الجبهة الوطنية للتحرير: لاعب جديد في توازنات إدلب

 

لم يكن الإعلان عن اتحاد عدة فصائل كبيرة في إدلب ضمن «الجبهة الوطنية للتحرير» بداية الأسبوع الماضي مفاجئاً، فقد تحدثت عدة تقارير صحفية عن قرب ظهور تشكيل جديد قبل الإعلان الرسمي عنه بأسابيع، ومنها ما كانت قد نشرته صحيفة عنب بلدي. كما أن قائمة الفصائل المنضمة إليه لم تشكل مفاجئة هي الأخرى، بل كانت تعبيراً عن اتحاد فصائل متقاربة في سياستها تجاه الأحداث في إدلب خلال الفترة الماضية، فالفصيل الأكبر ضمن الجبهة الجديدة، فيلق الشام، كان قد فضل عدم الانخراط في الصراع بين «جبهة تحرير سوريا» و«هيئة تحرير الشام»، الأمر الذي ينطبق على معظم الفصائل المنضوية ضمن الجبهة الجديدة مثل جيش النصر والفرقة الساحلية الأولى وجيش إدلب الحر وغيرها. وبالتأكيد فإن الشكل التنظيمي وخلفية قيادات الصف الأول والثاني المؤلفة في معظمها من ضباط منشقين، تشكل ايضاً عوامل تقارب بين هذه الفصائل.

وفيما تظهر الجبهة الوطنية للتحرير بوصفها الكتلة الكبرى الثالثة إلى جانب جبهة تحرير سوريا وهيئة تحرير الشام، فإن الإعلان عنها بعد تصريح يوسف الهجر مدير المكتب السياسي في هيئة تحرير الشام لموقع الجزيرة عن عدم وجود أي نية لحل الهيئة، يمكن أن يُفهَم في سياق الرغبة التركية بإعادة التوازن إلى منطقة إدلب التي أصبحت وفق تفاهمات أستانا الأخيرة منطقة نفوذ تركي مباشر، مما يضع أنقرة في مواجهة تحدٍ أساسي وهو إدارة الصراع فيها والوصول به إلى نهاية مرضية فيما يخص مصير (هتش)، وذلك لتجنب أي توتر يواجه تلك التفاهمات.

وعلى الرغم من تصريحات أخرى ليوسف الهجر ألمحَ فيها إلى دور (هتش) في تأمين الحضور التركي في إدلب، وسعيها إلى لعب دور فعّال في المنطقة تحت المظلة التركية، إلا أن مثل هذا الدور لا يتوافق في الحقيقة مع التوازنات التي ولدت في أستانا، كما أن استمرار وجود الهيئة في إدلب سيكون مستقبلاً بمثابة نقطة الضعف التي تستطيع روسيا من خلالها القفز على التفاهم مع تركيا في إدلب إذا ما اقتضت الظروف ذلك. وبالمقابل فإن تراجع اهتمام الولايات المتحدة بخلق توازن مع قوات النظام في غرب سوريا سيزيد من اهتمامها بالقضاء على (هتش)، باعتبارها الجاذب الرئيسي للتيار الجهادي في سوريا، والذي قد يشكل على المدى البعيد خطراً على مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها.

ضمن هذه القراءة، فإن الدور المرسوم للجبهة الوطنية للتحرير سيكون على الأرجح ضمن ثلاث مراحل أساسية؛ تستمرّ الأولى خلال المرحلة المقبلة وتتركز حول تأمين تنفيذ الاتفاقات التركية-الروسية وخاصة تأمين طريق حلب-حماة الدولي المارّ في المنطقة، بالإضافة إلى تأمين الترتيبات الرئيسية للوجود التركي في المنطقة، خاصة أن قوات الجبهة الوطنية منتشرة على مساحات واسعة من محافظة إدلب وريف حماة وريف اللاذقية وضمن مناطق حيوية منها مدينة إدلب، وستكون الجبهة الوطنية في هذه الفترة كتلة حيادية في أي صراع بين تحرير سوريا والهيئة، للحفاظ على مواقعها الاستراتيجية ضمن المنطقة.

في المرحلة الثانية، التي يعتمد السير فيها على وجود قرار سياسي تركي بإنهاء وجود هيئة تحرير الشام، ستكون الجبهة الوطنية استطاعت استيعاب ما تبقى من الفصائل الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، بالإضافة إلى استيعاب الكتلة العسكرية في ريف حماة والتي يشكل الأحرار الجزء الأكبر منها، لمواجهة (هتش) عسكرياً إذا لزم الأمر، وتفكيك وجودها وسيطرتها.

ضمن السيناريو المفترض نفسه، ستكون المهمة في المرحلة الثالثة هي جعل الفصيل الجهة العسكرية الوحيدة في المنطقة، وبسط سيطرته على كامل إدلب وربما مدها إلى منطقة درع الفرات، نتيجة قدرته التنظيمية العالية التي ترجع إلى نسبة الضباط المنشقين المرتفعة فيه.

لم يُظهر التشكيل الجديد حتى اللحظة أي اتجاهات واضحة، سواء فيما يتعلق بالصدام مع هيئة تحرير الشام أو نيته الهيمنة على المنطقة، إلا أن هذا المشروع الذي ترعاه تركيا يبدو كأنه أداة أنقرة الجديدة لفرض السيطرة العسكرية على منطقة تعرف جيداً أن الحل العسكري الواسع فيها سيكون مكلفاً، ولديها في الوقت نفسه حاجةٌ حيويةٌ لضبطها بعد أن أصبحت تحت نفوذها نتيجة التفاهمات مع موسكو.

هذه التحديات والضرورات ستكون هي المحرك الرئيسي لمثل هذا السيناريو المطروح أعلاه حول دور الجبهة الوطنية للتحرير في إدلب، فيما يبدو أن التحديات التي نشأت عن بروز تنظيمات مرتبطة بشكل مباشر بالقاعدة في المنطقة (تنظيم حراس الدين) ستكون مؤجلة، خاصةً أن التنظيم لم يشكل حتى اللحظة عبئاً على تفاهمات أستانا سواءً من الناحية العسكرية أو السياسية.