التعارف باللكمات

 

يجمع آكي كاوريسماكي، في فيلمه الأخير، الجانب الآخر للأمل، شخصين كان يصعب تخيّل لقائهما في ظروف كهذه قبل سنوات قليلة.

ويكستروم (ساكاري كووسمانين) رجل فنلندي ضخم الهيئة، في الستين من عمره تقريباً. ينفصل للتوّ عن زوجته الكحولية ويقرّر تغيير عمله من بائع قمصان يجول بسيّارته وبضاعته على متاجر الألبسة إلى صاحب مطعم. يبيع كل ما يملكه من قمصان، ويقامر بالمبلغ الزهيد نسبياً في لعبة بوكر مع رجال يرتدون، مثله، بزّات رسمية ويدخنون بلا توقف. سيربح، بالتأكيد، وسيخرج من الصالة العابقة بالدخان مع مبلغ كاف لشراء مطعم.

أما خالد (شيروان حاجي)، فشاب سوري ثلاثيني وصل للتوّ صدفةً إلى فنلندا. هرب مع أخته الصغرى من حلب بعد أن دفنا بقية عائلتهما التي توفيت إثر قصف على بيتهم. عبرا إلى تركيا، ومنها بحراً إلى اليونان، ثم قطعا مع مجموعة لاجئين عدة بلدان أوروبية على الأقدام وصولاً إلى بولندا. تضيع أخته هناك، إثر هجوم عنصريين على مجموعتهم، ويضطر هو إلى الاختباء في عبّارة محمّلة بالفحم ستأخذه معها إلى ميناء هلسنكي. هناك، سيخرج من كومة الفخم مسخّماً وينسل، مع حقيبته، إلى المدينة قليلة الضوء.

يجد خالد حمامات عموميّة يزيل فيها السخام عن جسده. لكننا نظل مقتنعين بأن طبقات سميكة من العفن ما تزال لاطئة تحت جلده، هو الواصل للتوّ من جحيم دنيوي، والمشغول بالعثور على أخته أو بالحصول على خبر عنها على الأقل. يتوجه إلى مركز شرطة ويتقدّم بطلب لجوء. في مقابلة لجوئه، يستحضر، ببرود وهدوء نعرفهما عن أبطال المخرج الفنلندي، الفظاعات التي أودت به إلى أوروبا. في هذا الوقت، لا تكف صور المجازر القادمة من حلب عن شغل الشاشات الصغيرة في فنلندا. لكنّ مصلحة اللجوء الفنلندية لها رأي آخر: حلب مدينة آمنة ولا ذريعة لمنح خالد اللجوء. هكذا، يجد الشاب نفسه عرضة للترحيل إلى تركيا على متن أول طائرة. أمام نفاق الساسة والحكومات وسياساتهم، وعنصرية البعض وعنفهم، ثمة دائماً طيّبون في عالم كاوريسماكي: إحدى موظفات مركز اللجوء الذي «يقيم» فيه خالد ستساعده على الهرب من الشرطة العازمة اقتياده إلى المطار. يلجأ إلى الشارع، ويجد مأوىً له قرب حاوية زبالة هي، في الحقيقة، حاوية المطعم الذي اشتراه ويكستروم للتوّ. يلتقي البطلان، إذن، قرب المزبلة (يمكن دائماً تأويل مشاهد كهذه) ويتبادلان لكمات على الوجه تبدو، رغم عنفها، طريقة جيدة ليتعرفا إلى بعضهما عن قرب. لقاءٌ كاوريسماكيٌّ بامتياز.

في الجانب الآخر للأمل، نحن إزاء سخرية لا تكاد توفّر شيئاً: من الحياة اليومية إلى التجارة والسياحة الجماعية وصولاً إلى الثقافات الوطنية المنغلقة والنفاق السياسي. أبطال الفيلم عابسون، ذوو لغة باردة وتصرفات غريبة أحياناً. نظراتهم الحادّة تخبرنا أكثر مما يمكن أن تخبرنا حوارات طويلة. ينتمون، بالتأكيد، إلى مكان ما، إلى بلد ما، لكن انتماءهم هذا لا يتحول إلى حاجز بينهم وبين الآخر المختلف. رغم ذلك، لسنا، مع كاوريسماكي، في أجواء ذات انفتاح مطلق وغير مشروط، تعطي فيها الشخصيات نفسها كلياً إلى الغريب، بل إزاء شخصيات تصنع جميلاً تجاه الغريب دون اكتراث كبير به أو، بالأحرى، دون اكتراث بخلفيته وبأفكاره ودون انتظار مقابل. إنها تهتمّ به دون أن تهتمّ به فعلاً. كما لو كانت غرابة الغريب أقل أهمية بالنسبة إليها من تناظره معها وشراكته لها في الشرط الإنساني. كما لو كان من الطبيعي أن يكون ثمة خالدٌ، مثلاً، في هلسنكي، من دون أن يثير ذلك الدهشة أو الفضول اللذين قد يثيرهما الغريب.

إن خالد الإنسان، الواقع في مأزقٍ الآن وهنا، يأتي في الدرجة الأولى، إذن، قبل خالد الأجنبي، اللاجئ، المهاجر، إلى آخر ما هنالك من هذه الخانات. ولعلّ إحدى نقاط القوة في المقترح الكاوريسماكي تكمن هنا، في نزع الأولوية من الثقافي والديني والقومي ولون البشرة، ومنحها إلى الإنساني المحض. هو بذلك يجفف أحد منابع الإكزوتيكية. إن الاختلاف بين فنلندي وسوري، أو جهلهما ببعضهما، لا يحول بالضرورة دون لقائهما. ولعلّ اللكمات التي كانت فاتحة لقاء خالد وويكستروم لَإشارةٌ قوية إلى أولوية العلاقة العارية والمحضة إنسان-إنسان على العلاقة الثقافوية محلي-أجنبي. فالتلاكم يضع المشترك، الذي هو الجسد الإنساني في هذه الحالة، فوق الاختلاف اللغوي والثقافي والوطني الذي يمكن أن يحول دون تواصلهما. إنهما يتواصلان باللكمات بدل أن يفترقا لغوياً وثقافياً. هذا الفعل، العنيف مادياً، لكن المشحون رمزياً، يضعهما في المقام ذاته، في الدرجة الكونية نفسها.

لا بد من القول إن لقراءة كاوريسماكي «الكونية» و«الغيرية» نتائجها على شخصية بطله السوري. صحيح أن الأخير يقنعنا بـ «سوريته»، غير أن سوريّته هذه تثير الفضول. فهو ينتمي إلى العالم، ويريد أن ينتمي إليه، بالدرجة ذاتها التي ينتمي فيها إلى بلده وإلى تاريخه الخاص. شخصيته مهمومة بذاتها، بالتأكيد، لكنها مهمومة أيضاً بالآخر. هذه الشحنة من الغيرية والترفّع عن الذاتي والثقافي، التي يضفيها سيناريو كاوريسماكي على خالد، تجعل من الأخير شخصية مثالية نوعاً ما. وتجعل الحديث، في الفيلم، عن خالد وأخته وعائلته المقتولة وعن المنزل المدمر وعن حلب وسوريا حديثاً عن أشخاص وعائلات ومنازل ومدن وبلاد أخرى، في أمكنة وأزمنة مختلفة، عانت أو قد تعاني من جريمة الدكتاتورية نفسها. إن تصعيد مشكلة خالد وحكايته إلى هذا المستوى الكوني المثالي لا يعني فقدانها أساسها السوري بالضرورة، بل قد يكون العكس، إن البعد السوري في قصة البطل يتعزّز في تساميه وانتمائه إلى الإنساني والكوني.