التل على صفيح ساخن

 

أربع سنوات ونصف مضت على سيطرة النظام السوري على مدينة التل في ريف دمشق، عاش خلالها الأهالي أوضاعاً إنسانيةً صعبة للغاية لم يشهدوا مثلها حتى خلال فترة الحصار حسب ما يقوله عديدون منهم. فالوعود التي أطلقها مسؤولو النظام عن إعادة الخدمات الى المدينة كانت مجرد تصريحات إعلامية، وهو ما جعل السكان يصلون إلى مرحلة من الاحتقان دفعت بعضهم للتعبير عن رفضه لهذا النظام بشكل علني.

وكانت قوات النظام السوري قد سيطرت بشكل كامل على التل في كانون الأول (ديسمبر) 2016، بعد شهور من الحصار والقصف، انتهت بتوقيع «اتفاق تسوية» نصّ على خروج نحو 2,000 شخص من أبناء المدينة بينهم 500 من مقاتلي فصائل المعارضة إلى مناطق الشمال الخارجة عن سيطرة النظام، بينما فضّل باقي السكان عدم الخروج من بيوتهم أملاً بأن يكون البقاء أفضل من التهجير.

ليس هناك إحصائيات حكومية رسمية لأعداد سكّان التلّ اليوم، غير أن مسؤول الإعلام والصحافة في شعبة حزب البعث في التل عام 2019 قال إن عدد سكّانها يبلغ نحو 400 ألف نسمة، فيما أشارت بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (UN OCHA) إلى أنّ عدد سكّان منطقة التل يبلغ حوالي 330 ألف نسمة يعيش قرابة 257 ألف منهم في مدينة التل.

السكّان محرومون من الخدمات الأساسية

غياب الكهرباء هو الهم الأكبر الذي يُؤرق سكان التل، فالتيار الكهربائي كان خلال الشتاء الماضي يعمل نصف ساعة فقط كل 24 إلى 30 ساعة في بعض الأحيان والأحياء، لكنه تحسّن قليلاً مؤخراً بحيث أصبحت الكهرباء تتوافر لأربع أو خمس ساعات في اليوم. وحتى خلال أوقات وجودها، قد تنقطع الكهرباء أكثر من مرة بسبب الحمولة الزائدة. يلجأ بعض الأهالي الميسورين إلى تشغيل المولدات، بينما يعيش أغلب السكان بدون كهرباء معظم وقتهم.

يقول أبو ممدوح من سكان التل: «الكهرباء مشكلة حقيقية بالنسبة لنا، خاصةً خلال فصل الشتاء، فالطقس في مدينة التل كما هو معروف بارد جداً. لا يمكننا تشغيل التدفئة الكهربائية، وفي الوقت نفسه أسعار المازوت والحطب باهظة جداً، ما يُعرّض كبار السن والأطفال للأمراض بسبب البرد القارس، إضافةً إلى حرماننا من الاستخدامات الأخرى للكهرباء: مثل الغسيل ومضخات الماء والسخانات والبراد والثلاجة، وبالتالي تتعرّض أغلب المونة للتلف».

يضيف أبو ممدوح للجمهورية.نت: «المزعج في موضوع الكهرباء ظاهرة الواسطات والمحسوبيات، فبعض العوائل المرتبطة بحزب البعث أو البلدية أو الشبيحة تصل الكهرباء لها، أو يقومون بالاستجرار غير الشرعي من أعمدة الكهرباء الواصلة إلى المؤسسات الحكومية، وسط غياب أي رقابة عليهم، علماً أن عمليات سرقة الكهرباء تنتشر بشكل كبير في منطقتَي الجمعيات وحرنة».

ويقول بعض من تحدثنا إليهم من سكّان التل إن وجهاء المدينة وتجارها طالبوا العام الماضي بأن ترفع وزارة الكهرباء في حكومة النظام يدها عن المدينة، وأن يسمحوا لهم بالتعاون لإنارتها عبر «مولدات الطاقة»، إلا أن طلبهم قوبل بالرفض، ليستمرّ ما يمكن اعتباره عقاباً لسكّان المدينة، خاصةً أنها تضم آلاف النازحين من أهالي المناطق التي شهدت انتفاضات كبرى ضد النظام، وخاصةً من دوما وحرستا في الغوطة الشرقية.

ولا يقتصر الأمر على الكهرباء فقط، فالمياه أيضاً مشكلة أخرى يعاني منها أغلب سكان التل، حيث يتم ضخ المياه مرة أو مرتين فقط كل أسبوع، ما يضطر الأهالي لتعبئة المياه من الشوارع والمساجد، أو شرائها من الصهاريج. يقول أبو ممدوح: «أكدت مؤسسة مياه الشرب في دمشق وريفها في شباط الماضي أن منسوب المياه في نبع الفيجة والآبار الجوفية هذا العام جيد جداً، وأنه لن يكون هناك تقنين للمياه، ورغم ذلك لا تصل المياه الى التل سوى في فترات قليلة، وهذا يؤكد أن هناك تعمّداً واضحاً في قطع الخدمات عن التل وعلى رأسها المياه والكهرباء».

واقع الخبز أيضاً ليس أفضل حالاً من باقي الخدمات، وهو ما عبّرت عنه الحاجّة أم نبيه (نازحة من حرستا ومقيمة في التل)، التي أكدت أن رغيف الخبز بات مغمّساً بالذل والإهانة، مشيرةً إلى أنه «يتم توزيع هذه المادة عبر معتمدين أغلبهم لديه علاقة مع الأفرع الأمنية أو أعضاء حزب البعث، حيث يتعمّدون إذلال الأهالي من أجل ربطة خبز والصراخ عليهم، وعدم إعطائهم مخصصاتهم المحددة لهم بالكامل، فالشخص الذي لديه ضمن مخصصاته على البطاقة الذكية ثلاث ربطات، يعطيه المعتمد ربطة أو ربطتين فقط وبسعر 200-250 ليرة سورية للربطة الواحدة، بدلاً من سعرها الفعلي 100 ليرة».

ولا يلتزم المعتمدون في التل بمواعيد تسليم الخبز، حيث يضطر السكان للانتظار عدة ساعات لقدوم المعتمد، و«حين يصل يعطي الأولوية لأقربائه وبعض الأشخاص المرتبطين بحزب البعث وقوات النظام، حيث يمنحهم عشرات الربطات دون أن ينتظروا دقيقة واحدة في الصف، بينما قد ينتظر آخرون عدة ساعات ولا يحصلون على أي ربطة لنفاذ الكمية، وهو ما يضطر البعض لشراء ربطة الخبز من السوق السوداء بـ800 ليرة سورية»، بحسب ما أفادت الحاجّة أم نبيه التي تعاني من هذا الواقع بشكل مستمر كباقي سكان التل.

كذلك يعتبر القطاع الطبي في المدينة متردياً للغاية، إذ يشتكي عدد من أهالي مدينة التل الذين تحدثنا معهم من نقص الكوادر المختصة، ومن عدم توفّر الأجهزة اللازمة للعمليات الجراحية والتصوير الشعاعي. وزاد الواقع سوءاً مع تفشي فيروس كورونا في المدينة خلال نيسان (أبريل) من العام الماضي، وباتت مشافي التل عاجزة عن استيعاب الحالات المرضية «العادية» الواردة إليها، بعد ارتفاع أعداد المصابين في المدينة.

تضم التل ثلاثة مشافٍ ومركزاً صحياً، وكانت حكومة النظام أعلنت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي افتتاح جزء من مشفى مدينة التل الوطني الذي شُيّد بأموال أهالي ومغتربي المدينة، لكن ذلك لم يُسهم في تحسين الواقع الطبي، كون المشفى يُخدّم سكان التل إضافةً إلى بلدات منين ومعربا والدريج وحلبون ومعرونة وتلفيتا، وبالتالي يشهد ضغطاً كبيراً مقارنةً بقلة عدد الكوادر الطبية الموجودة، فيضطر أغلب السكان للتوجه إلى مشافي دمشق خاصةً في حالات العمليات الجراحية.

المواصلات همّ يُرهق السكان

يعاني أهالي التل بشكل كبير من مشكلة المواصلات، حيث يتجمّع الطلاب والموظفون وباقي السكان يومياً على طول الطريق الرئيسية المؤدية إلى العاصمة دمشق، من ساعات الصباح الأولى وحتى فترة الظهيرة، في انتظار قدوم الحافلات (السرافيس) أو أي وسيلة نقل تُقلّهم إلى وجهتهم.

وزادت أزمة المواصلات أكثر بعد إضراب أغلب السائقين عن العمل في تشرين الثاني (أكتوبر) من العام الماضي احتجاجاً على انخفاض تكلفة الركوب، مطالبين المجلس البلدي برفع التعرفة من 100 إلى 300 ليرة سورية، لكن البلدية لم تستجب لمطالبهم وهدّدتهم بسحب تراخيص العمل على الحافلة ضمن خط التل-دمشق ما لم يتم إنهاء الإضراب، وهو ما دفع السائقين إلى إنهاء الإضراب خوفاً على أرزاقهم والعودة للعمل ضمن التعرفة المحددة، بينما لجأ سائقون آخرون الى حلول بديلة.

وفي هذا السياق قال أمجد، من سكان التل وأحد طلاب كلية الآداب في جامعة دمشق: «لجأ بعض أصحاب الحافلات العاملة على خط التل، إلى التوقف عن العمل على نقل الركاب، والانتقال إلى تجارة المازوت، حيث يحصل السائق يومياً على 30 لتر بالسعر المدعوم ويبيعها بثلاثة أضعاف في السوق السوداء، وكي لا يُثير الشُبهات يقوم برحلة أو رحلتين يومياً. في حين تعاقد سائقون آخرون مع الروضات والمدارس الخاصة، ولا سيما مدرسة منارات الشام وأم فاضل، وهؤلاء السائقون أيضاً يبيعون مخصصاتهم من المحروقات في السوق السوداء، كون المدارس الخاصة تتكفّل بتأمين المازوت لهم».

يضيف أمجد للجمهورية.نت: «أنتظر يومياً عدة ساعات في الذهاب والإياب للصعود بالحافلة، وحين أفقد الأمل استقل سيارة أجرة (تكسي) مع بعض زملائي في الجامعة، فليس لديّ قدرة على دفع الأجرة لوحدي، وفي بعض الأحيان نصعد بأي سيارة نجدها على الطريق متجهة الى دمشق، وهذا الأمر جعلنا نقلّل عدة مرات ذهابنا للجامعة، فموضوع التنقّل أصبح مزرياً للغاية».

ومع تزايد شكاوى الأهالي من أزمة المواصلات، قامت بلدية التل في شباط (فبراير) الماضي بإجراء انتخابات وتعيين مراقبين لعمل الحافلات، وتم تزويد مراقب الخط ببطاقات يتم إعطاؤها لسائق الحافلة للحصول على مخصصاته من مادة المازوت، حيث يتم ختمها بشكل يومي من مراقبي الخط كدلالة أن السائق يقوم بتخديم المواطنين، فلا يتم تزويد السائق بمخصصاته من المحروقات بدون هذه البطاقة المختومة أصولاً من المراقبين.

وعبّر أمجد عن سخريته من هذا القرار قائلاً: «حاميها حراميها»، ليتابع حديثه بالقول: «ما الفائدة من هذا الإجراء إذا كان المراقب يتقاضى رشوة من السائق مقابل أن يختم له على بطاقته على أساس أنه يعمل على نقل الأهالي بشكل طبيعي، بينما في الواقع يذهب لاستلام مخصصاته من محطة الوقود بموجب البطاقة المختومة من المراقب، ومن ثم يبيعها في السوق السوداء».

فوضى وجرائم دون محاسبة

تشهد مدينة التل حالةً من الفلتان الأمني، ففي كل فترة يتداول الأهالي على صفحات التواصل الاجتماعي أخباراً عن حالات قتل وسرقة وخطف واغتصاب، دون أن تقوم الجهات المختصة بملاحقتهم وضبط الأمن. ففي شباط الماضي ضجّت مدينة التل بخبر مقتل السيدة هناء الجندي (خمسة وسبعون عاماً)، حيث وُجدت مقتولةً في منزلها بعدما قام اللصوص بسرقة مجوهراتها الذهبية وإحراق المنزل. كذلك يشتكي سكان من التل تحدثنا إليهم من قيام بعض الشبان بالتحرّش بطالبات المدارس خلال خروجهن من المدرسة، ودون تحرّك أي جهة.

وفي الأثناء، يواصل مسؤولو النظام استخدام المدارس لتعزيز «فكر حزب البعث» عبر إقامة الندوات والفعاليات بإشراف اتحادي الشبيبة والطلائع التابعين للحزب، وأبدى سكان من التل انزعاجهم بعد نشر «اتحاد شبيبة الثورة في التل» صورة تجمع رامي حجازي، وهو عضو في اتحاد الشبيبة، مع مجموعة من الطالبات من مدرسة منارات الشام، واتهموه بأنه يستغل الفتيات لأغراض سياسية وبعثية وفق ما رصدناه من تعليقات على بعض صفحات فيسبوك المهتمة بشؤون مدينة التل. وبدلاً من أن يقوم حجازي بالاعتذار أو توضيح الأمر، كتب منشوراً على صفحة اتحاد الشبيبة قال فيه: «يلّي ما عاجبو مدارس البعث لا يبعت بناتو… افتحولن مدارس ع قياسكن».

كذلك تتعرّض التل بين الفينة والأخرى لعمليات اعتقال من قبل قوات النظام، تطال كثيراً من أهالي المدينة والنازحين القاطنين فيها رغم إجرائهم للتسوية. وتأتي بعض هذه الاعتقالات على شكل حملات، منها ما جرى في مطلع 2020 عندما اعتقلت دوريات تابعة لفرع الأمن السياسي أربعين شخصاً من العاملين في مجال الصرافة وتحويل الأموال في التل، ووُجّهت لهم تهم التعامل بالعملات الأجنبية وضرب الاقتصاد الوطني.

في نهاية العام الماضي، أحيل رئيس مجلس مدينة التل إلى التحقيق لدى الرقابة الداخلية، وأُعفي رئيس المكتب الفني في المدينة من مهامه، بتهمة تقاضي رشاوي مقابل التغاضي عن المخالفات السكنية. وقال مصدر من التل للجمهورية.نت، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن «النظام ادّعى أنه أحال بعض رؤساء البلديات في ريف دمشق للتحقيق وأعفى بعض أعضاء المكاتب الفنية من مهامهم، ليُظهر للرأي العام أن يسعى لمكافحة الفساد، لكن في الحقيقة كانت مجرد إجراءات شكلية، حيث عاد رئيس بلدية التل لمزاولة مهامه بعد فترة، أما رئيس المكتب الفني لبلدية التل، المُعفى من منصبه، فقد عُيّن رئيساً للمكتب الفني لبلديتي بدا وتلفيتا بريف دمشق وكأن شيئاً لم يكن».

ضجر واحتقان في وجه نظام الأسد

تُسبّب سوء الأوضاع الخدمية والأمنية والمعيشية في التل بحالة من الاحتقان والتذمر لدى السكان، دفعت بعضهم للتعبير عن غضبه عبر كتابة عبارات مناهضة للأسد على جدران المدينة في شباط الماضي، منها «الشعب يريد إسقاط النظام»، و«الحرية للمعتقلين»، قبل أن تُزيلها قوات النظام. وجاء ظهور العبارات المناهضة للنظام على جدران المدينة بعد نحو شهر على حرق صورة لبشار الأسد فيها، حيث كانت الصورة معلّقة بداية طريق الوادي في المدينة، بالقرب من حاجز البانوراما التابع للأمن السياسي، المتمركز على بعد 200 متر عن مكان إحراقها.

وقال موقع صوت العاصمة، المختص بأخبار دمشق وريفها، إن دوريات الأمن السياسي أقامت العديد من الحواجز المؤقتة في مختلف أحياء المدينة فور انتشار العبارات، تركّزت في أحياء السرايا والوسعة وبيدر السلطان، مشيرةً إلى أن الدوريات أجرت العديد من الجولات في أحياء أخرى من المدينة، أوقفت خلالها العديد من الشبان وأخضعتهم لعملية «الفيش الأمني»، دون تسجيل أي حالة اعتقال. وأكّد الموقع نفسه أن رئيس فرع الأمن السياسي في التل استدعى أعضاء ما تسمى «لجنة المصالحة» إلى مقر الفرع، وعقد اجتماعاً معهم طالبهم فيه بالاجتماع بأهالي المدينة وكفّهم عن كتابة تلك العبارات، مهدداً بتنفيذ حملة اعتقالات عشوائية للقبض على الفاعلين في حال تكرّر الأمر مرة أخرى.

بالمقابل، فضّل أغلب سكان التل التعبير عن غضبهم واستيائهم من النظام وتقصيره بحق مدينتهم من خلال تعليقات على صفحات فيسبوك معنية بتغطية أخبار التل، طال بعضها الأسد نفسه رغم أن بعض أصحاب هذه التعليقات موجودون في المدينة. فيما لجأ بعض السكان للتعليق من خلال حسابات تحمل أسماء وهمية خوفاً من التعرّف عليهم من قبل مخبري النظام أو ما يُسمى الجيش الإلكتروني واعتقالهم، ومن أبرز الصفحات التي حملت تعليقات كثيرة تهاجم النظام ومسؤوليه: جلسة صراحة تلية، المركز الإعلامي الرسمي في مدينة التل، مجلة التل الالكترونية.

رغم أن مدينة التل لم تشهد القصف العنيف والدمار الواسع كما حصل في مناطق أخرى من ريف دمشق، ما يعني أن بنيتها التحتية لم تتعرض لدمار كبير، إلا أنها ما تزال تعاني حتى اليوم من نقص في معظم الخدمات وعلى رأسها الكهرباء والمياه، ما يعتبره كثيرون ممن تحدثنا إليهم دليلاً على أن النظام يتعمد معاقبة سكان المدينة من أبنائها والنازحين إليها. يؤدي كل ذلك إلى رفع منسوب الغضب والاحتقان، الذي يعبّر عن نفسه غالباً على فيسبوك، وأحياناً على جدران المدنية وصور بشار الأسد فيها.