفه. وأتعجبُ من حظ أصحاب بعض الأبنية القليلة التي لم تصب على الإطلاق. وأثناء مونولوجات اليقظة، تمر من أمامي القلابات المحملة بأنقاض البيوت مختلطة ببعض الأثاث المحطم والأغطية والملابس الممزقة المتدلية على طرفي القلاب.

من الشيخ إلى الهافال

أمرّ بالحاجز فألاحظ فتاة من بينهم غطت وجهها اتقاء للشمس، وجلست في الظل. تبدلت أشكال الجنود من اللحى الكثة الطويلة بدون شوارب، واللباس الأفغاني الأسود، إلى لحى حليقة، أو خفيفة جداً، وشوارب ضخمة يبالغ بعضهم في حجمها، كعادةٍ، أو علامة لإظهار الولاء للحزب، مع صورة لعبد الله أوجلان على الساعد. تبدّلت كلمة شيخي إلى هافال، وتبدلت اللافتات التي تحض على الجهاد والحجاب إلى أخرى تدعو للانتفاض في وجه الاحتلال التركي. لافتات كنتُ قد رأيتها مسبقاً في تل أبيض (الشبيبة فداء القائد)، مع صورة أوجلان، وفي أعلاها عبارة (انتفضوا)، مرافقة لصورة أوجلان. لاحقاً، عندما بدأت معركة «غصن الزيتون» في عفرين أكملوها (انتفضوا في وجه الاحتلال التركي). عباراتٌ تدعو شبيبة الرقة للانتفاض في وجه الاحتلال التركي، يرفعها تنظيمٌ يهيمن على قضية الكرد، ويحتلّ الرقة، ويرفع علم «البككه» والعلم الأميركي وأعلاماً أخرى عديدة على أرضها، ويدعو شعباً مُحتلاً للانتفاض بوجه محتل آخر.

باب البيت

لاحظتُ غياب أمي عن البيت. هي لا تعرف أحداً هنا قرب سكننا الموقت الجديد. قلقتُ من خروجها لوحدها، فالمشي في شوارع الرقة صعب على سنيها الثمانين، لكثرة أكوام الدمار، وكثافة الغبار، ووعورة الشوارع نتيجة القصف. وهي، لكبر سنها، أصبح مشيها بطيئاً جداً، وشحّ بصرها.

كانت رفيقات صباها وقريباتها يُطلقن عليها لقب «نجمة الصباح»، لبياضها الشديد، وجمالها الذي لم يختف حتى في سنواتها الثمانين. وكل من يراها يتساءل كيف كانت في صباها.

عادت بعد ساعة تقريباً لتخبرني أنها ذهبت لتشاهد البيت، أو كومة دمار بيتها. سبق أن شاهدته في الصور، ولم تبدِ ردَّ فعل حزين. بدا الأمر عادياً. أقدّرُ الآن أنها تعودت على خيبات أمل كثيرة في حياتها، ليس أكبرها حتماً دمار البيت. ولذلك بدا لي أن رؤيتها له مدمراً مرَّت بشكل طبيعي، أو أنها حزنت عليه بصمت دفين، فهذه عادتها حين تفرح أيضاً. قالت لي إنها التقت ببعض الجيران في الحارة. تحدثوا إليها عن نزوحهم وأخبارهم. «والبيت؟»، سألتُها. «حطيت إيدي عالباب، ما ظل ألا الباب واقف»، قالت. أدرك أن البيت لا يعني لها، أو لغيرها من كبار السن، ملكية ضاعت منها. البيت عندها يأخذ معنى ثان له علاقة بما بين الجدران، وليس الجدران نفسها، التي يحلو للناس وصفها بـ «ساتر العيوب والكبر»، ليصبح البيت في سنواتهم الأخيرة المكان الذي سيخرجون منه بكرامتهم إلى قبورهم، وهو جدران اختلطت بحياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم. هو صور وذكريات تتراءى في كل مكان منه، هو «عِشرة» طويلة من العمر، ليس بالإمكان بناء بديل عنه.