البُعد الجندري والعبء المضاعف للعمل

تم إنتاج هذا الملف ضمن برنامج مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات، جندر رادار؛ حُرر ونُشر بالتعاون بين الجمهورية وشبكة الصحفيات السوريات.

الصحفيات المساهمات في الملف: رولا عثمان، نعمة العلواني، لمى راجح، فيان محمد، راما ديب وبإشراف رؤى الطويل، مديرة برنامج جندر رادار1.

  • 1. يهدف جندر رادار إلى توضيح طرق تمثيل ومشاركة الجنسين في المؤسسات الإعلامية السورية، والكشف عن الأنماط الإعلامية التي تُرسّخ علاقات القوى وتعزز الأدوار النمطية بین الجنسین.

*****

«قاعدة في البيت، ربة منزل، ما بشتغل». تردد ربّات المنزل عادةً هذه الجملة عندما يُسألنَ عن عملهنّ، الأمر الذي يوحي نوعاً ما بالاسترخاء، وبتمتّعهنّ بما نتمناه جميعاً، وهو وقت الفراغ. والواقع، حقيقةً، عكس ذلك تماماً، إذ تقوم ربة المنزل على ما لا يقلّ عن عشرة مهن، ألا وهي: تحضير «المونة» السنوية والطعام بشكل شبه يومي؛ والتنظيف؛ والغسيل؛ والكوي؛ ورعاية الأطفال؛  وتقديم الدعم النفسي والعاطفي للعائلة؛ وتدريس الأطفال واصطحابهم؛ والرعاية الطبية والصحية لأفراد العائلة؛ والتسوّق؛ وبعضهن يقمن بالخياطة، وأعمال يدوية أخرى ضمن المهام المنزلية. مهنٌ لا حدود زمنية لها، ولا وقت للراحة منها، هي خدماتٌ نعرفها جميعاً على مدار اليوم والأسبوع، نتمتع بها، وخاصةً الذكور في العائلة، دون أي مقابل.

من المستغرب حقاً أن الكثيرات من ربّات البيوت، كما المجتمع بشكل عام، لا يُطلقن على عملهن داخل المنزل عملاً، وذلك نتيجة عقودٍ طويلةٍ من ترسيخ فكرة  أن هذا العمل واجب، ومُسلّمٌ به، إضافةً إلى الاستغلال والإنكار لجهود المرأة وأهمية عملها ومساهمتها في المجتمع. ولو أردنا حقاً الاعتراف بدورها الحيوي في العجلة الاقتصادية، الذي لولاه لما سارت تلك العجلة، لكنا بحسبةٍ سريعةٍ، وجدنا التوجّب على جميع المستفيدين/ات والدولة البدء بالدفع مقابل تلك الخدمات. 

من الواضح أن مفهوم العمل، كنشاطٍ ينطوي على جهدٍ عقليٍّ أو بدني، يتمّ من أجل تحقيق غرضٍ أو نتيجة، أو القيام بمجموعة المهام التي يتعين الاضطلاع بها، ويشمل ذلك أيضاً الأعمال والمسؤوليات المنزلية. غير أنّ المعايير خلف استحقاق الأجر ما تزال تتبع للمعايير والأدوار الجندرية التقليدية. بالتالي، لا يعمل النظام الرأسمالي باستقلالٍ عن أعمدة النظام الأبوي الأخرى، إنمّا هو جزءٌ من ماكينة إنتاج وإعادة إنتاج العلاقات الهرمية والتمييز البنيوي المُرتكز على الجنس والعرق والدين والطبقة الاجتماعية والجنسية، واختلافات أخرى تضع بعضنا في مواقع استضعافٍ وتهميش، وتمنح البعض الآخر امتيازاتٍ ووصولاً أفضل للفرص والموارد المتاحة، لا عن استحقاق، بل بمحض الصدفة والحظ بالولادة في الجسد والمكان «الصحيحين». 

من الصعب تقديم معالجةٍ شاملةٍ وعميقةٍ لمسألة جندرة العمل دون العودة إلى الجذور؛ أي إلى المراحل العمرية الأولى، فتساهم التنشئة الاجتماعية للذكر والأنثى، وتحديده/ا في قوالب نمطية وتصوراتٍ ثابتةٍ  فيما يتعلق بالسلوك والمظهر والتمثيل الذاتي والطموحات؛ بتكوين المهارات العاطفية والجسدية والعقلية الخاصة بهم/ن، وتحمل انعكاساتٍ وآثاراً طويلة الأمد عبر مراحل الحياة وفي مختلف مجالاتها. فعلى سبيل المثال، يتم تشجيع الفتاة الصغيرة على الانخراط في الألعاب التي تتضمن الرعاية (الدُمية)، و/أو مساعدة الأم بأعمال المنزل ورعاية الأخوة الرُضّع، بينما يُدفع بالطفل الصغير إلى الفضاء الخارجي لركوب الدراجة الهوائية والتعامل مع صناديق العدّة وأدوات المهندسين وسيارات الشرطة. وغالباً ما تتركّز أعماله المنزلية حول رمي القمامة وإحضار البقالة. يُطلب من الفتاة أن تكون مهذبةً ولطيفةً وحسّاسة؛ مما يساهم في تطوير مهارات التواصل والذكاء العاطفي، بينما يُشجّع الطفل على ألعاب الهواء الطلق التي من شأنها تطوير وعيه المساحي، ويُحظر عليه البكاء أو أيُّ تعبيرٍ يُظهر عاطفةً، بل وتُعزّر لديه الميول إلى العنف والمنافسة. يساهم هذا التصنيف في  تشكيل الوعي حول الذات والآخر، وتتحوّل إلى معايير وميول تبدو وكأنها ذات منشأ طبيعي، بينما تحكمها في الحقيقة العادة وخيارات التنشئة الاجتماعية في الاستثمار بقدرات الطفل/ة، وبالتالي فإن خياراتنا «المستقلة» بما يخصّ نوع العمل الذي نرغبه ونبرعُ فيه ليست معزولةً عن البيئة التي ننشأ فيها، بل هي نتيجة مباشرة لها ولعملية «صناعتنا» لنصبح ما نحن عليه.

مشاركة الجنسين في سوق العمل لا تعني مشاركةً متساويةً في أعباء المنزل

يُشير مصطلح العبء الثلاثي إلى دور النساء الإنجابي، والإنتاجي، وإدارة المجتمع؛ ويشمل الدور الإنجابي للنساء الرعاية والإعالة (الإنجاب والتربية والعناية)، ولكنهنّ يتحملن أيضاً العبء في العمل المنزلي غير المأجور. ويتعلق الدور الإنتاجي بالأنشطة التي تدرُّ دخلاً، في حين يهتم دور إدارة المجتمع في الغالب بالوظائف المتعلقة بالأنشطة المجتمعية والرعاية الصحية وما إلى ذلك.1 في معظم المجتمعات اليوم، وبحكم العادات والتقاليد، تقوم النساء بالأدوار الثلاثة، سيما في ظل البيئات الفقيرة. وبعد أن دخلت النساء سوق العمل  زادت المسؤوليات الملقاة على عاتقهنّ؛ بينما يقوم الرجال، في المقام الأول، بأنشطة إنتاجية ومجتمعية سياسية، والتي عادةً ما تكسبهم المال والمكانة الاجتماعية والوصول إلى مصادر السلطة.

وقد حمّل هذا الدخول إلى سوق العمل أعباءً إضافية على عاتق النساء، فبينما سبرن الفضاء العام للمساهمة في الإنتاج، لم يطرأ أيُّ تغييرٍ في مشاركة الرجل أو تحمّل مسؤولياته المنزلية، ما يجعل متوسط ساعات عمل المرأة في اليوم يفوق الـ 14 ساعة؛ متوزّعةً بين العمل الإنتاجي وأعمال المنزل والرعاية. أدركت سيلفيا فيديريتشي،  إحدى النسويات الماركسيات في مقالها أجور في مقابل الأعمال المنزلية (1974)،  أنّ النظام الرأسمالي عمل على اضطهاد النساء من خلال جانبين أساسين، وهما: جعل العمل المنزلي معطىً طبيعياً مرتبطاً بالنساء فقط؛ وعملاً نابعاً عن الحب. وتشير إلى أن النظام الرأسمالي لم يجعل العمل المنزلي «فرضاً» على النساء فحسب، بل دفع به كـ«معطىً طبيعي» لأجساد وشخصيات النساء، وبالتالي «حاجة داخلية» و«طموح» مكمّل لكيانهن، ويفترض أن يتطلّعن جميعاً للقيام به من دون مقابل؛ للتقليل من قيمته واعتباره من المسلمات. وتُضيف فيديريتشي بأنّ هذه المنظومة تستمر من خلال تنشئة النساء على ذلك، وتربيتهنّ وتدريبهنّ على «الوداعة، والخنوع والاتكالية، والتضحية بالنفس ونكران الذات، وحتى الاستمتاع بذلك». 

وترى فيدريتشي أن تحويل العمل المنزلي إلى «عملٍ نابعٍ عن الحب» قد ساعد النظام الرأسمالي بطريقةٍ مباشرة؛ بحيث ضمن كميةٍ هائلةٍ من العمل المجاني من دون أجرٍ تقريباً، وأن تكون المرأة بعيدةً كلّ البعد عن النضال ضده، تسعى بحماسٍ إلى إنجازه بوصفه أفضل ما تقوم به في الحياة. تضيف الكاتبة أنّ مطالبة النساء بالأجور مقابل العمل المنزلي هو الخطوة الأولى نحو رفض القيام بتلك الأعمال؛ لأن طلب الأجور يجعل عمل النساء مرئياً، فنشاط المرأة الاقتصادي المُغيّب لا يكمن فقط في إعداد البيئة المناسبة واليد العاملة، وإنما في توفير العديد من التكاليف التي كان من المحتمل أن تُضاف إلى حِمل الأسرة الاقتصادي، مقابل الخدمات المتعلقة بالغسيل والكوي والطهي والإصلاحات المنزلية التي تتقنها النساء. وانطلاقاً مما سبق، يحملنا هذا الطرح للعمل على إعادة التفكير في الإدراك الاجتماعي العام لقيمة العمل المنزلي والمعايير التي تحكمه، ويصبح من البديهي أيضاً التفكير في ضرورة وضع أجرٍ للعمل النسائي المنزلي، واعتباره نشاطاً اقتصادياً يدخل ضمن حسابات الناتج القومي العام، والعمل على إعادة طرح تقسيمٍ عادلٍ يتضمّن خصوصيّة وديمومة الأعمال النسائيّة المنزليّة وآثارها المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد الوطني. من المهم هنا أن نذكر أنّ طرح وضع أجرٍ للعمل النسائي المنزلي يتوافق مع الرؤية الإسلامية لعمل المرأة، حيث لم يفرض الإسلام على المرأة أن تقوم بالأعمال المنزلية؛ من طبخٍ وغسيلٍ ورعايةٍ صحيةٍ واجتماعية.. إلخ، بل اعتبر المُشرّع الإسلامي أنّ نفقة الزوج على زوجته لا تلزمها بالأعمال المنزلية، بل هي نفقةٌ مخصصةٌ لها تشمل المسكن والمأكل واللباس2.

من المهم أيضاً ذكر أنه ليس لكلِّ عملٍ مأجورٍ فائدةٌ للمجتمع بالضرورة، أو قيمة أكبر من العمل غير المأجور، وإلا لتحولت مهنٌ كزراعة وتجارة المخدرات، أو الإتجار بالبشر، سيما النساء والأطفال، أو عمالة الأطفال أو تجارة السلاح، وغيرها من الأعمال، إلى أعمال قيّمة؛ لأنها تدرُّ الكثير من الأموال، إلا أن هذه الأعمال تمثل انتهاكاً للقيم المجتمعية والإنسانية والتشريعات والقانون.

انطلاقاً مما سبق، علينا أن ندرك حقيقة أن الأعمال المنزلية لم تُفرض على المرأة فحسب، بل هي تحولت إلى صفة طبيعية من صفات جسدها وشخصيتها الأنثوية، عوضاً عن اعتبارها عقداً اجتماعياً. بالمقابل، شكّلت ظروف العمل المنزلي غير المأجور السلاحَ من أجل تعزيز الفرضية العمومية القائلة بأن العمل المنزلي ليس عملاً، وبالتالي قطع الطريق أمام النساء للكفاح ضده. والحال أن اعتبار أنه من الطبيعي أن تكون المرأة ربّة منزلٍ يظهر من خلال حقيقة تهيئة المرأة لهذا الدور، وإقناعها القسري بأن الأطفال والزوج هم أفضل ما يمكن أن تتوقعه من الحياة.3

تقاسم النساء والرجال الأعمال المنزلية ضرورة للتنمية:

رغم أهمية الاتفاقيات الدولية التي تنادي بالمساواة بين الجنسين في تحسين ظروف العمل وردم الفجوة الاقتصادية بينهما، إلا أنّه لا وجود، حتى اليوم، لتشريعاتٍ تسلط الضوء على عمل المرأة المنزلي؛ حيث تتجاهل النُهُج الاقتصادية التقليدية، وكذلك البرامجُ الإنمائيةُ التقليديةُ الإسهاماتِ الاقتصادية التي تقدمها المرأة، وهنا نخصُّ التجاهل الكلي للقيمة الاقتصادية لعملها المنزلي والمحلي غير المأجور؛ إِذْ لا تظهر في الحسابات القومية وفي الإحصاءات السكانية. ولو حُسبت قيمة أعمال النساء بشكلٍ أوفى لاتّضح دور المرأة الكبير في عملية التنمية. وللقيام بذلك، يلزم اعتماد نُهُج جديدة وإعداد بياناتٍ أفضل تتعلق بالتنمية؛ تكون محسوبةً على التقسيم الجنساني بين النساء والرجال.

هناك حسابان للدخل المادي على مستوى الأسرة: حساب تقليدي، يأخذ بعين الاعتبار تقدير الدخل المنظور الناتج عن العمل المأجور، وهذا حساب ذكوري يظهر فيه الرجل المعيل الأساسي لأسرته. وحساب غير تقليدي، يؤكد أن العمل المبذول (طالما أنّ له قيمةً اقتصاديةً واجتماعيةً نافعةً للأسرة والمجتمع) له قيمة مالية؛ سواءً أكان مأجوراً أم غير مأجور. ويمكن حسابه وتقديره بأساليب وأدواتٍ إحصائيةٍ واقتصادية جديدة. ويبقى أن الأهم من هذه المقارنة هو العلاقة بين هذه الثنائية، والتساؤل إنْ كان العمل الإنتاجي سيكون ممكناً، وتطوّر المجتمعات سهلاً  لو تمّ توفير الدعم والتمكين النساء؛ من خلال الاعتراف بالأعمال التي يقمن بها، سواءً في المجال الخاص أو العام. النتيجة واضحة: لا يوجد نظام اقتصادي ولا عمل إنتاجي لولا دور النساء المنزلي الرعوي.

يجدر بالذكر أيضاً أنّ الكثير من الرجال يُحجمون عن تقاسم مسؤولية أعمال المنزل مع زوجاتهم أو شريكاتهم العاملات، وفي حال قاموا بذلك فإنه يُعتبر مكرمةً أو تطوعاً منهم. فبحسب التوقعات الاجتماعية وتقسيم الأدوار بين الجنسين، لا يُتوقع من الرجل العمل المنزلي عادةً، بل يعاب ذلك على الرجل الذي يتقاسم مع شريكته الأعمال المنزلية، ويُعتبر ذلك انتقاصاً من «رجولته»، وقد يتعرض للسخرية والتهكم. في حين، يُتوقّع العمل المنزلي من المرأة كامتدادٍ لدورها الإنجابي، وفي أحيان كثيرة قد «يساعد» الرجل المرأة في بعض المهام التي تقوم بها؛ كالمشاركة في تدريس الأطفال، أو شراء حاجيات المنزل، والقيام ببعض الأنشطة الخفيفة، بدلاً من قناعته بمسؤوليته المتساوية والمشتركة في القيام بها.

وهنالك مثالٌ حيٌّ من مصر؛ حيث قام المذيع تامر أمين بالسخرية من النائب والطبيبة رانيا علواني من خلال الترويج للصورة النمطية للمرأة العاملة والتقليل من قيمة عملها خارج إطار المنزل والمسؤوليات المنزلية، وقد قام المجلس القومي للمرأة بتقديم شكوىً إلى لجنة الشكاوى في المجلس الأعلى للإعلام ضد برنامجه، وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة من قبل المجلس الأعلى للإعلام في هذا الشأن.

وتلعب الأفكار الكلاسيكية حول الرجولة والأنوثة دوراً في سوق العمل، إذ قد لا يفضّل رؤساء العمل توظيف النساء المتزوجات لأنهنّ قد يفكّرن بالحمل، ويمكثنَ في المنزل عندما يمرض الأطفال؛ وبسبب عدم وثوقهم بقدراتهنّ على القيام بالمهام التي تتطلب مهاراتٍ عقليةً معينةً؛ كالقيام بالعمليات الحسابية أو الإحصائية والرياضية، وإيمانهم بأنهنّ لا يتمتعن بمهارات إدارية عالية في إدارة الكوادر. وبسبب ذلك لا نرى النساء يتولين مناصب عالية، رغم عدم وجود أيّ دليلٍ علميٍّ على صحة الاعتقاد بالفروقات العقلية بين النساء والرجال. 4

من جهةٍ أخرى، دعونا نفكر؛ ماذا لو تشاركَ كلٌّ من الرجل والمرأة أو تقاسما الأعمال المنزلية، لا سيما عندما تجد المرأة نفسها تعمل داخل المنزل وخارجه كالرجل تماماً. ما الذي يحدث حينها؟ ستجد المرأة نفسها أكثر تفرغاً للقيام بأعمال إنمائية وتمكينية أخرى، وللعناية بصحتها النفسية والبدنية، وتوفير الوقت لها للقيام بأنشطة مجتمعية واقتصادية وسياسية، وسينعكس ذلك على تربية الأطفال؛ حيث تبدأ دورة جديدة من التنشئة الاجتماعية، ويُخلَق الوعي لدى الطفل بأن المشاركة في الأعمال المنزلية جزءٌ من مسؤولياته مستقبلاً، دون تحميل الشريكة والزوجة جميل ذلك، وكسر دائرة الذكورة التي تنتقص من قيم الرجل الذي يتحمل مسؤولية الأعمال المنزلية. 

ويمكننا إذاً، بدءاً من هذا التحليل، أن نرى الأبعاد النضالية في طلب الأجور للنساء مقابل الأعمال المنزلية، ويرتبط هذا النضال أيضاً بالنضال من أجل الحقوق الإنجابية؛ لأنه على هذا الأساس فقط يمكن للمرأة أن تحصل على حقها في اختيار متى تريد أن تنجب أطفالاً. ويعني ذلك النضال من أجل ألا تكون النساء مجرد محامل حتى يتمكنَّ من تقرير ما إذا كنّ يرغبن في إنجاب أطفال، وأيضاً أن يحصلنَ على مساكن ذات نوعية جيدة بأسعار معقولة، ودور حضانة مجانية، ودخلٍ لائقٍ وكل ما هو ضروري ليخترن بحرّية أن يكون لديهنّ الأطفال.5

 

قوانين وسياسات تمييزية

على الرغم من القوالب النمطية الجنسية وواقع العبء الثلاثي، حققت النساء الكثير من الاكتشافات العلمية بعد حصولهنّ على فرص التعليم، ومنهنّ العالمة شادية رفاعي حبال، وهي عالمة فلك وفيزياء سورية- أميركية، وهي أيضاً بروفيسورة فيزياء الفضاء في جامعة ويلز ببريطانيا، وترأس تحرير المجلة الدولية الخاصة بفيزياء الفضاء. وقد ساهمت في إعداد أول رحلة لمركبةٍ فضائية إلى الهالة الشمسية، وفي تصميم كائنات آلية للاستكشافات الفضائية.

وأيضا، أدرجت مجلّة تايم الأميركيّة المعماريّة العراقيّة-البريطانيّة زُها حديد كإحدى أكثر الشّخصيّات تأثيراً في العالم. ولها اسمٌ كبير في مجال التّصميم المعماري، فهي أوّل إمرأة تحوز جائزة بريتزكر للعمارة؛ التي تعتبر جائزة نوبل للهندسة المعماريّة، حيث حازت عليها في عام 2004، كما أنّ زُها عُيّنت سفيرةً لليونسكو من أجل السّلام في 2010.

بالإضافة إلى ذلك، فقد حازت زُها حديد على وسام تقدير من الملكة البريطانيّة، بعد تصميمها مركز الرّياضات المائيّة لدورة الألعاب الأولمبيّة في لندن عام 2012. كما أنّ زُها كانت قد صمّمت المتحف القومي للقرن الواحد والعشرين في إيطاليا، بالإضافة إلى الملعب المخصّص للألعاب الأولمبيّة في طوكيو وستاد الوكرة المكيّف المُعدّ لكأس العالم 2022 في قطر، فضلاً عن الكثير من التّصميمات المعماريّة الشّهيرة. ولكن على الرغم من امتلاء مقاعد الدراسة في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والعمرانية والتكنولوجية وغيرها بالنساء، إلا أنّ فرص العمل غير متوفرة لهنّ بشكلٍ كافٍ في تلك الاختصاصات.

وهنالك أيضاً مثال الباحثة والمهندسة السورية دينا القتابي، التي لاقت فرصةً للتطور خارج البلد في الولايات المتحدة، حيث حازت على جائزة غرايس موراي هوبر للشباب المتميز، والمختصّة في علوم الكومبيوتر عام 2013، وجائزة  ACM لاختراعها جهاز لاسلكي يستطيع رؤية ما وراء الجدار. وقد حازت القتابي على شهادة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية والكهربائية من جامعة دمشق عام 1995، وهاجرت إلى الولايات المتحدة سنة 1999، وكرّمها الرئيس الأميركي باراك أوباما في آب (أغسطس) عام 2015؛ لاختراعها «نظام مراقبة العلامات الحيوية» أو Emerald. 

وتهمّ هنا الإشارة إلى ظاهرة تقدير الإمكانات النسائية من أصول عربية في الدول الغربية مقارنةً بالدول العربية، فمنذ فترةٍ قصيرةٍ تعرّضت الشابة السورية مرح الحمد لسخرية واستهزاء لجنة التحكيم في برنامج «نجوم العلوم»6 المخصص للاختراعات العلمية، إثر شرحها لعمل الآلة التي اخترعتها لفرز القمامة تلقائيًا باستخدام مستشعرات لكثافة المادة؛ إذ قام البروفيسور اللبناني فؤاد مراد بالتقليل من شأن الاختراع بعد أقل من دقيقةٍ من عرض مرح للفكرة بقوله: «كل هذا من أجل الزبالة!» وتابع بأن «العملية بطيئة ولا يمكن للمجتمع تقبّل هذا الاختراع برمي القمامة قطعةً قطعة»، ثم أتلف ورقةً، وقال: «أهذه آلة للعب أم لفرز القمامة؟» وبدأ برمي الورق على الأرض وعلى طاولات زملائه. فيما طلب البرفسور المصري عبد الحميد الزهيري من مرح أن تُغنّي، لأنه استشعر أنها تمتلك صوتاً جميلاً، عوضاً عن فكرة آلة فرز النفايات، فلبّت مرح طلبه وغنّت، وتابع البروفسور إقناعها بأنها ستنجح أكثر بالغناء، إلا أنها أصرت على حبِّها للاختراعات العلمية، ثم غادرت بعد أن أقصتها لجنة التحكيم من المتابعة في البرنامج.7

لا يخلو الأمر من بعض المنظمات التي تدعم مشاركة النساء في مجالاتٍ غير تقليدية، كالخوذ البيضاء (الدفاع المدني السوري في مناطق المعارضة)، إلّا أن دور النساء لا يزال غير مرئي، وذلك لإغفال، أو ربما تجنّب، ظهورهن الإعلامي. فيقتصر ظهور النساء في فيلم الخوذ البيضاء (36 دقيقة) على مشاهد عابرة وخجولة وسريعة لبعض النساء الهاربات من القصف، وأم أو زوجة المتطوع الرجل؛ مع العلم أنه في العام نفسه كان عدد النساء في الدفاع المدني يقارب 100 إمرأة. يُعزى هذا الغياب الإعلامي عادةً إلى البيئات الاجتماعية المحافظة، التي تُفضّل تغييب دور المرأة بشكلٍ كاملٍ على ظهورها في بيئة عملٍ مختلطةٍ تضاهي فيها قدرات نظرائها من الرجال . في حين حازت  النساء المتطوعات في الخوذ البيضاء على  تكريمٍ خارجيٍّ من لندن عام 2017، ضمن جائزة نساء العام .

بمعنىً آخر، لا يتوقف التمييز الجنسي فقط على مشاركة الأنثى أو الذكر في قطاع العمل، وبل يشمل أيضاً طبيعة تلك المشاركة، وكيف تخضع قوانين العمل وسياسات المؤسسات للصور والمعايير والأدوار النمطية لكلا الجنسين، وتعدّ قصة سفيتلانا ميدفيديفا مثالاً حيّاً على ذلك. درست سفيتلانا ميدفيديفا تخصّصَ الملاحة في الكلية، وتخرّجت كضابطة ملاحة في الاتحاد الروسي، لتحصل على وظيفة أحلامها عام 2012 كقبطانة في شركةٍ خاصةٍ للشحن جنوب روسيا، إلا أن الشركة فصلتها من العمل بعد ذلك بسبب نوعها الاجتماعي، وقيل لها إنها لا تستطيع الحصول على هذه الوظيفة، وذلك بحسب المادة 253 من قانون العمل الروسي واللائحة الحكومية رقم 162، التي تدرج منصب قبطان السفينة كواحدة من الوظائف الـ456 التي تُعتبر شاقةً للغاية أو ضارةً أو خطرةً على النساء، ومنها أيضاً العمل كسائقة مترو أو عاملة منجم أو عاملة إطفاء، ما لم تحكم لجنة خاصة على شروط العمل بأنها آمنة.

اعترضت سفيتلانا على هذا الإجراء، ورفعت دعوى قضائية أمام المحكمة الجزائية ضد الشركة لإلزام المدعى عليه بتوظيفها والاعتراف برفضهم الأولي كقضية تمييز، إلا أن القضية رُفضت بدايةً من قبل محكمة محلية، ثم من قبل محكمة إقليمية استئنافاً. وبعد عام، تقدّم محاموها بشكوى إلى اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) باعتبار أن روسيا طرفٌ فيها. وفي عام 2016 أقرت الأمم المتحدة بأن رفض الشركة توظيفها يشكّل تمييزاً مبنياً على النوع الاجتماعي، واعتبرت أن قائمة «المهن المحظورة على النساء» تشكّل انتهاكاً لحقوق النساء، لكنّ الاعتراف الدولي لم يؤدّ إلى تغيير التشريع أو إلغاء القائمة، بل تم رفض قضية سفيتلانا مرة أخرى من قبل محكمة المقاطعة، إلى أن ربحت الدعوى في 2017 واعترفت المحكمة بأن رفض الشركة لسفيتلانا كان تمييزاً مبنياً على النوع الاجتماعي. وفي حديثها مع The Moscow Times، تقول: «هذا هو النصر الأول ضد قائمة المهن المحظورة»، وتأمل سفيتلانا أن يمهد هذا النصر الطريق أمام النساء الروسيات اللواتي يقاتلن للحصول على مهنة تندرج تحت ما يسمى «مهن للرجال»، لكنّ الحظر ما يزال سارياً، ولم تمنح المحكمة الجزء الثاني من قضيتها، والذي هو إلزام شركة الشحن بتوظيفها، لذلك تعمل سفيتلانا في وظيفة مختلفة.8

عالمياً، هناك أكثر من 2.7 مليار امرأة تحت نفوذ قيود قانونية تعيق الحصول على حق اختيار الوظائف مثل الرجال9.ويشير تقريرٌ بيانيٌّ لمنظمة العمل الدولية إلى أن معدل المشاركة العالمية في القوى العاملة الحالي للنساء يقترب من 49%، في حين أنه 75% بالنسبة للرجال؛ أي أنّ فجوة المشاركة بين الجنسين في العمل الإنتاجي تعادل 26%، وتواجه بعض المناطق فجوةً تزيد عن 50%، كما في مصر (51.5%) والعراق (55.4%). ويقول التقرير، الذي يحمل عنوان الفجوة بين الجنسين في العمل: ما العوائق التي تعرقل النساء؟ إنه: «في شتى بقاع العالم يعدّ حصول المرأة على وظيفة أصعب بكثير من حصول الرجال عليها، وعندما تحصل النساء على وظيفة فإنهنّ في الأغلب يعملن في وظائف ذات جودة متدنية، وتحت ظروف غير مستقرة، ومن غير المتوقع تحسّنُ هذا الوضع في المستقبل القريب». 

بالإضافة إلى ذلك، ترى مونيك جان مورو، الرئيسة التنفيذية في شركة سيسكو (Cisco)، والتي اعتبرت من بين أكثر 10 نساءٍ نافذاتٍ في مجال تكنولوجيا المعلومات في أوروبا عام 2014، أن السبب الآخر الذي يدفع النساء للابتعاد عن هذه المجالات هو عجزهّن عن القيام بذلك من دون أن يخسرن هويتهن، وأنهن إن خضنَ معترك التكنولوجيا، يخسرن أنوثتهنّ. لافتةً إلى أنها ابتكرت نحو 9 نماذج تكنولوجية، والنساء ابتكرن الكثير خلال العقود المنصرمة.

كما يوضح تقرير منظمة العمل الدولية أن مشكلة الفجوة بين الجنسين تبرز على وجه الخصوص في بلدان  إفريقيا والدول العربية، حيث تتجاوز معدلات البطالة بين النساء 20%. وفي حين ينتشر العمل غير المستقر بين النساء والرجال على حد سواء، نلحظ زيادة تواجد النساء في بعض أنواع الوظائف الهشّة؛ إذ يعمل الرجال على الأرجح لحسابهم الخاص، وتساعد النساء إما داخل أسرهن أو بالعمل في مشروع تجاري يديره أحد الأقارب. كما أن خيار النساء وتفضيلهنّ للعمل مدفوع الأجر يتأثر بشدة بالقيود الاجتماعية والاقتصادية، والضغط عليهن كي يمتثلنَ للأدوار التقليدية المخصصة للرجال والنساء. ويبين التقرير أن  20% من الرجال و 14% من النساء على مستوى العالم ما زالوا يؤمنون بأنه من غير المقبول  للنساء أن يعملن في وظائف مدفوعة خارج المنزل. و ذكرت العديد من النساء أن أسرهنّ لا توافق على قراراتهنّ بالعمل خارج المنزل.10

ولا تزال بعض الدول تمنع النساء من العمل في  وظائف معينة، أساساً في قطاعات مثل التصنيع والنقل والتعدين والبناء والطاقة والمياه، باعتبارها خطيرةً عليهنّ11بدلاً من توفير بيئة عمل آمنة للجميع وأخذ احتياطات تضمن السلامة العامة. حسب البنك الدولي، هناك 104 اقتصادات لديها قوانين عمل تُقيّد أنواع الوظائف التي يمكن للنساء القيام بها، ومتى وأين يُسمح لهنّ بالعمل، وتمارس القوانين الخاصة بعمل النساء أشكالاً مختلفة من التمييز ضدهنّ، ففي 123 دولة لا وجود لقوانين ضد التحرش الجنسي في مجال التعليم، و59 دولة لا قوانين فيها ضد التحرّش في مجال العمل، وفي 18 دولة يمتلك الأزواج الحق القانوني في منع زوجاتهم من العمل، وهناك 4 دول تحظر على النساء تسجيل شركاتهن.12

وتحدد الكثير من الدول ساعات العمل المقبولة للنساء، فتحدّ من قدرتهنّ على العمل ليلاً؛  ففي مومباي لا يمكن لصاحبات المتاجر العمل حتى وقتٍ متأخّرٍ مثل نظرائهنّ من الرجال، ولا يُسمح للنساء الماليزيات بنقل البضائع والركاب في الليل، وكذلك الأمر في سوريا والسعودية وغيرها من الدول في منطقتنا؛ إذ تُمنع النساء من العمل ليلاً أو يُحدد عملهنّ بشروطٍ خاصة.

وقد كانت بداية منع النساء من العمل ليلاً في بريطانيا عام 1844، وتبعتها سويسرا عام 1877، ثم نيوزيلندا والنمسا وهولندا وفرنسا، وجاء هذا المنع كإجراء لحماية النساء والأطفال باعتبارهم فئةً خاصّةً من عمال المصانع بحاجة لحماية خاصة، دون اعتبارهم قادرين على اتخاذ قرارات صائبة. فقد كانت النساء تعتبر أضعف جسدياً من الرجال وأكثر عرضة للاستغلال، وذوات دور رئيسي كأمهات ومُدبّرات منازل. وتجسدت فكرة حماية النساء من ظروف العمل الشاقة في مقدمة دستور منظمة العمل الدولية (من الضروري جداً تحسين ظروف العمل، فعلى سبيل المثال ضمان حماية الأطفال والشباب والنساء عن طريق تنظيم ساعات العمل).13. ويقول تقرير البنك الدولي «نحو مساواة جندرية في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ»، الصادر عام 2012، إنه بتطوير ظروف العمل في المهن الخطرة وتمرير قوانين عمل تضمن صحة وسلامة العمال تنتهي الحاجة لهذه التقييدات، ويمكن الاستغناء عنها.14 هذا عدا عن فجوة الأجور بين الجنسين، فحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تحصل النساء عالمياً على 77 سنتاً مقابل كل دولار يحصل عليه الرجال، وتصبح الفجوة أكبر أمام الأمهات.15 يُلاحظ ذلك حتى في الأعمال ذات القيمة الواحدة، ففي عام 2018 حصلت النساء على متوسط دخل أسبوعي أقل من الرجال في معظم المهن التي وصل مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية إلى بيانات أرباح الرجال والنساء فيها.16 

قوانين وسياسات العمل في سوريا

في سوريا لا يختلف الوضع القانوني عمّا سبق سرده، فبحسب قوانين وأنظمة العمل «نظام تشغيل النساء، الظروف والشروط والأحوال التي يتم فيها تشغيل النساء والحقوق المترتبة على صاحب العمل»، والذي تمّ نشره على موقع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية عام 2018، لا يمكن للنساء العمل ليلاً إلا في ثمانية أعمال تم تحديدها مسبقاً، وهي العمل في المستشفيات والمصحّات والعيادات والصيدليات، ووسائل الإعلام، وأعمال الإدارة والأعمال ذات الصفة الفنية، والمحال التجارية والمهن الحرة، والمسارح وصالات الموسيقى، وشركات الطيران الخاصة ومكاتب السياحة، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والفنادق والمطاعم. أما في غير تلك المجالات، فعمل النساء بها ليلاً يتطلب شروطاً خاصة. وهناك 22 مهنة وصناعة تُمنع النساء في سوريا من العمل بها؛ كصناعة الإسفلت أو الأسمدة أو المفرقعات وغيرها.17

وتتجاهل قوانين العمل وأنظمتها الأسباب الرئيسية التي تجعل من وظيفة ما خطيرةً على النساء، فتقوم بمنعهنّ من ممارستها بدلاً من العمل على تطوير بيئة العمل وتوفير الحماية والوقاية من أية مخاطر أو إصابات محتملة، وتغضّ الدولة النظر عن ضرورة العمل على إنهاء العنف المبني على النوع الاجتماعي وتحسين الأمن والأمان العامين في البلد لضمان سلامة العاملات والعمال في جميع الأوقات داخل وخارج مكان العمل. وتبرّر تلك الأنظمة سَنَّ قوانين العمل التمييزية ومنع النساء من ممارسة مهن معينة بأن ذلك لصالح النساء وحفاظاً على صحتهنّ وقدرتهنّ الإنجابية، دون أخذ خيارات النساء المختلفة بما يخص الإنجاب من عدمه بعين الاعتبار. هي المبررات نفسها التي وجدتها سفيتلانا عند إطْلاعها على أسباب منعها من العمل كقبطانة، وتقول: «لا يمكن اعتبار ذلك كمسألة لحماية صحتنا الإنجابية، في وظيفتي (قبطانة) هناك خطر أن أصبح صمّاء، ولكنه غير واضح على الإطلاق ما هي علاقة ذلك بخصوبتي». يمكن التنبّه إلى عدم واقعية الحجج التي تقدمها الأنظمة التمييزية في كثيرٍ من الأحيان من خلال منعها النساء من العمل في وظائف معينة، تحمل درجة الخطورة نفسها على الجنسين.

أما بخصوص سياسات العمل المستجيبة للنوع الاجتماعي، فقانون العمل السوري نصّ على واجبات مترتبة على صاحب العمل تجاه العاملات الحوامل أو المرضعات، كإعفائهنّ من أعمال تعرضهنّ لمواد كيميائية أو إشعاعية، وتوفير إجازات الأمومة وتخصيص فترات للرضاعة أثناء العمل، وتوفير حضانات للأطفال وفق قواعد محددة وغيرها، لكنّ الكاتبة ميّة الرحبي تقول في كتابها النسوية: مفاهيم وقضايا: «يعتبر البعض أن هذه القوانين المتعلقة بالأمومة هي تمييز إيجابي لصالح المرأة، بينما هي في الحقيقة تمييز إيجابي لصالح المجتمع، كون الإنجاب مسألة تتعلق بالمجتمع ككل وليس بالمرأة وحدها».18 ويبدو هذا منطقياً بالنظر إلى أنّه لا توجد في المقابل سياسات وقوانين ضد التحرش أو الاعتداء الجنسي، أو لتوفير بيئة آمنة لجميع النساء العاملات، أو للمساواة في الأجور والفرص. كما تعتبر هذه القوانين الأطفال مسؤولية الأمهات وحدهنّ، فلا تتطرق لإجازات الأبوة أو توفير حضانات لأبناء الموظفين. ولحججٍ مختلفةٍ لا تُطبق أغلب المؤسسات سياسة «إجازة الدورة الشهرية»، وبالطبع ليس لها وجود في قانون العمل السوري. تُبرر بعض المؤسسات وأنظمة العمل ذلك بالتأثير الاقتصادي السلبي الناتج عنها، وفي هذا الصدد يقول هيون جونغ لي، أستاذ علاقات التوظيف والسلوك المؤسسي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في حديثه لموقع فايس: «الحصول على إجازة لمدة يوم واحد في الشهر لن يكون له أي تأثيرٍ مالي على مكان العمل، من وجهة نظري. على الورق، إذا نظرت إلى السياسة، قد تظن أنه إذا أخذ عددٌ كبيرٌ من القوى العاملة يوم إجازة إضافي مرة واحدة في الشهر، فإن ذلك قد يكلّف الشركة كثيراً، ولكن يجب أن نأخذ في الحسبان التأثيرات الإيجابية التي قد تحدثها مثل هذه السياسة على رفاهية الحياة والسعادة والإنتاجية». يعتبر البعض أن هذه السياسة منافية لمبادئ المساواة بين النساء والرجال، وأنها تفترض ضعف النساء والتقليل من قدراتهنّ، في حين أنها سياسة مستجيبة للطبيعة الإنسانية في المقدمة، وليس لجنسٍ على اعتباره أضعف أو أقل. وجديرٌ بالذكر أيضاً التمييز والتهميش للنساء ذوات الإعاقة في أماكن العمل وقوانينه وأنظمته؛ حيث تشير دراسة مواضيعية للجمعية العامة للأمم المتحدة، صادرة عام 2012، إلى أن «العديد من التحديات التي تواجهها النساء ذوات الإعاقة تواجهها أيضاً المرأة بشكل عام؛ مثل انعدام المساواة في إمكانية الحصول على عمل، والتحرش في مكان العمل، وتدني الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية. بيد أن التحديات التي تواجهها النساء ذوات الإعاقة المتصلة بصعوبة الحصول على عمل والتكاليف الإضافية المرتبطة بالإعاقة وعدم تحكمهنّ في أملاكهنّ أو نقودهنّ بسبب قوانين الأهلية القانونية، كثيراً ما تجعل وضعهنّ غير مواتٍ بشكلٍ مضاعف في الحياة العملية. وفي البلدان القليلة التي تتاح فيها البيانات المتعلقة بالعمل، موزعةً حسب الإعاقة ونوع الجنس ونوع العمل، تبدو المرأة باستمرار أقل تمثيلاً في جميع فئات العمل، مع تمثيلٍ متدنٍّ بشكلٍ فاضحٍ في المناصب الإدارية».

ينطبق الأمر نفسه على النساء الأكبر سناً، اللواتي يواجهن تمييزاً مضاعفاً على أساس جنسهنّ وعلى أساس عمرهنّ. وفي حين أن كبار السنّ من كلٍ من النساء والرجال يتعرضن/ون للتهميش في سوق العمل، إلا أن النساء يواجهنه بشكل أكبر، فقد أظهرت دراسةٌ أن النساء الأكبر سناً يواجهن صعوبةً أكبر في العثور على وظائف مقارنةً بأقرانهنّ من الذكور، حيث يتعرّضن للتهميش في أماكن عملهنّ عندما يتعلق الأمر بالفرص التدريبية والترقيات، أو يتم استبعادهنّ تماماً واستبدالهنّ بفئاتٍ أصغر سناً، وطرحت الدراسة فرضيتين حول الأسباب: الأولى هي أن القوانين الخاصة بالتمييز لا تتعامل بفاعلية مع وضع النساء اللواتي يواجهن تمييزاً على أساس الجنس والسن؛ والثانية تتعلق بتركيز المجتمع على المظهر الجسدي للنساء.19 وبالفعل فإنّ النساء الأكبر سنّاً يتلقيّن تقييماتٍ أكثر سلبية مقارنةً مع الرجال، وذلك على اعتبار أن جاذبية النساء الخارجية -كأثمن ما يملكن على الصعيد الاجتماعي- تتناقص مع التقدم في العمر، في حين أن أثمن مقدرّات الرجال، وهي قدرتهم20 على الكسب والإنجاز تتزايد. يلعب التمييز الجنسي والمعايير المزدوجة في الحكم على قدرات الرجال والنساء دوراً مهماً، فبعكس الرجل، يُعتبر تقدم المرأة في السن معياراً لعدم أهليتها، لا دليلاً على تراكم خبراتها ومعارفها، فتجد النساء أنفسهنّ في ظل تلك التداخلات التمييزية مضطراتٍ لإثبات أهليتهنّ عن طريق نيل شهاداتٍ والحصول على خبرات أعلى من المطلوب لنيل الاعتراف، مما يضعهنّ تحت ضغط إضافي غير الذي يسببه تقليص المساحة أمامهنّ للمشاركة في الفضاء العام والحدّ من ثروتهنّ الاقتصادية.

وتذكر مية الرحبي في المرجع السابق نفسه عدّة عقبات ترى أنها تقف أمام تطبيق قوانين العمل في سوريا منها:

- عدم تسجيل الكثير من النساء العاملات في القطاع الخاص في الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتالي وقوعهنّ تحت رحمة أرباب العمل وحرمانهنّ من تطبيق مواد قانون العمل التي تحميهنّ.

- عمل النساء لدى أسرهنّ دون أجر، أو تشغيل أسرهنّ لهنّ لدى الغير، وقبض ثمرة أتعابهنّ من قبل أسرهنّ.

- تجاوز أرباب العمل، وحتى المدراء في القطاع العام، ما يرد في القانون، وتفضيل الرجال لأداء الوظائف الهامة، أو شغل المراكز الإدارية21.

يحدّ وجود قوانين وسياسات غير حسّاسة للنوع الاجتماعي وغير ناظمة لبيئة العمل في المؤسسات بما ينعكس بشكلٍ إيجابيٍّ وعادلٍ على حياة المنزل من فرص قبول النساء في العمل، بحجة أن المرأة مرتبطة ولديها واجبات منزلية وعائلية، أو كطريقة للتهرب من توفير إجازة الأمومة (بالطبع دون أي اعتبار لإجازات الأبوّة)، أو من الخوض في نقاشاتٍ أو مفاوضاتٍ حول ساعات عمل أكثر مرونة. وتُستخدم هذه الحجج وغيرها لتعطيل قدرة النساء على التدرج في مناصب العمل والحصول على ترقيات أو فرص لتطوير مهاراتهنّ. كما أنّ استنفاد طاقة النساء في المنزل تدفع بهنّ للإقبال على العمل في قطاع  التعليم؛ لأن ساعات العمل فيها قليلة مقارنةً بالعمل في المجالات الأخرى، بهدف أن يتمكنّ من التوفيق بين العمل في المنزل والعمل خارج المنزل. ومما لا شك فيه أن العمل خارج المنزل يمنح النساء فرصاً أكثر ويفتح لهنّ باب الاستفادة من التجارب والخبرات الحياتية المتنوعة، كما أن الاستقلال الاقتصادي له الدور الأهم في التمتع باستقلالية وخصوصية شخصيتها. ولكن، في مجتمعاتنا، ورغم انخراط النساء في العمل، لا تزال الكثير من النساء العاملات تحت وصاية الرجل، أباً كان أم أخاً أم زوجاً، أو أي وصاية أخرى، فهي لا تملك حتى حق التصرّف براتبها الشهري، بل يُعتبر ملكاً للعائلة ويُصرف عليها، فيُسلّم الراتب للزوج أو الأب أو الأخ الذي يقوم بتحديد مصروفها أحياناً.

وقد بدأت العديد من التنظيمات المدنية بالعمل على توعية النساء بحقوقهنّ، بالإضافة إلى مؤسسات الإدارة الرسمية من الهيئات الرسمية و الخدمية التابعة للإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، التي تقوم بتنظيم اجتماعات دورية خاصة بالنساء لتوعيتهنّ والوقوف على التحديات التي يواجهنها في أماكن العمل، من دون أن تقوم بسن تشريعات تعتبر العمل داخل المنزل عملاً مأجوراً أو تصدر إجراءاتٍ تُلزم الرجال على تحمل مسؤولياتهم في عمل المنزل ورعاية الأطفال. وحتى في أمور الملكية، فالقانون السوري يمنح النساء الحق في الميراث، لكنّ  النساء في المناطق الكردية كنّ محروماتٍ من هذا الحق بحكم العرف الاجتماعي، إلا أن التغييرات القانونية التي قدّمتها الإدارة المسيطرة على المنطقة نصّت على حق المرأة في الميراث مناصفةً مع الرجل، وقد نصّ المبدأ 14 من قانون هيئة المرأة بالإدارة الذاتية على التالي: «المساواة بين الرجل والمرأة في كافة المسائل الإرثية، وينظم ذلك وفق قانونٍ خاصٍّ بالمسائل الإرثية»، وليس كما هو منصوصٌ عليه في التشريع الإسلامي. كما أنّ قانون الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية، الصادر في عام 2011 يعطي للمرأة والرجل حقاً متساوياً في الإرث عبر كامل الأراضي السورية. ولكن، رغم أنه بات في إمكان الكثيرات من  النساء التمتّع بحرية الإنفاق من مستحقاتهنّ المالية، ما زالت هناك العديد من العوائق المجتمعية أمامهنّ، كالوصمة التي ستلاحقهنّ إنْ طالبن بحقوقهن في الميراث أو تصرفنَ براتبهنّ من دون إعلام الوصيّ عليهنّ.

خلال الأعوام التسعة الماضية، وفي الوقت الذي ماتزال فيه معظم الطبيبات والمعلمات يمارسن أعمالهنّ، فقدت شريحةٌ واسعةٌ من النساء المتعلمات والمتخصصات في مجالات متنوعة (محاماة، هندسة، اقتصاد، علوم تطبيقية) إمكانية العمل في  مجال دراستهنّ بسبب ظروف الحرب وانعدام البيئة الآمنة لممارسة المهن وعدم وجود شواغر تتناسب مع رغباتهن، وتحوّل أغلبهنّ إلى التدريس أو إلى مهن أخرى22، ويشكّل هذا الحضور في أغلب الأحيان حضورا شكليّاً بعيداً عن التخصصات.

بطبيعة الحال، لا ينطبق هذا على جميع النساء في مختلف المناطق في سوريا؛ إذ تشهد المناطق الخاضعة للنظام انخراط المرأة في مهن غير اعتيادية نتيجة انشغال الرجال بالحرب، أو بحكم الأعراف الدينية والاجتماعية التي تفصل الذكور عن الإناث، ما يوّلد الحاجة لتأهيل نساء لتقديم الخدمات المختلفة لنساء أخريات، بما في ذلك خدمات غسيل السيارات وتصليح الأنابيب الصحيّة والنِجارة، وغيرها الكثير من المهن التي كانت، وما تزال إلى حدٍّ كبير، حكراً على الذكور. غير أنّ هذا، وإن دلّ على شيء فإنه يدّل على أهلية النساء لأداء تلك المهمات، وبالتالي فإن التقسيم التقليدي لنوع العمل بحسب الجنس هو محض وهمٍ لا أساس علمياً له، كما أنه يُبرز بشكلٍ لا يدعو للشك المعايير المزدوجة التي يتبناها المجتمع حول عمل ما بحسب جنس من ي/تقوم به، لا جودة العمل نفسه، ويكشف المزاجية التي تسمو إلى حدّ النفاق في تحديد قدرات النساء بحسب الحاجة، فيختفي جدل الفروقات البيولوجية عند الحاجة إلى تعزيز الفصل بين الجنسين. 

تشير دراسة لسيدات سوريات لجأن إلى الأردن على فتراتٍ مختلفةٍ منذ بدء الثورة السورية، إلى أنّ «28 % من العائلات السورية اللاجئة تقودها امرأة، منها 35 % تعمل فيها ربة الأسرة غالباً في أعمال منزلية عند عائلات أردنية»، وقد استندت الدراسة إلى 150 امرأة عاملة23، بينما تُظهر تقارير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين «أنّ أكثر من 145 ألف سوريّة في بلدان اللجوء يُدرن أمور بيوتهن». غير أن هذه الأرقام لا تعكس واقع المرأة العاملة في سوريا بشكل وافٍ، فقد ساهمت  ديناميكيات الحرب في تغييرٍ مهمٍّ في الأدوار الجندرية، فنرى النساء مقاتلاتٍ ومنقذاتٍ في الدفاع المدني وفاعلاتٍ في المجتمع المدني ومعيلاتٍ أساسياتٍ للعائلة. ومن غير الواضح مدى استدامة هذه التغيرات، حيث يعتمد استمرار النساء في التمتع بحقوقهنّ والحفاظ على أدوارهنّ الجديدة على تداعيات المرحلة الانتقالية وتحقيق العدالة على جميع المستويات في الدولة الجديدة.

يستحق توجه الكثير من النساء السوريات في الفترة الماضية للتطوع كبديلٍ عن العمل، حتى لو كان بغير التخصص الأساسي، الذكر والإشارة، وذلك لازدياد فرص التطوع لكلا الجنسين بنسبةٍ كبيرةٍ نتيجة أزمة اللجوء وتوجّهات المنظمات للمشاريع الإنسانية داخل سوريا ودول الجوار، مع التركيز على استهداف النساء أكثر من الرجال في المشاريع، التي يرتبط أغلبها بدور الرعاية ومشاريع تمكين المرأة. هذا البديل كان في كثيرٍ من الأحيان دون أجرٍ مادي، أو مع أجور بسيطة لا تتناسب في معظم الحالات مع حجم العمل، وذلك لعدم وجود قوانين واضحة ناظمة لعملية التطوع، مما جعل نسبةً كبيرةً من المنظمات تتهرب من مسؤولياتها القانونية؛ كالرواتب أو بما يعرف (البدل المالي)، أو تأمين عقود عمل نظامية أو حتى ضمان اجتماعي أو تأمين صحي، مما يضيف ضغط خسارة العمل في أية لحظة على المتطوعات/ين  لعدم وجود ما يضمن حقوقهن/م.

مع وجود هذا الواقع، وميل المجتمع للسماح للنساء القيام بأعمال غير تقليدية عند الحاجة لترسيخ الفصل بين الجنسين، تُوضع الادعاءات حول الاختلافات «الطبيعية» بين الجنسين موضع شك، فقدرةُ النساء على القيام بالعمل نفسه غير محدودة بطبيعتها، كما يبدو، وإنما الخشية من قدرات النساء ومنافستهنّ لنظرائهنّ الذكور عند اعتبار الكفاءة، لا الجنس، معياراً. 

دخول المرأة في سوق العمل: تمكين أم استغلال؟

يخلق المجتمع أدواراً محددةً للنساء ويحدهنّ في إطار قوالب لا يُقبل غيرها لهنّ في مختلف الفضاءات، فيحد من مساهمتهنّ في سوق العمل أو الفضاء العام أو فرص التطور الشخصي على أصعدة مختلفة، ليضعهنّ في خانة الضعف وعدم المعرفة، وبالتالي عدم الأحقية في استلام مناصب إدارية وقيادية وسياسية عالية؛ لارتباطهنّ بالواجبات المنزلية أو لكونهنّ «أقل» كفاءةً وقدرةً على التفكير المنطقي العقلاني. في هذه الحلقة المفرغة، توضع النساء تحت عدسة مجهر المجتمع الذي يحكم عليهن بعدم فعاليتهنّ أو قدرتهنّ على الإنجاز في سوق العمل تارةً، أو يلقي عليهنّ اللوم لعملهنّ خارج المنزل بدلاً من صبّ جلّ اهتمامهنّ على عوائلهنّ تارةً أخرى.

لا شك أن السنوات التي  تلت بدء الثورة في سوريا قد ساهمت بتغيير قرارات النساء، فالعديد منهنّ تمرّدن على واقعهن، ولكنّ ذلك لم يعفِهنَّ من الاستغلال والنمطية في المهن التي تَقلَّدنَها، ومن محدودية مشاركتهنّ في الحياة السياسية وحاجتهن للتدريب المستمر، وإن كانت كثيرات من النساء قد كسرنَ الصورة النمطية وتمتّعنَ باستقلاليةٍ أفضل مما قبل. لا بد أن يكون هناك تغييرٌ فاعلٌ، وتغييرٌ في القوانين والدساتير للمرحلة التي ستلي الحرب القائمة، لأن الفوضى العامة تهدد أي خطوة وتحديث  في ظل التشرذم والتقسيمات الإدارية التي تختلف من منطقة لأخرى بسبب الإدارات المختلفة.

تنبّه كلٌّ من ماركس وإنجلز لاضطهاد النساء، وأدركا حتى في كتاباتهما الأولى أنّ اضطهاد النساء أمرٌ ملازمٌ للنظام الرأسمالي، مشيريْن إلى دور المرأة الدونيّ في الأسر المالِكة لرؤوس الأموال. ففي البيان الشيوعي المنشور عام 1848، جادلا بأنّ رجال الطبقة الحاكمة يضطهدون زوجاتهم، مصرّحيْن: «لا يرى البرجوازي في امرأته سوى أداة إنتاج» .24

وانطلق إنجلز في مؤلفه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، والذي نُشر لأول مرة عام 1884، من الفهم المادي للتاريخ، الذي يقول إنّ التحول في أسلوب الإنتاج يؤثّر على شكل العلاقات بين الرجال والنساء.25 وأشار إلى أن النظام الرأسمالي يعتبر المرأة والطفل من أدوات الإنتاج، وقد يدرّان مزيداً من الربح في حال استغلالهم/ن.

يتفق ما تحدث عنه إنجلز مع  ما أشار إليه ماركس بدوره؛ حيث يرى أن تغير أنماط الإنتاج في الدول الرأسمالية، ومحاولة الرأسماليين الدائمة للرفع من معدل الربح، قد أدى إلى تزايدٍ مستمرٍّ في تشغيل النساء واليافعين، الذين يتعرضون لأسوأ أنواع الاستغلال، ويعملون مقابل أجورٍ أقل، وفي ظلّ شروطٍ سيئة .26

غير أنّ الفكر الاشتراكي وحده لا يجعل من عمل المرأة تمكيناً، إنما يحتاج إلى عدسة حسّاسة للنوع الاجتماعي والعلاقات الهرمية بين الجنسين. مثلاً، تقع مناطق شمال شرق سوريا تحت سيطرة الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث يتبنّى الحزب المؤسس (حزب الاتحاد الديمقراطي) الإيديولوجية الاشتراكية، وتُساوي الإدارة في قوانينها وتشريعاتها بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، وقد نصت المادة 12 في العقد الاجتماعي على الآتي: «تعتمد الفيدرالية الديمقراطية  لشمال سوريا نظام الرئاسة المشتركة في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والإدارية وغيرها، وتعتبرها مبدأً أساسياً في التمثيل المتساوي بين الجنسين». كما أن هيئة المرأة هي إحدى هيئات الإدارة الذاتية، ونصت المادة الأولى  من المبادئ الأساسية لهيئة المرأة على: «المساواة بين الرجل والمرأة في كافة مجالات الحياة»، كما جاء في المادة الثامنة  من المبادئ الأساسية لهيئة المرأة في مقاطعة الجزيرة: «المساواة بين الرجل والمرأة في حق العمل والأجر، ويُنظّم ذلك وفق قانون العاملين في الإدارة الذاتية الديمقراطية»، كما نصت هيئة الثقافة على أنّ من مهام الهيئة «تعزيز دور المرأة وتفعليه في جميع المؤسسات في المقاطعة و إعطائها أهمية خاصة». 

تشجّع الإدارة الذاتية الديمقراطية في المناطق الكردية النساء على العمل خارج المنزل والمساهمة في عمليات الإنتاج، مستلهمةً من قول لينين أنّ: «مساهمة المرأة في العمل المأجور هي نقطة انطلاق وشرط التحرر السياسي والقانوني والجنسي للنساء». وصلت النساء الكرديات إلى مستوى أفضل من نظيراتهن في المنطقة من عرب وسريان، خاصةً في السنوات الأخيرة؛ من ناحية التعليم والعمل وإمكانية السفر والمشاركة في الحياة العامة، فتغيّرت حتى الكلمات التي كانت تُستخدم للدلالة على المرأة، فاستُبدلت كلمة Pireke (نسوان، حريم) بـ Jin (امرأة). 

وبالرغم من هذه الوفرة في التشجيع، والسند القانوني المتاح، ورغم ارتفاع نسبة مشاركة النساء في القطاعات المختلفة، لا تزال التساؤلات قائمة حول نوعية ذلك التمثيل ومدى انعكاساته الإيجابية على حياة النساء لتضمينها العناصر التي لا تزال تساهم في إعادة إنتاج علاقات القوى والحفاظ على مظاهر اللامساواة بين الجنسين: كفصل العمل المنزلي عن عجلة الإنتاج، وغياب سياسات وتشريعات تعالج دور الرجل في عمل الرعاية والعمل المنزلي، بالإضافة إلى التأكد من إزالة جميع العقبات أمام مشاركة «فعّالة» للنساء من خلال العمل على المعتقدات الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالأنوثة والذكورة، والقيمة المضافة لكلا الجنسين، وضمان الفرص المتساوية لمراكز صناعة القرار، والتوزيع العادل للموارد وحفظ حق التحكّم بتلك الموارد. كما قالت الكاتبة و الناشطة المدنية ماريا عباس: «إنّ الواجبات الحياتية اليومية وطبيعة عمل المرأة في تربية الأولاد والاهتمام بأمور المنزل، هذه كلها عناصر تفرض عليها البطء في الإنجاز»، فتزيد الضغوطات النفسية والاجتماعية على المرأة العاملة، ليتحوّل النقاش بين أن تستمر بالعمل وتتحمل ساعات العمل الطويلة داخل وخارج المنزل، وبين ترك العمل خارج المنزل والتفرغ لتربية الأطفال. 

بمعنىً آخر، لم تلتفت قوانين الإدارة الذاتية، كما هي بقية القوانين في سوريا، لا إلى تقدير القيمة الاقتصادية لعمل المنزل، ولا إلى مشاركة الرجل في العمل المنزلي وتربية الأطفال. فمن ناحية، عندما يبدأ الرجل في تحمل مسؤولياته المنزلية يصبح قادراً على فهم احتياجات أفراد عائلته؛ مما يخفف من حجم العبء النفسي والجسدي والعقلي على المرأة ويدفعها للتركيز على عملها، كما يفسح المجال أمامها للمشاركة في الحياة السياسية بشكلٍ أفضل، وبعيداً عن الوصمة الاجتماعية بالتقصير، التي تدفع غالبية النساء إلى تفضيل الالتزام المستمر إزاء أسرهنّ ورعايتها. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الاعتراف بالعمل المنزلي كعمل، هو إنصاف للجهد الذي تبذله النساء بشكلٍ يوميٍّ للمحافظة على استمرار عمليات الإنتاج.

بالرغم من أهمية دعم النساء في كسر النمطية والتقسيم الجندري للعمل وتشجيعهن على تقلّد مناصب الإدارة ومواقع اتخاذ القرار العليا، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، فإنّ على هذا الدعم أن يبدأ منذ المراحل العمرية الأولى عبر خلق بيئة منزلية ومدرسية حساسة للنوع الاجتماعي، تضمن المساواة بين الجنسين في الفرص والظروف والمستحقات، ويستمر في توفير بيئة عملٍ آمنة وسياساتٍ حسّاسة للنوع الاجتماعي، مدعّمةً بالقوانين على المستوى الوطني والدولي، حيث أن استمرار المرأة بالمحاولة وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون المجتمع متقبّلًا للفكرة، وهذا لا يتأتّى إلا من خلال المدرسة وتربية الأطفال على أن المرأة شريكة، وعندها يبدأ التغيير الذي يحتاج لعملية تراكمية من خلال وسائل الإعلام وحملات المناصرة والتوعية في المدارس ومؤسسات التنشئة الاجتماعية ومؤسسات صناعة القرار ومؤسسات العمل.