التعمير بعد تدمير: كيف يستغل النظام دمار الممتلكات وتشريعات الأراضي

هذا النص هو الترجمة العربية لنص كتبه جهاد يازجي رئيس تحرير موقع ذا سيريا ريبورت، ونشرت نسخته الإنكليزية مؤسسة فريدريتش إيبرت.

النص متاح كمستند PDF على هذا الرابط.

ملخص

يقوم النظام السوري منذ ست سنوات بتدمير المناطق والأحياء التي سيطرت عليها المعارضة، وبمحو وتزوير سجلات الممتلكات، وبمصادرة العقارات وتوزيعها على المجتمعات الموالية له؛ وهو يفعل ذلك بغية إخضاع المجتمعات المؤيدة للمعارضة، وتعزيز سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي، وشراء الولاء، وتوسيع السيطرة الإيرانية على الأجزاء الاستراتيجية من البلاد.

في الوقت نفسه قام النظام بإصدار كثيرٍ من القوانين والتشريعات، التي قوننت نقل الأصول العامة إلى محسوبيه. وقد جرى استهداف المناطق العشوائية بطريقة مماثلة، بذريعة الإعداد لإعادة الإعمار واعتماد مشاريع جديدة للتخطيط العمراني. يحاول النظام استغلال دمار البلاد لجمع الأموال والاستيلاء على الأصول الاقتصادية.

ينبغي على المانحين المحتملين في المستقبل أن يستخدموا أي نفوذ بحوزتهم لعكس أكبر قدر ممكن من هذه السياسات وضمان عملية إعادة إعمار أكثر إنصافاً وتوازناً، بما في ذلك، على سبيل المثال، اشتراط عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، أو على الأقل حصولهم على تعويضات عادلة، قبل تقديم أية مساعدات مادية.

1. مقدمة

خلال السنوات الست التي انقضت منذ بداية الانتفاضة، كانت القضايا المتعلقة بحقوق الأراضي والممتلكات مصدر كثير من الشجون بالنسبة للسوريين: من مخاوف التطهير الطائفي والإثني، إلى استيلاء أزلام النظام على الأملاك العامة، أو تحويل هذه الأملاك إلى مكافآت لحلفاء النظام، وصولاً إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بهدف منع عودة اللاجئين والتلاعب بمسيرة إعادة الإعمار.

ثمة اليوم أدلة ظرفية هامة تُبيّن دور النظام في التدمير المادي للممتلكات، وفي إتلاف وتزوير السجلّات، وهي تكشف عن عمليات ترحيل وإحلال استهدفت الشرائح السكانية المؤيدة للمعارضة. من جهة أخرى، ثمة أسباب حقيقية للاعتقاد بأن النظام يحاول القيام بتغيير ديموغرافي في عدة مناطق، خصوصاً دمشق وحمص وجبال القلمون على طول الحدود اللبنانية. كما أن القوانين الجديدة التي تنظم إدارة أراضي وأصول الدولة، معدّةٌ بوضوح لنقل الممتلكات العامة إلى مستثمري القطاع الخاص (اقرأ: محاسيب النظام)، بينما تسهّل التشريعات المتعلقة بمعاملات الملكية تجريد الأسر الفقيرة من ممتلكاتها، أيضاً لصالح شخصيات مرتبطة بالنظام.

من جهة أخرى تحاول إيران الحصول على تعويضات لقاء دعمها للنظام عبر حيازة الأراضي في مختلف أنحاء البلاد. هدف ذلك واضح: تأسيس معاقل ومناطق نفوذ تقوّي موقعها، سواءً ضمن سوريا بعد انتهاء النزاع، أو في نزاعها الأوسع مع دول أخرى في المنطقة.

تعتبر قضايا حقوق الملكية أيضاً مسألة أساسية بالنسبة للتخطيط لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين إلى ديارهم. إلى أين سيعودون، وبأي سجلّات ملكية؟ القوانين والتشريعات التي صدرت في السنوات الأخيرة تُظهر نظاماً يفضّل أن تسير عمليات إعادة الإعمار باتجاه بناء مجمّعات سكنية راقية على أراضي وممتلكات السكان المهجّرين.

وبينما تقترب الحرب من نهايتها في أجزاء كبيرة من البلاد، ويزداد الحديث عن إعادة الإعمار، تبدو هذه القضايا راهنة أكثر من أي وقت مضى.

سأجادل في هذه الورقة بأن وراء سياسات وجهود النظام المتعلقة بالأراضي والممتلكات هدفين عريضين: أولاً أن يستعملها كسلاح حرب ووسيلة إضافية لتعزيز سيطرته السياسية، وتكثير أوراقه التفاوضية في أي مباحثات مقبلة، وإحكام قبضته الأمنية على المناطق الأكثر حيوية من البلاد؛ وثانياً أن تخدم مصالح نخبه الاقتصادية وتتيح لهم الإفادة من الجهود الضخمة المتوقعة لإعمار ما كان النظام نفسه قد تسبّب بتدميره.

2. خلفية تاريخية

2.1 إعادة توزيع الأراضي الزراعية

بعد عدة سنوات من استقلال البلاد، وبعد تحقق قدر طيب من النمو الاقتصادي (العائد جزئياً إلى استثمار القطاع الخاص في الزراعة)، والذي كان يجري في ظل مشهد سياسي مضطرب للغاية، اتحدت سوريا مع مصر عام 1958 ليؤسّسا معاً «الجمهورية العربية المتحدة». التزمت الجمهورية المتحدة برنامجاً اقتصادياً اشتراكياً، أدى إلى تأميم الأصول الخاصة، بما في ذلك الأراضي والبنوك والمؤسسات الصناعية واستثمارات الدولة. لم يقتصر طموح الحكام الجدد على إعادة توزيع الثروة الاقتصادية فحسب، بل شمل أيضاً إضعاف القاعدة الاقتصادية للنخب السياسية المسيطرة، ولا سيما شريحة ملّاكي الأراضي الذين جنوا ثرواتهم وأملاكهم في ظل الإمبراطورية العثمانية ومن بعدها الانتداب الفرنسي الذي حكم البلاد بين 1920 و1946.

تمثلت أهم جوانب هذه السياسة في توزيع الأراضي على الفلاحين، وفي تحديد سقف ملكية الأراضي، والذي جرى على الأسس التالية: بالنسبة للأراضي المروية، والتي كان تمثل الجزء الأصغر من مجمل الأراضي الزراعية، كان سقف الملكية 80 هكتاراً للعائلة الواحدة، مع إضافة عشرة هكتارات لكل فرد وبحد أقصى 40 هكتاراً إضافياً؛ أما الأراضي غير المروية فقد كان سقفها 300 هكتار، مع إضافة 40 هكتاراً لكل فرد وبحد أقصى 160 هكتاراً إضافياً.

كانت المراكز الحضرية في حلب وحماة1، والتي أتت معظم ثرواتها من ملكية الأرض والإنتاج الزراعي، من بين أشدّ المتضرّرين من هذه السياسة. شعر الملّاكون بالنقمة على تجريدهم من ممتلكاتهم، ولم تكن التعويضات التي قُدِّمَت لهم مرضية على الإطلاق. ومنذ ذلك الحين وحتى مجزرة حماة عام 1982، شكّلت هاتان المدينتان رأس حربة المعارضة السياسية، سواء لنظام الجمهورية المتحدة أو لنظام البعث، وذلك عبر جولات من الاحتجاجات السلمية والتمردات المحلية المسلحة.

شهدت الفترة بين 1958 و1961 كثيراً من الصخب السياسي، وقد انتهت بانقلاب أطاح بالوحدة واستعادَ بعض عناصر البرجوازية القديمة إلى حين. كان من أول التدابير التي اتخذتها الحكومة الجديدة بعد الوحدة تغييرات في خطة الإصلاح الزراعي، بما في ذلك رفع سقف الملكية إلى 200 هكتار للأراضي المروية و600 هكتار للأراضي غير المروية. كما اتخذت تدابير لتأمين تعويض أفضل للملّاكين2. مرة أخرى، كانت ملكية الأرض في قلب الصراعات الاقتصادية والسياسية الجارية في البلاد.

عام 1963 استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب جديد واستعاد سياسات توزيع الأراضي، مع المزيد من التخفيض لسقف الملكية وإنشاء مزارع تعاونية بعد سنوات قليلة. كما تم دعم الفلاحين عبر الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، وتقديم مستلزمات الزراعة بأسعار مدعومة، وإنشاء مشاريع ري حكومية، وتوفير القروض الميسّرة.

شهدت هذه الفترة المليئة بالاضطرابات والتقلبات إضعافاً للنخب الاقتصادية والسياسية التقليدية، ما دفع العديد من أعضاء البرجوازية السورية إلى الفرار نحو لبنان وأوروبا وغيرها من بقاع العالم.

عام 2013، بعد خمسين عاماً على انقلاب حزب البعث، نشرت مجموعة من الخبراء السوريين البارزين المحسوبين على المعارضة وثيقة سياسة بعنوان خطة التحول الديموقراطي في سوريا. نصّت إحدى توصيات السياسة الاقتصادية على إعادة الأراضي والممتلكات التي أمّمها حزب البعث إلى «أصحابها الأصليين»3. لا تؤكد هذه العبارة وزن البورجوازية وعائلات الملاكين السابقين في صفوف المعارضة السياسية فحسب، بل هي أيضاً إشارة إلى الندوب العميقة التي تركها تأميم الأراضي في الخمسينات والستينات على بعض شرائح المجتمع السوري.

2.2 النمو الديموغرافي، الإصلاح الزراعي المضادّ

رغم قلة التغيرات التي طرأت على تشريعات الأراضي خلال عهد حافظ الأسد (1971-2000)، إلا أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت خلال تلك العقود الثلاثة كانت عميقة للغاية. على سبيل المثال، تأثرت ملكية الأرض بشكل خاص في المناطق الريفية بعد وفاة أوائل المستفيدين من إصلاحات توزيع الأراضي، فقد أدت عمليات توزيع الإرث إلى تفتيت شديد للأرض، وإلى حصول الورثة على مساحات أصغر بما لا يقاس. خلال تلك الفترة أيضاً شهدت سوريا طفرة ديموغرافية ترافقت مع تحسن في الخدمات الصحية، مما أدى إلى زيادة عدد السكان وإلى ازدياد الهجرة من الريف إلى المدينة، وبالتالي إلى تحول الطلب على الأراضي والعقارات نحو المدن.

تشير البيانات الرسمية إلى أن سكان المدن أصبحوا أكثر من سكان الريف لأول مرة عام 19904 ، وأن نسبة المناطق الحضرية إلى الريفية بقيت متوازنة نسبياً حتى بداية الانتفاضة، فقد بلغت مثلاً 53/47 بالمئة عام 20115. ومع ذلك قد تنطوي هذه التقديرات على خطأ، فتعريف المنطقة الحضرية ضيق، تعريف المركز الحضري في سوريا هو كل تجمع يضم أكثر من 20,000 نسمة، في حين تنخفض هذه العتبة بشدة في معظم البلدان الأخرى – مثلاً 2,500 أو 5,000 نسمة6. وبالتالي يعتبر أي تجمع يضم أقل من 20,000 نسمة ريفياً، ومن هنا ذاك الارتفاع النسبي لمعدل سكان الريف حسب الأرقام الرسمية.

أدى التوسع الحضري السريع الذي بدأ في السبعينات إلى زيادة العشوائيات داخل وحَول جميع المراكز الحضرية الرئيسية. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فقد كان حوالي 40 بالمئة من السوريين يعيشون في أحياء غير منظمة عام 20047. بالنتيجة، وبالتدريج على مدى العقود الأربعة الماضية، انتقل الطلب –والصراع والتنافس– على الأراضي والمساكن باتجاه المدن وضواحيها.

2.3 أداة لتعزيز السيطرة السياسية

من جهة أخرى استخدمت الحكومة السورية إدارة الأراضي والممتلكات كأداة لتعزيز السيطرة السياسية. ففي حين أدى الإصلاح الزراعي لإضعاف القاعدة الاقتصادية والنفوذ السياسي للملّاكين الحضريين (السنّيين غالباً) خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، مقوّياً قاعدة ونفوذ المزارعين وصغار الملّاكين والبرجوازية الريفية التي شكلت قاعدة الدعم الرئيسية للنظام، كذلك تم توظيف تشريعات ملكية وتجارة الأراضي في سياق إدارة العلاقات مع الكرد8.

في أوائل الستينات، اعتمدت الحكومة السورية سياسة «الحزام العربي» في شمال شرق سوريا. وكان الهدف خفض نسبة الأكراد الذين يعيشون في الشمال الشرقي للبلاد (حيث يتركزون بأعداد كبيرة) والذي اكتُشفت فيه موارد نفطية جديدة تضاف إلى وفرة الأراضي الخصبة فيه. حفزت هذه السياسة عمليات نقل وتوطين للقبائل العربية في مناطق الحدود التركية بهدف تقويض الهيمنة الديموغرافية للأكراد في المنطقة، وبالتالي تضييق الخناق على دعاوى الحكم الذاتي الكردي. في وقت لاحق أجبر عشرات القرى العربية على النزوح بعد تشييد سد الفرات وارتفاع منسوب المياه المحتجزة خلفه، وقد أعيد توطين هؤلاء السكان أيضاً في المنطقة الحدودية شمال شرق البلاد.

بقيت العلاقة بين الحكومة السورية والسكان الأكراد مشوبة بالتوتر لعدة عقود. عام 2008 أصدرت الحكومة المرسوم 49 الذي يشترط الحصول على ترخيص قانوني قبل شراء أو بيع أو قسمة الأراضي في المناطق الحدودية، والتي عُرّفت بأنها المناطق الواقعة على بعد 25 كيلومتراً من الحدود (بعدما كانت كانت 10 كيلومترات قبل المرسوم). اعتبر الأكراد في ذلك التحديد استهدافاً لهم بشكل خاص، رغم أن أهالي محافظة درعا المتاخمة للأردن تأثروا به أيضاً.

ذكرت منظمة حقوقية كردية سورية وقتها أنه سيكون للمرسوم «آثار كارثية خطيرة على حقوق المواطنين»، وأن فرض تصريح أمني يعني فعلياً عدم السماح للأكراد بتملك وإدارة أراضيهم وممتلكاتهم العقارية، «حيث لم يسبق لمواطن من أصل كردي أن حصل على الترخيص القانوني منذ زمن بعيد». في النهاية سيكون للمرسوم «نتائج وآثار سلبية تنعكس على الاستقرار الاجتماعي في البلاد» بحسب تعبير المنظمة9.

2.4 المنعطف الليبرالي

شهد عهد بشار الأسد، أي العقد السابق لانتفاضة عام 2011، تحديات إضافية للوضع الذي استقرت عليه سياسات توزيع الأراضي. نتجت هذه التحديات عن تغييرات تشريعية أطلقتها النخبة الجديدة الليبرالية-اقتصادياً، والتي صعدت إلى السلطة جنباً إلى جنب مع الرئيس الجديد.

في كانون الأول عام 2000، أي خلال ستة أشهر بعد توليه الرئاسة، كان أحد أول القرارات الاقتصادية التي اتخذها الأسد الابن خصخصة المزارع التعاونية، والتي كان يقع معظمها في منطقة الجزيرة أقصى شرقي البلاد. كانت هذه المزارع تغطي نسبة محدودة نسبياً من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة (حوالي 140 ألف هكتار من أصل ستة ملايين10)، وقد برّرت السلطات إقفالها بداعي قلة الإنتاجية. حمل هذا الإجراء دلالة بالغة الرمزية على السياسات الاقتصادية التي كانت تروج لها النخبة الجديدة.

لم يأتِ توزيع أراضي هذه المزارع التعاونية ليخدم مصالح الأفراد والقبائل المتحالفة مع النظام فحسب، بل أيضاً مصالح كبار الملّاكين السابقين، ما مثّلَ شكلاً من أشكال الإصلاح المضاد (وإن على نطاق أصغر نسبياً). كذلك خَلَّفَ هذا التوزيع شعوراً عميقاً بالظلم بين سكان منطقة الجزيرة. بعد ذلك بأربعة أعوام، أصدرت الحكومة عام 2004 قانوناً جديداً لتنظيم العلاقات الزراعية جاء مجحفاً للغاية بحق المزارعين المستأجرين، فقد أدى إلى طرد كثيرين منهم وإلى ازدياد المضاربة على الأراضي11.

من جهة أخرى، تزامن عهد الأسد مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وازدهار الاستثمار العقاري في الشرق الأوسط. وقد استندت لبرلة الاقتصاد السوري خلال الفترة 2000-2010 أساساً على تحرير التجارة الخارجية، وفتح قطاعات جديدة للاستثمار الخاص، وتوفير أجواء تجارية أكثر ترحيباً وتشجيعاً، والتركيز على القطاعات الخدمية. تلت ذلك سلسلة من التغييرات في الإطار القانوني والتشريعي هدفت لجذب المستثمرين الخليجيين والمغتربين السوريين الساعين لتحقيق عائدات سريعة وهوامش ربح عالية.

على سبيل المثال، قدم القانون رقم 15 لعام 2008 حوافز لمشاريع البناء الكبرى بهدف اجتذاب الأموال اللازمة لبناء مجمعات سكنية وتجارية راقية. كما صدر المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2007 ليخفف القيود على الاستثمار الخاص ويتيح للمستثمرين الأجانب امتلاك الأراضي، مما شجع على تدفق الأموال الخليجية وأدى بالتالي إلى ارتفاع الأسعار. كانت أسعار المساكن ترتفع بنسبة 30 بالمئة في المتوسط سنوياً في جميع أنحاء سوريا بين 2003 و2006، في حين وصلت النسبة إلى 40 بالمئة في 122009. كما انتشرت الاستثمارات السكنية الأصغر نطاقاً في جميع أنحاء البلاد. إلى جانب دورها التقليدي كمخزن للقيمة، أصبحت الأراضي والعقارات استثمارات مربحة وذات عائدات مرتفعة نسبياً.

لكن هذه الطفرة العقارية التي استفادت منها الشرائح الأغنى جاءت على حساب ذوي الدخل المحدود، والذين راحوا يبتعدون عن مراكز المدن ويهاجرون إلى الضواحي المزدحمة ومناطق السكن العشوائي – وقد كانت ما تزال تتلقّى موجات متتالية من المهاجرين الريفيين. خلال السنوات السابقة على الانتفاضة، كانت أقساط متعاظمة من التوتر والسخط الشعبي تدور حول قضايا الأراضي والممتلكات: ارتفاع أسعار المساكن، محاباة التشريعات للاستثمارات العقارية الفخمة، كثرة المناطق الريفية المنكوبة، إعاقة بعض التشريعات للمعاملات العقارية في المناطق الحدودية، إلخ.

في آذار 2011، بعد أيام قليلة على بدء الانتفاضة، أرسل الأسد وفداً من حزب البعث للالتقاء بالمتظاهرين في مدينة درعا. كانت مطالب المتظاهرين ذات طبيعة سياسية بالدرجة الأولى، لكنها تضمنت طلبات أخرى تتعلق تحديداً بملكية ومعاملات وسجلّات الأراضي والممتلكات. فقد طالب المتظاهرون بإلغاء القانون رقم 60 لعام 1979 وتعديله لعام 2000 (القانون رقم 26 لعام 2000)، والذي أجاز للحكومة مصادرة الأراضي في المراكز الحضرية مقابل تعويضات غير عادلة؛ كما طالبوا بإعادة النظر في أسعار الأراضي الجائرة بحق المواطنين والتي طبق عليها التوزيع الإجباري مؤخراً؛ بالإضافة لإلغاء الموافقات الأمنية اللازمة لبيع وشراء الأراضي والشقق السكنية (القانون رقم 41 لعام 2004 وتعديله عام 2008 والذي يشترط الحصول على ترخيص قانوني لبيع وتملّك الأراضي والعقارات في المناطق الحدودية)، والذي يدفع الناس إما للرشوة أو لبيع ممتلكاتهم لشخصيات مرتبطة بالنظام بأسعار متدنية13.

3. الأبعاد السياسية والأمنية لسياسات النظام المتعلقة بالأراضي والممتلكات

منذ بداية الانتفاضة السورية في آذار 2011 تقريباً، ينفذ النظام عمليات تدمير ممنهجة وواسعة النطاق للمناطق والأحياء الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة. في البداية بدا أن الهدف من هذه العمليات قمع المعارضة، ولا سيما مكونها العسكري، غير أن استهداف الأراضي والممتلكات اتخذ أشكالاً عديدة أخرى، ويبدو أن وراءه أهدافاً متعددة.

بعيداً عن التدمير المادي للممتلكات، قام النظام أيضاً بإتلاف وتزوير سجلّات الممتلكات، وبمصادرة ممتلكات وإعادة توزيعها على الفئات الموالية له، كما أعطى أولوية لإعادة تأهيل المناطق التي تقطنها هذه الفئات. تتضمن أهداف النظام بثَّ الخوف بين الفئات المؤيدة للمعارضة وإخضاعها عبر إرهابها؛ وتثبيط المحايدين عن الانضمام إلى صفوف المعارضة؛ وتعزيز السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي؛ وشراء الولاء ومكافأة الأنصار؛ وتوسيع السيطرة الإيرانية على المناطق الاستراتيجية في العاصمة دمشق وتلك المحاذية للحدود اللبنانية.

3.1 التدمير المادي وإتلاف السجلّات والتزوير

في تقرير لها عام 2014، وثقت هيومن رايتس ووتش سبع عمليات تدمير كبرى نفذها النظام في مدينتي دمشق وحماة14 وذهبت ضحيتها أحياء سكنية كانت جميعاً معاقل للمعارضة. وبحسب التقرير فإن الدافع الرئيسي لهذه العمليات معاقبة السكان ومنعهم من العودة.

قدَّمَ التقرير أمثلة صغيرة على التدمير الواسع النطاق الذي تتعرض له المدن والبلدات السورية منذ عام 2011، والذي يقوم به بشكل أساسي النظام السوري وحلفاؤه، وبهدف أساسي هو ترهيب وإخضاع وطرد السكان.

من المثير أيضاً عمليات التدمير «القانوني» الذي تعرضت له منطقتان في دمشق. فقد أباح المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 152012 تدمير حيَّين سكنيَّين في الأجزاء الجنوبية الغربية من العاصمة السورية، وسمح بطرد سكانهما الذين كانوا أقرب إلى تأييد المعارضة؛ وقد كان من المقرر بناء مشاريع سكنية راقية بدلاً من المباني المدمّرة. أصدر الأسد هذا المرسوم بعد عدة أشهر من اندلاع الاحتجاجات السلمية في هذين الحيَّين ومن ثم نشأة المعارضة المسلحة ضمن إطار الجيش السوري الحرّ. وقد برّر النظام طرد السكان بضرورة تنفيذ برنامج تخطيط حضري طويل الأجل، ينهي ظاهرة المناطق العشوائية ويعيد تطويرها بموجب مبادئ توجيهية أفضل تنظيماً ويحسّن ظروفها المعيشية. لكن لم تكن تلك الادعاءات تتمتع بالحد الأدنى من المصداقية.

كان هناك بالفعل كثيرٌ من العشوائيات المحيطة بدمشق، والتي تستدعي نظرياً برنامجاً «يحسّن ظروفها المعيشية»، بما في ذلك المزة 86 والسومرية غربي حي المزة، وعش الورور شمال شرقي العاصمة، وضواحي الدويلعة وجرمانا في الشرق. جميع هذه الضواحي –الموالية إلى حد كبير– بقيت على حالها.

من جهة أخرى قام النظام بعمليات محو وتزوير واسع النطاق لسجلّات الممتلكات في مختلف أنحاء البلد، أيضاً بهدف منع السكان من العودة ومن المطالبة بأي حقوق. وفي 1 تموز 2013 مثلاً قصفت قوات النظام مبنى السجل العقاري في مركز مدينة حمص، وقد أدى الحريق الناتج إلى إتلاف العديد من سجلّات الممتلكات في المدينة16. كثيرون اعتبروا الحريق متعمداً «لأنه البناء الوحيد الذي أُحرق في الجزء الأكثر أمناً من المدينة»17. وقد أفادت تقارير أخرى بتعرّض السجلّات العقارية في كل من الزبداني وداريا والقصير لحوادث مشابهة18. إن إتلاف السجلّات لا يمنع أصحابها الأصليين من استعادة ممتلكاتهم فحسب، بل يتيح أيضاً نقل هذه الممتلكات إلى أفراد ومجموعات موالية للنظام.

شملت عمليات الإتلاف في بعض الحالات فواتير الكهرباء والماء التي يمكن استخدامها لإثبات الملكية الشرعية للسكن19. مرة أخرى، فقط الفئات المعارضة تعرضت لذلك. لقد سمح غياب المالكين الأصليين في كثيرٍ من المعاقل السابقة للمعارضة بكثيرٍ من حالات تزوير السجلّات، بما في ذلك استخدام الوثائق المزوّرة لبيع الممتلكات ونقلها ملكيتها لأشخاص جدد20.

كان الحريق الذي اندلع في مبنى السجلّ العقاري في حمص عام 2013، والخوف من فقدان المزيد من سجلّات الملكية، أحد الأسباب التي دعت لبذل الجهود في جمع وحفظ هذه السجلّات. وقد بدأت منظمة اليوم التالي (التي تتخذ من اسطنبول مقراً لها) بعمليات رقمنة ضخمة لسندات الملكية، بالإضافة للملفات القضائية المتعلقة بالنزاعات حول حقوق الملكية. وقد قام المشروع الذي ما يزال جارياً حتى الآن برقمنة مئات آلاف السجلّات في محافظتي حلب وإدلب21. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت المجالس المحلية في مناطق المعارضة سجلّات توثيق عقاري خاصة بها لتمكين المقيمين هناك من إجراء معاملات الأراضي والعقارات.

يبقى أن أحد أهم التحديات التي تواجه هذه الجهود هو محدودية حجم الأراضي المسجلة. وفقاً لبعض التقديرات فإن حوالي 50 بالمئة فقط من الأراضي في سوريا مسجلة رسمياً، في حين تم ترسيم حدود 40 بالمئة أخرى دون تسجيل رسمي. علاوة على ذلك ما تزال العديد من السجلّات ورقية22. الأسوأ من ذلك أن السجلّات العقارية في المناطق العشوائية، أي حيث تستمد المعارضة زخمها الأكبر، ضعيفة من الناحية القانونية وهي بالكاد تكفي لإثبات الملكية. نظراً للنسبة العالية لهذه المناطق (حوالي 40 بالمئة من إجمالي الوحدات السكنية في سوريا غير منظم) فإن حقوق ملكية ملايين السوريين لمنازلهم (وبالنسبة لمعظم اللاجئين والنازحين: منازلهم السابقة) معرضة للخطر.

وبالإضافة إلى جهودها في تجريد السكان من ممتلكاتهم، أصدرت الحكومة المرسوم 11/2016 في أيار 2016 الذي يوقف عمليات تسجيل الحقوق العينية العقارية التي جرت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، معتبراً أن الدوائر العقارية في تلك المناطق مغلقة. وبدلاً من ذلك، فُتِحَ سجلٌّ تكميلي في المديرية العامة للمصالح العقارية بهدف تسجيل المعاملات الجارية خارج مناطق سيطرة النظام وإدراجها في سجل الملكية الرئيسي بمجرد انتهاء الحرب وإعادة فتح الدوائر العقارية23.

في آب 2016، أعلن رئيس المديرية العامة للمصالح العقارية عبد الكريم إدريس أن لدى مكتبه نسخة من جميع سندات الملكية في جميع أنحاء سوريا وهي مخزنة في مكان آمن24. فإذا كان ادعاؤه صحيحاً فستمتلك الحكومة السورية نقطة قوة إضافية مع هذا العدد الكبير من سجلّات الممتلكات، سواء في سياق إعادة الإعمار بعد انتهاء النزاع أو في مصادرة ممتلكات السكان في المعاقل السابقة للمعارضة.

على أي حال، من الواضح أن هناك من الوقائع (المتصلة بتدمير الممتلكات والسجلّات) ما يكفي لتعقيد عودة اللاجئين والنازحين، ومنعهم من استعادة أملاكهم.

3.2 البعد الطائفي

ما يزال البعد الطائفي لسياسة النظام السوري فيما يتعلق بالأراضي والممتلكات، ولا سيما استهدافه المجتمعات السنيّة ومحاباته العلويين، موضع نقاش محتدم.

ينفي أنصار النظام وجود أي دافع من هذا القبيل، ويجادلون بأن النظام لجأ في مختلف أنحاء البلاد إلى ميليشيات مكوّنة من مقاتلين سنّة (مثل آل برّي في حلب وبعض قبائل الرقة ودير الزور)، وبأنه ما يزال يتمتع بدعم بعض شرائح الطبقة الوسطى العليا والبرجوازية في كل من دمشق وحلب. من جهة أخرى لم يحدث أن استُهدف السنّة الذين يعيشون في مناطق تركّز الأقليات. أخيراً قد يكون استهداف المناطق السنيّة مجرد انعكاس لديموغرافيات الانتفاضة، أي لجملة الأسباب التي تجعل السنة يعارضون النظام والأقليات يساندونه.

وعلى الرغم من أن هذه المحاججة لا تخلو من الوجاهة، ما تزال هناك أدلة ظرفية كافية على وجود سياسات ينفذها النظام بدوافع طائفية، على الأقل في بعض المناطق. وفي حين لم يستهدف النظام جميع سنّة سوريا، إلا أن جميع المجتمعات التي استهدفها النظام هي مجتمعات سنية25 ، ما جعل هذه المجتمعات تشعر بأنها مستهدفة بسبب طائفتها وليس بسبب معارضتها للنظام.

يضاف إلى البعد الطائفي أن النظام والإيرانيين اعتمدوا بشدة على الميليشيات الأجنبية المكوّنة من مقاتلين أفغان وعراقيين ولبنانيين شيعة. وبما أنه جرى توسّل خطاب طائفي لتعبئة كل هؤلاء المقاتلين26 ، فقد كان لمعظم الجرائم التي ارتكبتها هذه الميليشيات بعد طائفي واضح (كما تبيّن كثيرٌ من الفيديوهات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي).

المنطقتان اللتان أباح المرسوم رقم 66 تدميرهما في دمشق، والمناطق السبع التي ذكرها تقرير هيومن رايتس ووتش، وتقريباً جميع المناطق التي دمّرها النظام وهجّر سكانها كانت مناطق سنيّة إلى حد كبير. وبالعكس، جميع المناطق العشوائية في دمشق والتي سبق ذكرها وبقيت في مأمن من الدمار هي مناطق أقليات: معظم سكان المزة 86 والسومرية وعش الورور علويون، وتقطن الدويلعة أكثرية مسيحية، في حين يعيش في جرمانا مزيج من المسيحيين والدروز.

في بعض الحالات، كما في مدينة حمص التي كانت تشهد توتّراً طائفياً شديداً قبل اندلاع الانتفاضة27 ، جرت إعادة توزيع أملاك المهجّرين –أي السنّة– على سكان علويين.

فيما يتعلق بإعادة التوزيع، جاء في تقرير حول مدينة حمص نشرته منظمة باكس والمعهد السوري أوائل عام 2017 ما يلي: «وصف اثنان ممن قابلناهم محاولات تخلّصهما من ثلاثة عقارات كانا يملكانها في حمص بعدما غادرا المدينة، قبل أن يدركا أنه تم بيع المنازل بصورة غير مشروعة باستخدام وثائق مزوّرة. تم ذلك في أحياء البياضة وحي الأرمن والزهراء شمال شرقي المدينة، وهي إما أحياء ذات أغلبية علوية أو متاخمة لأحياء ذات أغلبية علوية، فلم تخضع للحصار الذي شهده مركز المدينة ولم تتعرض مبانيها سوى لأضرار طفيفة. كلاهما وصف السيناريو ذاته: يتصل بأحد السماسرة ليذكر له عقاراته فيقول له الأخير إنها مباعة بالفعل وهناك سجلّات تثبت ذلك. يقول أحدهما: «لم أفهم الأمر في البداية لأنني لم أعرضه للبيع... لقد بيعت جميع البنايات لسكان علويين عبر سلطة الحكومة السورية. تم تزوير وثائق تقول إنني بعت بيتي لعلويين. حدث ذلك في الحي بأكمله» (...) أما الآخر فذكر أن أسرته «اتصلت بسمسار أكد أن لديه أوراقاً تثبت أن علويين يملكون المنزل... وكأننا بعناه، باستثناء أننا لم نحصل على أي شيء. لقد تم الاستيلاء عليه لا أكثر ولا أقل»28.

هذا وقد عزّز الشعور باستهداف السنّة تسمية «سوق السنّة»29 التي أطلقت في حمص على الأسواق المنشأة لبيع الأثاث والسلع المسروقة التي «يعفّشها»30 الشبيحة من بيوت المعارضين، وقد انتشرت هذه التسمية في عدة مدن سورية أخرى.

وفي جبال القلمون المتاخمة للبنان، ما يزال مئات آلاف النازحين خارج ديارهم على الرغم من توقف المعارك منذ سنوات، معظمهم مقيم على الجانب الآخر من الحدود ولا يسمح له بالعودة. تخضع المنطقة الآن لسيطرة حزب الله اللبناني، وهو تنظيم سياسي وعسكري واجتماعي شيعي يقال إنه عازم على إبقاء هذه المنطقة الاستراتيجية تحت سيطرته ويسعى لتوطين فئات متعاطفة معه فيها31.

لذلك، حتى لو لم يكن لدى النظام السوري وإيران سياسة تطهير طائفي ممنهج على مستوى البلاد، فهما لم يترددا في تهجير السنّة حين تطلّبت ذلك احتياجاتهم السياسية والأمنية –حيث كان السنّة خطراً على مصالحهم– وفي استبدالهم تالياً بعلويين أو أبناء أقليات آخرين.

3.3 مشتريات الأراضي الإيرانية

انخراط إيران في النزاع السوري موثق الآن على أوسع نطاق. وقد كان لدعم طهران العسكري والأمني، بالإضافة للمساعدة الاقتصادية الهائلة، تأثير كبير على مصير حليفها. لكن هناك أدلة على قيام الإيرانيين أيضاً بشراء الأراضي والعقارات (على الأقل في بعض أنحاء البلاد) مما يثير تساؤلات حول أهداف طهران الطويلة الأمد في سوريا.

أكدت وسائل الإعلام الإيرانية هذه المشتريات في بلدة السيدة زينب في ريف دمشق، حيث المزار الشيعي البارز المسمى باسم حفيدة النبي محمد. ففي آب 2014، نقل عن رئيس مديرية إعادة إعمار المزارات المقدسة حسين بالاراك قوله: «سوف تتم إعادة النظر في المخطط العمراني للمنطقة المحيطة بالسيدة زينب. نعمل حالياً على نموذج جديد ونعمل على شراء العقارات المحيطة بالمزار»32.

هناك أيضاً أدلة متواترة حول عدة عقارات في دمشق القديمة اشتراها شيعة دمشقيون، علماً أنه لا تتوفر أدلة ملموسة على أنهم مجرد واجهات سورية لمشروع إيراني أو جزء من جهود ضخمة وممنهجة33. وعلى الرغم من كثرة التقارير الصادرة عن دوائر ووسائل إعلام المعارضة، من الصعب جمع أدلة مباشرة على مشتريات إيرانية في أجزاء أخرى من البلاد.

في دمشق أيضاً انتشرت شائعات أخرى تفيد شراء إيران (إما بشكل مباشر أو عبر وكلاء) لمساحات وممتلكات في حي المزة في المنطقة المحيطة بالسفارة الإيرانية، وكذلك في منطقة البحصة قرب المركز الثقافي الإيراني، فضلاً عن مدينة حمص. علاوة على ذلك، في نيسان 2016، نشب حريق راحت ضحيته عدة محلات تجارية في بلدة دمشق القديمة، وقد تم اتهام الإيرانيين بالتسبب به واعتباره محاولة لإفساح الطريق لمشترين شيعة، على الرغم من أن آخرين اتهموا محاسيب النظام34. معظم هذه الادعاءات غير مدعومة بأي أدلة، إلا أنها كانت خطيرة بما يكفي ليقوم أحد العلماء المؤثرين والمؤيدين للمعارضة، الشيخ كريّم راجح، بإصدار فتوى في آب 2015 تحرّم بيع الأراضي السورية لمواطنين إيرانيين لما في ذلك من خدمة للمخطط الإيراني الهادف إلى السيطرة على البلاد ونشر التشيّع35.

تسعى إيران عبر حيازة الأراضي والممتلكات السورية لتحقيق عدة أهداف. فهناك أولاً دافع إيديولوجي ومذهبي للسيطرة على المزارات الدينية بما يتماشى مع جهود مماثلة في النجف وسامرّاء وكربلاء في العراق36.

هناك أيضاً دافع اقتصادي، فطهران تريد الاستفادة من الدعم المالي الضخم الذي قدمته لدمشق، وهي تعرف أنه ليس لدى النظام القدرة على رد الجميل نقداً. وفي الوقت نفسه، ترغب الشركات الإيرانية في تهيئة نفسها لإعادة الإعمار وتعرف أن من شأن قطاعي العقارات والبناء أن يجتذبا نشاطاً تجارياً معتبراً. في حزيران 2014، قال رئيس الوزراء السوري وائل حلقي إن «الشركات الإيرانية هي شريك سوريا الأساسي في إعادة إعمار البلد»37. في كانون الثاني 2017، وقعت الحكومتان السورية والإيرانية عقداً تحصل بموجبه الشركات الإيرانية على حوالي 11,000 هكتار من الأراضي في المنطقة الساحلية لتطوير مشاريع زراعية وإنشاء مستودعات لتخزين النفط38.

ولا تخفى الدوافع السياسية والأمنية أيضاً. ففي حين لا يمكن التعويل على الطائفة الشيعية السورية، والتي تمثل أقل من 1 بالمئة من السكان ويستحيل أن تلعب أي دور سياسي وعسكري مهم، يرجح أن تساهم حيازة الأراضي في تحقيق بعض السيطرة على مجالات استراتيجية محددة، ولا سيما في جبال القلمون على طول الحدود اللبنانية.

ومن شأن حيازة الأراضي أن يقوّي احتمالات إنشاء الممرّ البرّي الممتد من إيران وحتى البحر المتوسط مروراً بالعراق. في أيار 2017، ذكرت صحيفة الغارديان أن طهران غيّرت مسار الممرّ البرّي التي تسعى لإنشائه بين طهران وساحل المتوسط، حيث سيمرّ الطريق الجديد «من دير الزور إلى السخنة إلى تدمر، ثم دمشق، وبعد ذلك الحدود اللبنانية، حيث يمكن تحقيق الهدف الأكبر المتمثل بتقوية حزب الله جزئياً من خلال عمليات التبادل الديموغرافي. ومن هناك جرى تخيّل طريق آخر نحو اللاذقية والبحر المتوسط، مما يمنح إيران طريقاً بحرياً خارج الخليج العربي الخاضع لمراقبة مشدّدة»39. ساهمت التطورات الميدانية الأخيرة في تعزيز هذه المزاعم، فقد سعت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران للاستيلاء على السخنة أولاً، قبل أن تتقدم بسرعة نحو الحدود العراقية.

3.4 التهجم على حقوق الملكية في المناطق الكردية

ليس النظام الطرف الوحيد الذي يحاول التأثير على حقوق الملكية. فقد أثيرت شبهات بحالات مماثلة ارتكبها حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في أيلول 2015، حيث أصدر المجلس التشريعي لمقاطعة الجزيرة (وهي هيئة تشريعية أنشأها حزب الاتحاد الديموقراطي في إحدى المقاطعات الثلاث الخاضعة لسيطرته) قانوناً يقضي بمصادرة أملاك الذين غادروا المنطقة، والهدف هو «حماية» هذه الأصول من استيلاء أطراف ثالثة عليها وتوظيفها لصالح المجتمع40.

نظرياً يمكن لهذا الإجراء أن يطال كل من غادر المنطقة، بغض النظر عن خلفيته الإثنية والطائفية. إلا أن المسيحيين الذين كانت نسبة الفارّين بينهم أكبر، وهم ​​وسطياً أغنى من غيرهم (وبالتالي يملكون عقارات أكثر) شعروا بأنهم مستهدفون بشكل خاص41 ، وقد كان أعضاء المجلس الآشوريون الوحيدين الذين عارضوا مشروع القانون. وفي غضون أسابيع قليلة اضطر حزب الاتحاد الديموقراطي (وهو صاحب السلطة الحقيقية في المجلس) للتراجع، على الأرجح خوفاً من رد فعل بعض الداعمين الأجانب الذين تتملكهم حساسية خاصة تجاه محنة المسيحيين. وعليه فإن الأصول التي كان يملكها مسيحيون وتم الاستيلاء عليها مؤقتاً هي الآن بعهدة الكنيسة.

في الأثناء شهدت مدينة منبج، والتي تتنازعها جماعات مسلحة كردية وعربية، إتلاف سجلّاتها العقارية، فقد اشتعلت النيران في المبنى الذي يضم سجلّات الأحوال المدنية والأراضي بعد استيلاء قوات الاتحاد الديموقراطي على البلدة في آب 2016. أثار ذلك شكوكاً حول نية الحزب الكردي في إتلاف سجلّات ممتلكات العرب في المدينة لمنع أي دعاوى ملكية من طرفهم42. تقع منبج في قلب المنطقة ذات الأغلبية الكردية الممتدة على طول الحدود التركية، حيث تشكل جزيرة ذات أغلبية عربية وتركمانية43. ورغم عدم توفر الدليل على مسؤولية الاتحاد الديموقراطي عن الحادثة، إلا أن معظم المقالات المنشورة على وسائل إعلام المعارضة السورية كشفت عن حساسية المسألة وعن النظرة العامة تجاه ما حدث، فقد عزّز ارتفاع التوتّر الإثني في منبج (كما هو حال التوتّر الطائفي في حمص) من شبهة ارتكاب خطأ متعمّد.

4. الدمار كرأسمال: اقتصاديات الأراضي والممتلكات

سيتطلب الحجم الهائل من تدمير سوريا جهود إعادة إعمار ضخمة: تشير تقديرات عديدة أن إعادة بناء سوريا ستتطلب استثمارات تصل إلى 200 مليار دولار. يتحمل النظام القسط الأعظم من مسؤولية هذا الدمار، لكن ذلك لم يمنعه من التهيؤ للمشاركة الفاعلة في جهود إعادة الإعمار بمجرد انطلاقها.

أظهر النظام نشاطاً خاصاً في تنظيم القطاع العقاري، في مراهنة منه على تمكين محاسيبه من السيطرة على المزيد من الأصول في كبرى المراكز الحضرية. تم التذرع بالحاجة لتمويل إعادة الإعمار من أجل تغيير الأطر القانونية بطريقة تسهل فعلياً الاستيلاء التدريجي، لا على الأراضي العامة فحسب، بل أيضاً على مناطق الإسكان غير المنظم الذي تعيش فيه الفئات الأشد فقراً، بما يخدم مصالح محاسيب النظام.

وبما أن فرص الأعمال محدودة نتيجة انهيار معظم الاقتصاد واستمرار العقوبات الدولية، تعتبر العقارات من المجالات النادرة لتحصيل أرباح مستقبلية محتملة. يضاف إلى ذلك أن حجم الدمار سيجعل القطاع العقاري هو الأكثر ربحية لسنوات وعقود قادمة، ومن هنا حاجة النظام للتأكد من سيطرة محاسيبه على أكبر قدر ممكن من الأراضي والممتلكات بانتظار إعادة الإعمار.

وبالفعل يشهد قطاع مواد البناء، المرتبط ارتباطاً مباشراً بإعادة الإعمار، الكثير من التحضيرات مؤخراً. ففي نهاية 2015 مثلاً أنشأت الحكومة «المجلس السوري للمعادن والصلب»، والمكلف بالإشراف على قطاع المعادن والصلب، وتنظيم أسعار شراء وبيع المعادن، وتشجيع شركات القطاع الخاص، وتصديق شهادات المنشأ، إلخ. معظم أعضاء هذا المجلس مستثمرون نافذون مرتبطون بالنظام، بما في ذلك محمد حمشو، أحد أقوى رجال الأعمال في البلاد44.

كذلك توافقَ سامر فوز وعماد حميشو، اثنان من كبار المستثمرين السوريين، على الشراكة في تشغيل واحد من أكبر معامل صهر المعادن45 ، في حين يخطط آخرون لإنشاء وحدات لإنتاج الإسمنت. لكن تبقى الأراضي والممتلكات في مراكز المدن الكبرى وما حولها أكثر الأصول قيمة. وبما أن كثيراً من هذه الأصول تملكه الدولة، بما في ذلك الوحدات الإدارية كالمدن والبلدات46 ، فقد تم وضع تشريعات تتيح نقلها بطريقة أو بأخرى إلى مستثمرين من القطاع الخاص.

4.1 التشريع لنقل ملكية الأصول العامة إلى المحاسيب

في أيار 2015، سنّت الحكومة المرسوم 19/2015 الذي يسمح للوحدات الإدارية –المحافظات والمدن والبلدات– بإنشاء شركات قابضة مملوكة بالكامل للقيام بأعمال البنية التحتية نيابة عنها، وإحداث وإدارة مراكز خدمة المواطن، ومنح تراخيص البناء، وإدارة جميع عقارات الوحدة الإدارية. كما يتم إعفاء الأصول التي تديرها الشركات القابضة وأي من شركاتها التابعة من أي ضرائب أو رسوم47.

يتمثل منطق المرسوم في أن الشركات القابضة العاملة بموجب قانون الشركات القابضة أكثر مرونة من الهيئات الحكومية، فهي تقلل الروتين البيروقراطي وتحد من الفساد وتوفر خدمات أكثر كفاءة. يحتوي المرسوم على قشرة احترام وتظاهُر بحماية المصلحة العامة حين ينصّ على أن الشركات القابضة مملوكة بالكامل من قبل الوحدات الإدارية. لكن لا توجد تقييدات من هذا النوع على ملكية الشركات التابعة للشركة القابضة – لا يسمح القانون للشركة القابضة بالقيام بأنشطة تجارية، فهي مجرد واسطة لتعزيز ملكية الشركات التابعة المختلفة. بعبارة أخرى، يمكن للشركات القابضة إنشاء شركات تابعة ضمن مشاريع مشتركة مع مستثمرين من القطاع الخاص بدون سقف ملكية، ما يسمح للأخيرين بامتلاك أغلبية الأسهم. وقد أكد المسؤولون الحكوميون أنه سيتم إنشاء شركات تابعة ضمن مشاريع مشتركة مع المصالح الخاصة، وأن هدف الشركات القابضة هو في المقام الأول تطوير المشاريع العقارية.

يقدم هذا الترتيب للمستثمرين ثلاث مزايا. أولاً سيتمكن المستثمرون من القطاع الخاص (أي في السياق السوري الحالي محاسيب النظام) بشكل غير مباشر من إدارة جميع الأصول العقارية الكبيرة التي تعود ملكيتها للمحافظات والمدن السورية. ثانياً، بما أن الشركات القابضة والشركات التابعة لها منشأة بموجب قانون الشركات، وبالتالي ليست هيئات حكومية، فهي لن تضطر لخوض عمليات مناقصة عامة، بل ستمنح العقود للشركات التي تختارها. ومع أن المناقصات الرسمية عرضة للفساد، إلا أنها على الأقل توفر الحد الأدنى من الشفافية وضمانات حماية المصلحة العامة؛ كل ذلك سينتهي الآن. أخيراً، ستعفى الأصول المنقولة إلى الشركات القابضة والشركات التابعة لها من جميع الضرائب والرسوم، باعتبارها ملكية عامة. بعبارة أخرى، ستستفيد الشركات القابضة المنشأة بموجب هذا المرسوم من مزايا العمل بموجب قانون الشركات ومن مزايا امتلاك الأصول العامة في آن واحد.

وهكذا، بعيداً عن مزاعم حماية المصلحة العامة، ستستخدم الشركات القابضة غطاء لحماية مستثمري ومقاولي القطاع الخاص المشاركين في تطوير المشاريع، سواء على أراضي الدولة أو على الأراضي الخاصة التي تمت مصادرتها.

في كانون الأول 2016، وضعت محافظة دمشق الصيغة النهائية لشركة دمشق الشام القابضة المساهمة المغفلة، برأسمال ابتدائي قدره 60 مليار ليرة (أو حوالي 120 مليون دولار)، حيث ستتولى تطوير الموقعين المحددين في المرسوم 66. في آذار 2017 تلتها محافظة حمص مع شركتها القابضة الخاصة48. وفي آذار 2017 أيضاً تم إنشاء شركة تطوير عقاري برأسمال 50 مليار ليرة سورية (حوالي 90 مليون دولار) على يد مستثمرين محسوبين على للنظام، منهم نادر قلعي، المساهم والمدير العام السابق لشركة سيريتل – وهي شركة يملكها رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد ورجل الأعمال الأقوى في البلاد. ومن الأهداف الرئيسية المعلنة لهذه الشركة دخول المناقصات على المشاريع التي تطلقها شركة دمشق الشام القابضة49.

كما صدر نص رئيسي آخر في كانون الثاني 2016، هو قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص50. كانت هناك محادثات جارية مسبقاً، قبل الانتفاضة، حول قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص لإعفاء الحكومة من توفير تمويل لمشاريع البنية التحتية، والتي تتطلب عادةً رأس مال كبير. نظراً للأموال الضخمة اللازمة لتمويل إعادة الإعمار، يمكن لمشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص أن تكون منطقية نظرياً، لكن نص القانون اعتُبر على نطاق واسع وسيلة لإضفاء الشرعية على نقل أصول الدولة (ومعظمها على شكل أراضٍ أو أملاك عقارية) للمستثمرين من القطاع الخاص. يساهم غياب الضمانات، وغياب أي شكل من أشكال الضوابط والموازين القضائية أو المدنية المستقلة، في تحويل عمليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى تحديات خطيرة لحقوق ملكية الدولة السورية لأصولها51.

في أيار 2017، وضعت قائمة أولية بالمشاريع التي ستقدم للمستثمرين بموجب قواعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولو أن المشاريع التي تتضمن أصولاً على شكل أراضٍ أو عقارات ما تزال محدودة52.

4.2 استهداف النظام لسكان العشوائيات

يضع النظام عينيه أيضاً على مختلف المناطق العشوائية الكبيرة المحيطة بالمدن. بالإضافة إلى الأبعاد الهامة الأخرى لاستهداف المناطق العشوائية والتي نوقشت أعلاه (البعد السياسي والأمني والطائفي) هناك أيضاً بعد اقتصادي واضح.

تعود خصوصية المناطق العشوائية إلى تواجدها داخل أو قرب المراكز الحضرية، ما يضفي عليها قيمة خاصة. بالإضافة إلى ذلك، لا يملك سكان هذه المناطق بالعادة سنداً قانونياً قوياً يثبت أملاكهم، مما يسهّل تجريدهم منها. كما توجد بالفعل قوانين تحظر أو تقيّد وجود المناطق العشوائية، مما يسهل استهدافهم من ناحية قانونية وسياسية.

لعل أكثر القوانين تجسيداً لهذا الاستهداف الذي يطال سكان العشوائيات المرسوم رقم 66 لعام 2012 الذي سبق ذكره، والذي سمح بمصادرة أراضي وممتلكات منطقتين كبيرتين غير منظمتين في مدينة دمشق. تقع الأولى في منطقة استراتيجية بين أوتوستراد المزة وتنظيم كفرسوسة، وقد تم التخلص من سكانها تدريجياً بهدف توفير مساحة كافية لتطوير مشروع سكني فخم، حيث من المقرر تشييد حوالي 12 ألف وحدة سكنية في أبراج سكنية شاهقة، بالإضافة لمول وحدائق ومدارس ومطاعم53. وتقع المنطقة الثانية على الجانب الآخر من المحلق الجنوبي في العاصمة، وتشمل مدينة داريا وتمتد إلى الشرق حتى منطقة القدم. كانت هذه المناطق من المراكز النشطة للمعارضة، وقد هجرها سكانها إما نتيجة القمع والقصف والدمار الذي ألحقته بها قوات النظام، أو بموجب المرسوم التي شرّع تهجيرهم وتجريدهم من ممتلكاتهم.

يعتبر المشروع الأول، المسمى بساتين الرازي، في مرحلة متقدمة نسبياً، وقد قدمه النظام كنموذج لعمليات إعادة الإعمار في المستقبل، حيث وضع بشار الأسد نفسه حجر الأساس في آذار 201654 ، ثم طلبت الحكومة من المصرف التجاري السوري (الذي تملكه الدولة) بتوفير الأموال اللازمة لتمويل الاستثمار الأولي في البنية التحتية55.

وفي حمص أعلنت السلطات في آب 2015 موافقتها على مشروع التخطيط العمراني لمناطق بابا عمرو والسلطانية وجوبر، وقد كانت جميعها معاقل للمعارضة المسلحة قبل تدميرها على يد قوات النظام56 ، وقد أحيى هذا المشروع مشروع «حلم حمص» المثير للجدل الذي عارضه المجتمع المحلي عام 200757. وفي محافظة حماة، بعدما سوّت قوات النظام منطقة وادي الجوز بالأرض، أعلنت لجنة الاستثمار والتطوير العقاري عن فتح المنطقة للمستثمرين58.

بالإضافة إلى ذلك، سنّت الحكومة في كانون الأول 2015 قانوناً جديداً للتخطيط العمراني (القانون 23/2015)59 حل محل القانون 60/1979 الذي طالب بإلغائه متظاهرو درعا (انظر قسم الخلفية التاريخية أعلاه). لكن بدلاً من إنهاء عمليات المصادرة كما طالب المتظاهرون، يسهّل القانون الجديد عمليات المصادرة وإعادة تطوير المشاريع العقارية.

العدد الكبير من قوانين وتشريعات الملكية والإسكان التي تم سنها في السنوات الأخيرة يضيء على أهمية هذا القطاع في أعين النظام، والذي يستعد لحقبة ما بعد الحرب. في نهاية المطاف، قد يؤدي تدميره البلد إلى تمكينه من جني فوائد اقتصادية.

خاتمة

سيكون للهندسة الديموغرافية التي أجراها النظام السوري منذ عام 2011، من خلال التدمير والطرد والسلب وإعادة التوزيع، تأثير قوي على حقبة ما بعد النزاع. سيستمر الشعور العميق بالظلم والسلب لفترة طويلة من الزمن، ومن المرجح أن تندلع النزاعات بين المالكين المسلوبين والمستفيدين الجدد من التدمير وتزوير السجلّات.

غداً حين تنطلق عمليات إعادة الإعمار، ستؤثر القرارات المتعلقة بحقوق وملكية وتبادل الأراضي والممتلكات على كثيرٍ من القضايا: من يعود، وإلى أين؟ وما الأصول التي سيمتلكها العائدون؟ وما هي المناطق التي لها أولوية إعادة الإعمار؟ وهل سيضطر محاسيب النظام الذين استولوا على مساحات كبيرة من الأراضي والممتلكات إلى إعادة أي شيء؟ وما الذي ينبغي فعله بالنسبة للذين اشتروا عقارات على أراضٍ صودرت بشكل غير عادل؟

وفي حين يبدو أن النظام يحقق ما لا يمكن وقفه من الانتصارات والاختراقات في مسيرته الرامية للقبض على جميع أوراق المفاوضات السياسية في المستقبل، يبدو أنه سيواجه عدة عقبات في طريقه. من المرجح مثلاً أن تفشل عملية إعادة الإعمار الموجهة أكثر مما ينبغي لصالح الأغنياء، وذلك بسبب الانخفاض الشديد في حجم هذه الشريحة حالياً؛ فقد غادر كثيرٌ من الشرائح الوسطى العليا والبرجوازية، ومعظم الذين بقوا أصبحوا أكثر فقراً بكثير.

كما أن حاجة إعادة الإعمار للتمويل الخارجي ستكون نقطة قوة في يد كل من يستطيع تقديم هذا التمويل. وبالتالي ينبغي على المانحين ممارسة قوتهم النسبية ليس فقط في التأثير على خيارات النظام السياسية، بل أيضاً في إبطال كثيرٍ من سياسات الأراضي والممتلكات التي انتهجها خلال السنوات الست الماضية، وذلك في سبيل إعادة إعمار أكثر عدلاً وتوازناً.

ينبغي أن يكون التمويل مشروطاً مثلاً بعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، أو على الأقل بتعويض عادل لهم – يمكن تخصيص جزء من أموال إعادة الإعمار مباشرة لهذه التعويضات. وينبغي أن تسترشد عمليات الإعمار بمبادئ بينهيرو الأممية بشأن الإسكان وإعادة أملاك اللاجئين60.

ليس هذا هو الحال حتى الآن. وبحسب تقرير باكس والمعهد السوري حول حمص، تمت إعادة تأهيل بعض أجزاء حمص القديمة، بمساهمة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، دون مراعاة حقوق أصحاب العقارات الأصليين؛ كما أن عمليات إعادة تعبيد الطرق وصلت إلى أجزاء كثيرة من البلدة القديمة، ولكن لسبب غير مفهوم تخطت معقل المعارضة السابق في باب هود. وصف مؤلفو التقرير التمويل والدعم الدولي لإعادة إعمار تلك المنطقة بأنه «عوائد جريمة الحرب»61.

لا بد من تجنب هذا السيناريو في مناطق أخرى، وإلا فإن الدول المانحة تتقاسم المسؤولية عن إباحة أملاك السوريين تحت ذريعة إعمار ما دمرته الحرب.