الجنوب السوري: مفاوضات ومعارك قرب الجولان المحتل

 

وصلت الدفعة الأولى من مهجري درعا إلى معبر قلعة المضيق في الشمال السوري مساء أمس، وكانت الحافلات التي انطلقت من درعا البلد قد أقلّت مدنيين ومقاتلين رافضين للاتفاق، بلغ عددهم 430 شخصاً حسب المعلومات التي أعلنتها مجموعة «منسقو استجابة شمال سوريا»، فيما تحدّثَ نشطاء من المدينة عن أن الأسماء المسجلة للتهجير من مدينة درعا نحو الشمال السوري قد بلغت 900 اسم.

واستطاع النظام السوري والشرطة العسكرية الروسية خلال الأيام الماضية بسط سيطرتهم على معظم محافظة درعا، وذلك من خلال اتفاقات محلية مع المدن والبلدات، وبعد دخول مسؤولي النظام إلى درعا البلد ورفع علم النظام على المؤسسات الحكومية يوم الثلاثاء الماضي. وقال ناشطون إن مُحافظ درعا دخل مع موفدين من وسائل إعلام تابعة للنظام وبمرافقة الشرطة العسكرية الروسية، وتم تصوير مشهد رفع العلم وتسجيل تصريح إعلامي للمحافظ، ثم انسحب المحافظ ومرافقوه إلى مناطق سيطرة النظام الأساسية في أحياء درعا المدينة.

وتقضي الاتفاقات التي تم توقيعها مع الجانب الروسي بتسليم الفصائل لسلاحها الثقيل، مقابل انتشار الشرطة العسكرية الروسية ودخول المؤسسات الرسمية للنظام ورفع أعلامه، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى تختلف من بلدة إلى بلدة. وقد استطاع النظام والروس توقيع اتفاقات كهذه مع مدن وبلدات إنخل وجاسم وطفس وغيرها في الريف الغربي، بعد أن تم توقيع اتفاقيات مع قرى وبلدات الريف الشرقي التي لم تدخلها قوات النظام بالقوة.

لا يزال مسلحو فصائل المعارضة متواجدين بسلاحهم الخفيف في معظم البلدات التي دخلها النظام والشرطة العسكرية الروسية بموجب اتفاقات، وربما يكون هذا ما شجّع أعداداً كبيرة من النازحين على العودة إلى بيوتهم، إلا أن نحو 160 ألف نازحٍ من محافظة درعا لا يزالون موجودين في بلدات القنيطرة مثل الرفيد، وذلك حسب ما أفاد به مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في بيان له أمس.

وقد قالت الزميلة وردة الياسين خلال حديثها معنا عبر الإنترنت إن: «الأوضاع سيئة في البلدات التي دخلتها قوات النظام في ريف درعا الشرقي بالقوة بعد موجات القصف التدميري الروسية، حيث ترتكب قوات النظام هناك أعمال نهب واعتقالات، لكنها بالمقابل مستقرة نسبياً في البلدات التي دخلتها الشرطة العسكرية الروسية وقوات النظام بموجب اتفاقات، غير أن عدم وجود ضمانات حقيقية لحماية السكان من انتهاكات قوات النظام في الفترة اللاحقة، دفع جزءً كبيراً من النازحين الموجودين على خط فض الاشتباك المحاذي للجولان المحتل إلى عدم العودة إلى بلداتهم التي سيطر عليها النظام والروس».

من جانب آخر قام «جيش خالد بن الوليد» المبايع لداعش خلال الأيام الماضية باستغلال الأوضاع وتوسيع مساحة سيطرته في حوض اليرموك جنوب غرب درعا نحو بلدة حيط وبلدات أخرى، وهي البلدات التي ستكون على موعد مع عملية عسكرية للسيطرة عليها حتماً بعد انتهاء الترتيبات في مناطق درعا الأخرى، دون أن يكون واضحاً كيف ستُخاض هذه المعركة بعد، بسبب حساسية منطقة حوض اليرموك الملاصقة للحدود الأردنية والحدود مع الجولان السوري المحتل.

لا تزال عدة بلدات في ريف درعا الغربي، وأكبرها نوى، تحت سيطرة فصائل المعارضة، ذلك بالإضافة إلى الأجزاء المتاخمة من محافظة القنيطرة قرب الجولان المحتلّ، وفي الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات حول مصير مدينة نوى التي يقطنها نحو 200 ألف نسمة، اندلعت أمس معارك عنيفة حول تل الحارة قرب مدينة الحارة غربي درعا، وذلك بعد فشل المفاوضات على تسليم المدينة إثر رفض مجموعات محلية للاتفاق مع قوات النظام، وقيامها بالسيطرة على التلّ بدعم من مقاتلين تابعين لـهيئة تحرير الشام، وتستمر المعارك هناك دون تقدم للنظام على المنطقة الاستراتيجية التي تعد أعلى مرتفعات محافظة درعا وتشرف على منطقة مثلث الموت الهامة، كما أنها تبعد كيلومترات قليلة عن منطقة فضّ الاشتباك التي تراقبها قوات الأوندوف الأممية منذ عام 1974، وهي منطقة خالية من السلاح تقع على الحدود مع الجولان المحتل. أما في القنيطرة، فقد بدأت قوات النظام عمليات عسكرية للسيطرة على بلدة مسحرة، بعد تعثر المفاوضات هناك أيضاً.

ينذر التصعيد في القنيطرة والحارة بالريف الغربي لدرعا باحتمال اندلاع معركة واسعة تشمل ما تبقى من مناطق خارج سيطرة النظام في الجنوب السوري، وهو ما ينذر بكارثة إنسانية تحيط بأعداد كبيرة من النازحين والسكان في المنطقة، دون وجود أي ضمانات لهؤلاء سواءً من العمليات العسكرية والقصف الذي ينفذه النظام على المنطقة، أو من احتمالات تقدم تنظيم داعش نحو مناطقهم من الجهة الأخرى على غرار ما حصل في حيط، أو من تعرضهم لاعتقالات وانتهاكات في حال سقطت المنطقة بيد قوات النظام. وعلى الرغم من حساسية المنطقة القريبة من الخط الفاصل مع الجولان المحتل، إلا أن تحركات قوات النظام تدل على نيته السيطرة على المنطقة عسكرياً في حال استمرار تعثّر المفاوضات، ويبدو أن تصريحات نتنياهو غداة لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أن نظام الأسد الذي أبقى حدوده مع الجولان المحتل آمنة لمدة أربعين عاماً كانت بمثابة موافقة علنية على تلك العمليات، التي تهدد سلامة وحياة مئات آلاف المدنيين.