التفاوض مستمر في السودان

 

شكّلت تطورات الأسابيع الماضية نقلة كبيرة في مسار التفاوض بين المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير المعارضة في السودان، وذلك بعد أن كان هذا المسار معلقاً منذ شهر أيار الماضي. وقد وقع الطرفان، في السابع عشر من شهر تموز/يوليو الماضي، اتفاقاً بالأحرف الأولى بشأن إدارة مرحلة الحكم الانتقالي في البلاد، وذلك بعد جولات طويلة من المفاوضات، أعقبت أشهراً من المظاهرات والأحداث الدموية منذ انطلاق ثورة شعبية واسعة في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2018.

وعلى الرغم من الأحداث المأساوية المستمرة في أنحاء السودان، إلا أن الضغوط الدولية والوساطة الإفريقية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الضغط على المجلس العسكري، الذي قبل بالدخول في شراكة مع القوى المدنية الممثلة بإعلان الحرية والتغيير، لقيادة فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، يتبعها إجراء انتخابات ديموقراطية.

وكان من المقرر خلال الأيام المقبلة استئناف التفاوض بين الطرفين، لبحث مسودة الوثيقة الدستورية التي يُفترض أن تكون المرجع خلال الفترة الانتقالية، إلا أن التوتر الذي تسببت به النتائج التي أعلنتها، في السابع والعشرين من تموز الماضي، اللجنة التي شكلها المجلس العسكري للتحقيق في مذبحة القيادة العامة، والتي رفضتها سائر قوى الثورة والمعارضة في السودان، ثم استشهاد خمسة متظاهرين في مدينة الأبيض وسط السودان بعدها بيومين، قد يؤدي إلى تعليق المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى التغيير، ما قد يضع المسار التفاوضي أمام أزمة جديدة يقف وراءها بشكل غير مباشر الفريق حمدان دقلو الملقب بحميدتي، قائد قوات الدعم السريع ونائب قائد المجلس العسكري، الذي قفز خلال الأشهر الماضية منذ الإطاحة بالبشير، ليكون الضابط الأكثر نفوذاً في البلاد، متزعماً قوات ذات خلفيات ميليشياوية متهمة بارتكاب جرائم حرب، وكانت تتبع للبشير بشكل مباشر خارج أطر وهيكلية الجيش النظامي.

ورغم مطالبة المتظاهرين وقوى التغيير المتكررة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في المذبحة الرهيبة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الثالث من حزيران الماضي، عندما قامت بفض اعتصام القيادة العامة بعنف دموي مفرط، إلا أن المجلس العسكري أصرّ على تشكيل لجنة تحقيق بنفسه، جاءت نتائج أعمالها مقلّلة من حجم المذبحة، ومؤكدة عدم مسؤولية المجلس العسكري عنها، وهو ما رفضته قوى إعلان الحرية والتغيير، وأشعل غضباً ومظاهرات واسعة في سائر أنحاء السودان.

وبينما يتم العمل على تجاوز الخلافات حول الاتفاق النهائي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، خاصةً البنود التي تتعلق بإعطاء الحصانة المطلقة لأعضاء المجلس العسكري الانتقالي، فإن نائب رئيس المجلس العسكري حميدتي يستغل هذه الأوضاع لتصفية جميع القوى المناوئة له ضمن الجيش، إذ أعلن الناطق باسم المجلس العسكري نهاية الشهر الماضي عن إفشال محاولة انقلاب، كان يقودها رئيس الأركان الفريق أول هاشم عبد المطلب وقائد سلاح المدرعات اللواء نصر الدين عبد الفتاح، ومعهما شخصيات من النظام السابق من بينها وزير خارجية السودان في عهد البشير علي كرتي، إلا أنّ ظروف الإعلان المفاجئة عن الانقلاب في بيان صحفي، وهوية الجهة التي كشفت هذا الانقلاب المزعوم، وهي جهاز استخبارات قوات الدعم السريع المشكل حديثاً، وذلك بعد أقل من أسبوعين على إعلان المجلس العسكري إفشاله انقلاباً عسكرياً آخر أيضاً، يضع العديد من التساؤلات والإشارات، أولها أنّ المستفيد الأول من حملة الاعتقالات التي جرت بعد هذا الإعلان هو حميدتي، الذي أزاح من الواجهة اثنين من كبار قادة الجيش، كان التوتر يشوب علاقتهما به.

ضمن هذه الظروف، يبدو أن حميدتي يخطو بشكل ثابت ليحقق نفوذاً شبه مطلق على الجيش في السودان، الأمر الذي قد يشكّل تهديداً للمسار الديموقراطي، الذي سيكون باستطاعته القفز عليه وتجاوزه إذا ما أحسّ بأن السلطة الأمنية والعسكرية قد أصبحت كلها في يده، وتشير مجمل سيرة الرجل إلى أنه يسعى إلى ذلك فعلاً، وعلى وجه الخصوص تمتعه بالنفوذ الأوسع والحضور الأكبر، على الرغم من أنه نائب قائد المجلس العسكري وليس قائده.

في هذه الأثناء تستمر التظاهرات في السودان للتنديد بالانتهاكات وعمليات القتل التي ترتكبها قوات الأمن وقوات الدعم السريع، وللضغط على العسكر للاستمرار في عملية التفاوض، وبدء المرحلة الانتقالية. وكان الاتفاق الذي وقعه كل من المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير ينص على إنشاء مجلس سيادي مؤلف من أحد عشر عضواً، خمسة من المجلس العسكري ومثلهم من قوى الحرية والتغيير، وشخصية مدنية مستقلة محايدة تتم تسميتها بالتوافق بين الطرفين، على أن يتم التناوب على رئاسة هذا المجلس الذي سيحكم السودان لمدة 39 شهراً. وبينما تخضع مسودة الوثيقة الدستورية للنقاش حتى اللحظة، إلا أن العناوين العريضة لهذه الوثيقة أصبحت معروفة للسودانيين بعد أن نشر ممثلو قوى إعلان الحرية والتغيير نصها، الذي يتضمن تشكيل برلمان تمتلك فيه قوى الحرية والتغيير أغلبية الثلثين، وأن يمتلك هذا البرلمان صلاحية نزع الحصانة عن أعضاء المجلس العسكري والمجلس السيادي الذي سيتم تشكيله بأغلبية الثلثين، وبحسب الوثيقة أيضاً، فإنه سيتم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر في الانتهاكات وعمليات قتل المتظاهرين خلال أحداث الثورة السودانية، وسيتم إلغاء دستور عام 2005.

يمكن النظر الآن إلى تطورات الأسابيع الماضية في السودان باعتبارها قد ساهمت في تثبيت قوتين رئيسيتين في البلاد، الأولى هي قوى إعلان الحرية والتغيير، التي أصبحت الممثل الرئيسي للقوى المدنية والسياسية التي قادت الثورة السودانية ضد حكم عمر البشير، مع احتفاظ سائر القوى داخل الإعلان بتمايزاتها الخاصة، مثل تجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي السوداني. وتعتمد قوى الحرية والتغيير على الدعم الشعبي الواسع الذي تتلقاه من جموع المتظاهرين، الذين يواصلون احتجاجتهم المنظمة في سائر أنحاء السودان.

أما القوة الثانية، فتنتمي بشكل عام إلى قوى الجيش والأمن في السودان، إلا أن اسماً بارزاً فيها بدأ يحصل على النفوذ الأكبر، هو الفريق محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي قائد قوات الدعم السريع، الذي لا يقتصر نفوذه اليوم على ترؤس هذا الجهاز العسكري القوي، بل تمتد سلطته إلى قطاعات اقتصادية حيوية مثل قطاع مناجم الذهب شمال البلاد، ما يجعله التهديد الأكبر للعملية الديموقراطية خلال الفترة المقبلة.

بين هذين الطرفين، ما تزال كفة الميزان تتأرجح حتى اللحظة مظهرةً تفوق الخيار الديموقراطي في البلاد، يدعمه موقف دولي وإفريقي يسعى إلى تجنيب السودان سلسلة من الحروب الأهلية الجديدة، وهو البلد الذي يعاني من حروب كهذه بشكل مستمر ومتكرر، إلا أن بقاء شخصيات مثل حميدتي في مفاصل السلطة، وحصولها على نفوذ متزايد، يشكل خطراً كبيراً على المكتسبات الهشّة التي حققتها القوى المدنية كنتيجة لثورة ديسمبر السودانية المستمرة.