التضامن في الفعل الثقافي

 

تقترح هذه المادة مفهوم التضامن في العمل المدني كموضوع للتفكير المشترك بين الفنانين والفاعلين الثقافيين السوريين في أماكن وظروف تواجدهم المختلفة. وتأتي هذه الدعوة اعتماداً على تقديم قراءة للواقع الراهن للقطاع الثقافي، وقدرته على النمو والاستمرار، والنظر في المسؤوليات والتحديات الكبيرة التي يواجهها منذ ما يقارب العشر سنوات. كما تدعو المادة إلى التفكير بالتضامن، ليس كآلية فقط، وليس على اعتباره استراتيجية تسمح لنا كأفراد ومجموعات من النجاة في ظروف على درجة عالية من التعقيد والتغير المستمر، بل تركز على التضامن كقيمة جوهرية مُرشدة للمنظومة الثقافية. ويُقصد بالمنظومة في هذا السياق عمليات التفاعل الحاصلة بين المكونات الثقافية، متضمنةً البنى والآليات والسياسات والقوانين ومصادر التمويل والعلاقة بين القطاعات ومجالات العمل المختلفة، مع تفحّص مراكز القوى والصراع وارتباط الثقافة بالمجتمع أو المجتمعات. هذا على المستوى الوطني والإقليمي، أما على المستوى الدولي، فتتّسع المنظومة لتشمل المعاهدات والاتفاقات والإعلانات والشبكات الدولية كبيئةٍ أوسع، تُشكّل مرجعيةً هامّة للقطاع الثقافي، وتدعم قدرته على تحديد موقعه على المستوى الدولي.

لهذا الغرض، لابد أن نبدأ بتحديد بعض الملامح العامة للعمل الثقافي السوري منذ الثورة حتى اليوم. ومن أهم هذه الملامح هو نموه في سياق كارثة إنسانية وجد نفسه خلالها، على الأقل في السنوات الأولى، مسؤولاً عن لعب أدوار مُلحّة ترتبط بالسياق السياسي والإنساني، كمحاولة توثيق الجرائم أو نقل المعلومة إلى المجتمع الدولي أو المساهمة في الحراك السياسي بأدوات إبداعية، ما جعل التركيز على فنون معينة مفهوماً، وما أدى أيضاً إلى وضع ضغطٍ شديد على ضرورة التفكير بالراهن، والعمل السريع دون النظر في الأفق الاستراتيجي للمبادرات الناشئة. 

الملمح الثاني هو الانقسام، حيث لم تسمح الانقسامات السياسية التي رافقت الثورة السورية وتطوراتها اللاحقة إلا بمساحات ضئيلة من التفكير المشترك، ومازالت المؤسسات السورية اليوم تعمل بحساسيةٍ عاليةٍ وخوفٍ من التشاركية، أو من تعرضها للهجوم أو النقد بناءً على أرضية سياسية أكثر مما هي أرضية ثقافية أو مؤسسية. إذاً، طغت الأسئلة الأخلاقية في سياقٍ اختفت ضمنه المعايير المشتركة التي تتّفق من خلالها جماعةٌ ما على ما هو أخلاقي أو غير أخلاقي. 

الملمح الثالث هو أنّ هذا القطاع هو وليد ساحة مهمشة، وتحرّر حديثاً من سلطة ما قبل 2011؛ حيث لم يكن مسموحاً له أن يبنيَ أيّ نوعٍ من المعرفة أو التجربة أو الخبرة، كما أنّه كان، إلى حدٍّ كبير، بعيداً عن أن يكون مؤثراً على منظومة ثقافية أوسع تشمل المنطقة العربية. بينما استطاع بعض الإنتاج الفكري والثقافي والفني بصورته الفردية الاستمرار، بل وتجاوز الحدود السياسية الكابوسية الموضوعة له.

رابع هذه الملامح هو تركيز القطاع على مجالاتٍ طارئةٍ عليه، حيث وجد الفنانون أنفسهم أمام مسؤوليات وأشكال عمل تَخرُج عن خبراتهم الاعتيادية ضمن منظومات الإنتاج الفني، ليصبحوا جزءاً من منظومةٍ نشأت بشكلٍ عشوائي إلى حد بعيد، تتنوع في تداخلاتها بين مجالات الدعم المجتمعي والتعليم والإغاثة الثقافية. وظهرتْ، نتيجةً لذلك، أسئلةٌ حادّةٌ حول القيمة الفنية للعمل الإبداعي، المعني بالمجال الاجتماعي والقيمة الاجتماعية والسياسية للعمل الإبداعي المُنشغل بالأسئلة الفنية والثقافية. وما بين التوجهين دار الكثير من النقاش، بل وظهرت الكثير من الأحكام القيمية التي ساهمت في تعزيز الملمح الثاني.

الملمح الخامس هو الوحدة أو ربما العزلة، حيث بدأت هذه المنظومة، ومنذ عام 2013، بالنمو خارج سياقها وبيئتها، وبمعزلٍ عن محاورها المجتمعية. في هذا السياق، استمرّ العمل الثقافي والإبداعي، سواءً بشكله الفردي أو الجماعي، بإنتاج مبادراتٍ وأعمالٍ وأسئلةٍ تجاهد للتكيف والاستمرار؛ اللذان نجحت بهما إلى حدٍّ ما، إلا أنها، ربما، لم تساهم في كسر هذه العزلة إلا بالحدود الدنيا، وهو الهاجس الرئيس الذي يكمن خلف هذه المادة.

برزت على الصعيد الإقليمي خلال الشهر الفائت مبادرتان استثنائيتان نعود إليهما كنماذج تسمح لنا بالتأمل في مفهوم التضامن، الأولى باسم «يحيا الفن»، وهي مبادرةٌ لدعم ممارسي الفنون في المنطقة العربية، أطلقها كل من: اتجاهات-ثقافة مستقلة، والعمل للأمل، ومفردات. وتسعى هذه المبادرة إلى تخفيف الضرر على الفنانين جراء انتشار وباء كوفيد–19، خصوصاً أن القسم الأكبر، حسب إعلان المبادرة، من قوة العمل في المنطقة العربية يقع ضمن الاقتصاد غير الرسمي، أو العمل وفق أسلوب النمط الحر، وينطبق هذا على أغلب الفنانين إلى جانب المدراء والمُنظّمين والتقنيّين الفنّيين، والذين تزداد التحديات التي يواجهونها بسبب وقف الحركة الفنية على المستوى العالمي. من المهم أيضاً ذكر أن هذه المبادرة تهدف إلى تعزيز حضور الفنون في حياتنا كمتلقّين للإبداع، حيث شهد العالم خلال فترة انتشار الوباء لجوء الناس إلى الفن والثقافة ليقاوموا عزلتهم. والمبادرة الثانية باسم صندوق التضامن لدعم المؤسسات الفنية والثقافية في لبنان، في محاولةٍ لتلبية بعض الحاجات المُلحّة التي يواجهها قطاع الفن والثقافة في خضمّ الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها البلد في ظل الانهيار الاقتصادي. وهي مبادرةٌ أطلقها كل من: الصندوق العربي للثقافة والفنون والمورِد الثقافي. وتوضح المؤسّستان في نص الإعلان عن المبادرة أن غياب دعم القطاع العام والسياسات الثقافية أدى على مرّ السنوات إلى إضعاف القطاع الثقافي، الذي يتعرض اليوم إلى خطر الانكماش؛ حيث تعتمد معظم المؤسسات الفنية والثقافية على منحٍ مخصصةٍ لأنشطة محددة لكي تضمن استمراريتها. ومع تفاقم الأزمات منذ انتفاضة تشرين الأول 2019، وخاصّةً الانهيار الاقتصادي ومؤخراً تداعيات فيروس كورونا، تواجه هذه المؤسسات تحدياتٍ عديدة تهدد وجودها.

الجوهري في هاتين المبادرتين هو مفهوم التضامن، حيث تتضامن مجموعة من المؤسسات، وهو أمرٌ ليس كثير التكرار في المنطقة العربية، لتطلقَ مبادراتٍ للتضامن مع القطاع الإبداعي. تعتبر استجابة هذه المؤسسات لأزماتٍ راهنة أو طارئة سريعةً إلى حدٍّ ما مقارنة مع بروز الاحتياج إليها، كما أنها تطلّبت بالضرورة الكثير من الجهد لحشد الأموال بغية تخصيصها لصالح المبدعين في المنطقة. ورغم أن هذه المبادرات، على أهميتها القصوى، هي في إطار ردّ الفعل، إلا أنّها بالضرورة تجربة تعلّمٍ هامّة، وقد تشكل نموذجاً يمكنه إلهام مبادراتٍ أخرى في سياقاتٍ وأزماتٍ أخرى، وهذا أيضاً هامٌّ جداً. 

يشكل التجاوب مع الاحتياج الناتج عن أزمات طارئة أو مستمرة وامتلاك المرونة الكافية لبناء هذا التجاوب، وهو ما يقع في سياق ردّ الفعل إلى حدٍّ بعيد، أساساً لأغلب المبادرات الثقافية ضمن القطاع، وهو أمرٌ طبيعيٌّ عندما يكون مستوى التعقيد البنيوي الذي تعمل ضمنه مؤسسات هذا القطاع حادّاً ومتراكباً لهذه الدرجة. مع ذلك يبقى السؤال هنا هو: كيف يمكننا تحويل هذه الآلية لتكون آليةً عضوية تدفع المؤثرين بالمنظومة الثقافية من القطاع المستقل إلى التفكير أبعد من تأسيس المؤسسات والتجمعات إلى تأسيس القطاع؟ وتبتعد في سؤال الاستدامة عن استدامة هياكل بعينها، لتسعى إلى خلق منظومة قطاعية قابلة للاستمرار والصمود أمام تراكب الأزمات في المنطقة العربية عموماً وفي سوريا خصوصاً.

يرى بعض الفنانين والمدراء الثقافيين أن مفهوم التضامن في القطاع الثقافي المستقل هو مفهومٌ مثالي، تُعيق الثقافة السائدة، والتي تكرّست منذ البدايات الحديثة لنشوء القطاع، تبنّيه كقيمة أو حتى كاستراتيجية. وبالتالي تستمرّ مفردات القطاع الثقافي في تبني آلياتٍ دفاعية تشكّلُ في غالبيتها العظمى رداتِ فعلٍ على الأزمات والمشاكل، وذلك بدل تبنّي آلياتٍ مطلبية، حقوقية واستباقيّة، قادرة على تخفيف الضغط عن المجال المدني بشكل عامٍ، والإنتاج الفني والثقافي بشكل خاص. لكن هل هناك فعلًا ما يعيق القطاع الثقافي المستقل عن تأسيس منظومة تشاركية تعزّز ديمقراطية إدارة الثقافة والحوكمة، وتستهدف إعادة تنظيم العلاقات ضمن القطاع كي يصبح أكثر رشاقةً ومرونةً وشفافية، وفي الوقت ذاته أكثر قدرةً على المناصرة والضغط لتغيير السياسات؟

ما المقصود بالتضامن في هذا السياق، وكيف يمكن أن يكون أساساً لإعادة توزيع القوى ومساءلة المنظومة السائدة وتعزيز قدرة القطاع على  الاستمرار وممارسة دوره في تعزيز حرية الإبداع؟

أولاً- التضامن كأساس للتشاركية. تتوجّه الكثير من التيارات المعاصرة في العمل الثقافي نحو تعزيز التشاركية كآلية لضمان ديمقراطية إدارة المنظومة الثقافية، ويقوم التشارك على إزاحة مفهوم صناعة القرار وإعادة توزيع القوى، مما يعيد تنظيم توزيع الموارد ضمن القطاع من خلال آلياتٍ شفّافة؛ تقوم بالدرجة الأولى على تعزيز مفهوم التضامن. أحد الأمثلة الناشئة على المقاربات التشاركية في المنطقة العربية هو روى–صندوق دعم المبادرات الفلسطينية المُبدعة. يعمل الصندوق على دعم المبادرة المجتمعية الفلسطينية كجزءٍ حيويٍّ من المجتمعات التي تُقرّر بنفسها ما هي المشاريع التي يجب دعمها، وذلك من خلال «مستكشفين» يأتون من منظمات محلية صغيرة. ويتلخّص عملهم في القيام بعمليات الاستكشاف الأولية، مما يتطلب الخروج إلى مجتمعاتهم المحلية لإيجاد مشاريع أو أفكار يقدمونها بشكل أوراق مفاهيمة. إذاً لا يُعلن الصندوق عن فتح باب تقدُّمٍ لاستلام طلبات التمويل، بل يجري الاعتماد على الأعضاء/المواطنين في اقتراح مشاريعهم ومشاريع المجتمعات التي يشكلون جزءاً منها. يحضُرُ كلُّ من تقدّم بورقةٍ مفاهيمية للحصول على الدعم الاجتماع الذي يعقده الصندوق، ويشرح مشروعه، ومن ثم يشارك في التصويت، وبالتالي هو يشارك في اتخاذ القرار.

ثانياً- التضامن كداعم للاستقلالية والاستمرار. على عكس ما يبدو، فإنّ العمل التضامني ليس تخلياً عن التوجهات والرؤى لكلّ هيكل ومؤسسة ومجموعة أو تجمّع، ولا يقتضي أي نوعٍ من أنواع الاندماج، فالتّنوع والحفاظ عليه هو نقطة قوة المنظومة الثقافية، ولا ينبغي أن تسعى عمليات التضامن إلى الاعتداء على هذا التنوع واستبداله بمنظومة متجانسة. بل على النقيض تماماً، يُؤسّس مفهوم التضامن كداعمٍ للاستقلالية؛ بحيث يشكّل شبكة أمان تستطيع تمكين كل مكونٍ من مكونات المنظومة من الاستمرار دون الاعتماد بالمطلق على جهات خارجية؛ سواء تمويلية أو تنظيمية. 

ثالثاً- التضامن كقيمة. في سياق العزلة المفروضة علينا، نحتاج إلى المقاومة، يمكننا المقاومة بطرق مختلفة، من خلال أن نُعزّز موقعنا كمؤسسة أو تجمع ضمن القطاع، ومن خلال أن نبني شبكة علاقاتٍ قوية مع جهاتٍ مانحة ومؤسسات وأفراد مؤثرين، ومن خلال بناء مؤسسةٍ قوية تعمل على تصور استراتيجي نوعي وذي قيمة للقطاع الثقافي. من خلال كل هذا نقوم ببناء كياناتٍ قوية متماسكة ليس لدى الغالبية العظمى من قادتها القدرة على ضمان استدامتها في سياقات هي غاية في التعقيد. لكن يمكننا أيضاً أن نقاوم هذه العزلة من خلال نقيضها؛ أي من خلال التضامن مع الآخرين بشكلٍ أفقي، الأمر الذي يتطلب انفتاحاً ووضوحاً في المصالح المتبادلة، وقدرةً على إدارة الفعل الجماعي.

باختصار، يبدو أنّ تراكب الأزمات يدفعنا إلى مزيدٍ من العزلة، ويبدو أنّ النجاة تعتمد بالضرورة على كسر هذه العزلة. وهو ما تقترح هذه المادة الوصول إليه من خلال خلق منظوماتٍ تضامنية، تعتمد على الابتكار والتعلم من تجارب كثيرة؛ أثّرت، بشكلٍ إيجابي، على العمل المدني في أماكن مختلفة من العالم، ولكنها تستلهم بالأساس الآليات الاجتماعية البسيطة التي شهدناها في مجتمعاتنا.

لن ينسى أيّ سوريّ شارك في المظاهرات، وهو فعلٌ ظلّ على مختلف مراحل الثورة السورية يحمل تهديداً على الحياة سواء بالقتل المباشر أو القتل خلال التعذيب في المعتقلات، لن ينسى السوريون، وتحديداً الشباب منهم، الذين تُشكّل هذه المظاهرات المرة الأولى التي يملكون فيها صوتهم، النشوة غير المنتهية الناتجة عن إحاطة الأكتاف بأذرع المتظاهرة أو المتظاهر على اليمين وعلى اليسار. هي لحظة تضامنٍ صرفة لا تلغي الأسئلة السياسية والاختلافات في الرؤى والتطلعات، ولكنها شكل الحماية الوحيد في هذه اللحظة، وهو من أعلى أشكال التضامن على الإطلاق. إن كنّا نظن، ضمن القطاع الثقافي، أننا لا نعيش منذ ما يقارب العشر سنوات حتى اللحظة حالةً مُشابهةً، ولكنّها ممددة على الزمن، فإننا مخطئون. هي دعوةٌ لإعادة تنظيم علاقاتنا واستغلال قوةٍ تجمعنا؛ علنا نستطيع ألا نكتفي ببناء هياكل صلبة، ونعمل على بناء المنظومة المرنة.