الحادية عشرة والربع

 

كانت الساعة الحادية عشرة والربع من صباح الثامن عشر من شباط (فبراير) 2014. الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة بالتمام والكمال. فتحتُ التلفاز بلا وعي، كان الخبر موجزاً دون أي صور، يقر بوقوع ضحايا جراء برميل أسقطه طيران مروحي على منطقة سكنية في المزيريب جنوب سوريا. سنوافيكم لاحقاً بالتفاصيل المصورة، قال المذيع. كان الخبر مهنياً بحتاً، دون أي نبرة حزن لدى المذيع أو دمعة قد تجري على أحد خديه. ظل جالساً في مكانه وانتقل إلى الخبر الآخر، عن ارتفاع ملحوظ لأسعار الأسهم في إحدى البورصات.

هواء الغرفة أخذ بالنفاذ شيئاً فشيئاً. فتحت الباب. أغلقته. لم أَدرِ بالضبط ماذا أفعل. أحسستُ أنني قيد ضربة يد من المزيريب، وأنّ حقدي و حزني قادر على اللحاق بتلك الطائرة وإسقاطها بحجر. 

صرختُ بأعلى صوتي كأنني عالق في الدمار، فتجمع سكان الكامب من حولي غير مدركين الأيدي التي تمتد من بعيد وتخنقني.

*****

رنّ هاتفي: البقية بحياتك. الوالدة أعطتك عمرها، شد حيلك. 

جاءني صوت أخي مخنوقاً، قال هاتين الكلمتين واختفى...

أعطتني عمرها؟ لم أستوعب ما قاله بالضبط، هل يعني ذلك أن عمرها صار مضافاً فوق سنين عمري؟

عاودتُ الاتصال بأخي، ليؤكد لي الخبر بصوت يلفه شريط أسود: الكل بخير أولادك وإخوتك. 

هل نحن فعلاً بخير بعد موت أمي؟ 

*****

الحادية عشرة والربع من الثامن عشر من شباط 2014. هوى السرير المعدني بي في كامب بيشكا قرب العاصمة المجرية إلى ليل زلق، قوامه الصمت والخبل. وتوقفت ساعة غرفة الجلوس بعد إصابتها بشظية في قلبها، وتوقف نبض أمي الدافئ، النسغ الذي يغذي وجودي بالحياة مع توقف الزمن.

الساعة الحادية عشرة والربع يقف طلاب الصف التاسع أمام سياج مدرستهم، يفتحون دفاترهم ويعيدون لآخر مرة آخر ما قاله الأستاذ. يضحكون ويتحدثون في لحظات هي الأصدق للتعبير عن الحياة. وعلى مقربة من مكان وقوفهم قرب البوابة، تلقي طائرة مروحية برميلاً معدنياً بطول رجل، محشو بالمتفجرات وقطع النقد المعدني من فئة الليرة التي جمعها البنك المركزي بعد أن فقدت قيمتها كخرجية لشراء الحلوى في بوفيهات المدارس، ثم أرسلها إلى الورشات التي تصنع تلك البراميل لتعيدها كشظايا بدل السكاكر.

يهوي البيت المكون من طابقين على قبوه، وفوق رؤوس ساكنيه، ويتناثر الفتيان والكتب المدرسية، والضحكات. تتطاير الحقائب والأيدي التي تمسكها وتسقط في أماكن أخرى من العالم، أماكن لا تدرك لحظة طلوع الأرواح مع تصاعد الدخان الأسود ورائحة البارود إلى سماء لا سدرة لها.

الحادية عشرة والربع، يحوم الطيران فوق البحيرة فيستحيل ماؤها إلى قطعة من الجير المعطون، وينسرب الماء من ثقب ما ثم يتوارى إلى قاع لا يدركه إنسان. تطفو الأسماك فوق الوحل. تصرخ الأمهات وهن ينظرن إلى أولادهن يتناثرون كالدمى. تتفجر الأرحام كي لا يأتي طفل آخر إلى هذا العالم، وتنقطع الطرق الواصلة بين تل شهاب والمزيريب وطفس إلا من سيارات البيك آب التي تنقل الجرحى إلى المشافي الميدانية.

*****

الساعة الحادية عشرة والربع في المزيريب تختلف عن مواقيت مناطق أخرى في العالم تسقط الأشلاء بعيدة عنها. تصدح الموسيقا في صالات الأوركسترا الكلاسيكية، وتعلو أصوات المكبرات في المطارات بفتح البوابة الثانية، وتقف مضيفة في طائرة ستعبر المحيط ترجو من المسافرين ربط أحزمتهم وتتمنى لهم رحلة سعيدة. يجلس مسافر متوجه للقاء أهله بعد خمس سنوات من العمل في بلاد أخرى مشحوناً برغبة الحديث عن سنوات غربته، بينما مكبرات مساجد المزيريب وطفس وتل شهاب تحث أصحاب زمر الدم النادرة للتوجه إلى المشافي الميدانية والتبرع بالدم.

في الحادية عشرة والربع تمتلئ الشوارع بأقدام العابرين، وتنطلق صافرات السفن العملاقة في المضائق. تنتقل البضائع في الموانئ من سفينة إلى أخرى، وتمضي القطارات السريعة بهدوء الأفاعي بين الغابات والجبال الملتوية. وفي لقاء ما، يطل المخرج نجدت أنزور على إحدى المحطات ليقول:

لا بد من استخدام البراميل المتفجرة، لا بد لهذه الفانتازيا أن تكتمل!!!!

الحادية عشرة والربع، تنبح الكلاب مذعورة، وترمي طائرة مروحية من ارتفاع سبعة آلاف متر برميلاً محشواً بالحقد فيهوي كوحش جائع يلتهم الأعمار. وينظر الطيار إلى الأسفل ويطلق ضحكة ماجنة: لقد أصاب الهدف بدقة.

*****

 

الثامن عشر من شباط هو اليوم الخامس لسعد بلع. يقول جدي أن خمسينية الشتاء لو بدأت بجفاف تنتهي بجفاف، غير أن شباط له طبيعة الغدر. ها قد بدأت بموت يا جدي. بدأت ببذر الموت وقطاف الأرواح. منذ هذه اللحظة سيغيب صوت أمي، لن ألمس يدها، لن أسمع عتابها على كثرة تدخيني وعدم اهتمامي بصحتي. تلك الأم التي نتسلح بدعائها أينما كنا، أنظر إلى الخلف فأراها ترتب البيت، تعد لنا الإفطار في ساعات الصباح الباكر وتطمئن على تحلقنا حول المائدة ثم تمضي إلى نهارها. في الوقت ذاته، يخرج مسؤول ليقول إن الأزمة على وشك الإنتهاء، وإن الإرهابيين المتآمرين على البلاد يتساقطون تحت ضربات الجيش كالدجاج. 

أمي، تلك المرأة الوقورة التي لا تعرف سوى أن تفخر بأولادها. أمي إرهابية؟

صوته صدىً يدوي من برميل أجوف. عيناه برميلان مملوءان بالـ «تي إن تي». يشير بإصبع كفتيل التفجير. أهدافنا محققة، سننجز النصر وسنمحو أوروبا.

بعد ذلك، تتابع القناة نشرتها الصباحية بالتركيز على الغذاء الصحي لأطفال المدارس، والبيئة الصحية الآمنة لنجاحهم وتفوقهم. 

*****

كنتُ جالساً على حافة السرير، قدماي تتأرجحان في فراغ نهاية الأرض المسطحة، معلقاً بسماء الدخان والغبار المتراقص حول الجثث المستلقية بسلام. طفل يمسك يد أمه وهما في طريقهما إلى المستوصف، ولا يستطيع القدر الأسود فصل اليدين المتشبثتين ببعضهما. عابرون يمضون من أمام مدرسة عين الزيتون إلى أشغالهم، يتوقف زمنهم عند الحادية عشرة والربع وتنتهي رحلة العمر.

في الأسبوع الفائت استهدف الطيران المروحي مدرسة ترعان أيضاً، ما جعل المعلمين يوقفون التدريس بشكل كامل. لكن هذا اليوم بدأت دورة تدريبية لطلاب الصف التاسع قبيل اختبارات نصف السنة. نجح القلّة منهم قبل تقديم الإمتحان بالبقاء على قيد الحياة. يدٌ واحدة تكفي لتصل إلى سماء لا يصلها الطيران المروحي. وقدمٌ واحدة تكفي للرقص أيضاً. 

رنين الموبايل لا يتوقف. أجيب وأنا صامت، واقف بين زمنين، أحدهما كان لي والآخر لا أعرف ما ينتظرني فيه. أستمع إلى أصوات مألوفة: «البقاء لله، الله يرحمها»، وأجيب كببغاء يقف على عود رقيق ويردد أشياء لا يفهمها. الشيء الوحيد المفهوم لدي أن أمي لم تعد موجودة. صرخة الولادة بعد تسعة أشهر وسبعة وأربعين عاماً تسري في شراييني كأني كنت في رحمها الدافئ لحظة الإنفجار، وخرجت إلى عالم بارد، وصقيع يمتد إلى كل أطرافي فترتعد أوصالي، وصرخة حادة كأنصال الشظايا تفجر حنجرتي. الغيبوبة تستمر وقوافل من النمل تسري تحت جلدي، كأنني أتحول إلى كائن آخر يزحف بين أشواك الأرض ويلونها خلفه بلون الدم، كائن يمضي في هذا العالم دون أمٍ يتعكز على دعائها.  

الوقت يمضي بطيئاً كأفعى خبيثة، ما الذي أنتظره؟ أحرق السجائر واحدة تلو الأخرى وأنظر إلى من حولي بنظرات باردة كنظرة الأعمى.

رن الموبايل. أجبت كأنني أنتظر معجزة تبشرني بأن أمي استيقظت من الموت، فأمي لا تموت. ربما تصاب، تفقد وعيها، لكن من المحال أن تذهب دون أن تجمعنا حول سريرها وتتلو وصيتها علينا. 

ـ أخي راكان أتمنى أن تتماسك قليلاً. 

بدت لي الكلمة كعزاء بارد يتلوها صاحب عزاء على أخيه.

ثم أكمل: - حورية أصيبت أيضاً ووو…

- حورية زوجتي؟ كيف؟ هل كانت تسعف المصابين؟ هل هي بخير الآن؟

ـ لا. لكنها كانت أيضاً لحظة سقوط البرميل ذاهبة لتودع صديقاتها في المستوصف قبل سفرها إليك. للأسف وجدناها مع من قضوا في مشفى طفس الميداني. لم يتمكن أحد من تحديد هويتها غير ابنك حازم. البقية في حياتك.

انهارت السماء دفعة واحدة كسقف إسمنتي فوق رأسي. أي بركان هذا الذي يطلع من أعماق الخوف فجأة ويحولني إلى جلدٍ ميت يتشابك مع الشياطين الهاطلة من السماء ثم يقذف حممه في وجهي، أين تلك الزلازل التي وعدت بنهاية هذه الأرض ومن عليها؟

 ليس هناك وقت ليمر. لا وقت لدفن الموتى أو لخيام العزاء، فالبشر ما زالوا في الكهف هناك، يأكلون لحم بعضهم حين يغفلون قليلاً، وحوش آدمية تستطيب القتل والدم.

هواء الغرفة، هواء المدينة، هواء العالم، لا يكفي ليملأ رئتي المخترقة. يا رب القهر، هذا الهواء يخنقني. أي مشاعر حزن تلك التي تقبل القسمة على عالمين، على سيدتين من زهر وقرنفل. وأنا غارق حتى أذني في وحل ينزح بي نحو جزيرتين ثم يتحول إلى صخور صلدة شيئاً فشيئاً، يحطم أشرعتي ويشل حركتي إلى الأبد. اللعنة على الأبد منذ الوالد حتى ولد الولد.

*****

أهكذا تكون النهاية يا حورية؟

لم يكن يجدر بك الموت هكذا، فالحياة تليق بك أكثر. وعدتني باللحاق بي أنت والأولاد لكنك حنثتِ وعدكِ ومتّ. أين مرافئك التي سترسو بها قواربي بعد هذا اليوم وعيناي تتطاولان إلى زهور حدائقك والأيام المفعمة بالجمال التي قضيناها؟ كنت سأحكي لك آلاف الحكايا عن المدن والبحار ومغامرات زوجك المجنونة، وعن الطرق التي انتظرتكِ فيها ولم تأتِ. لا داع للغيرة فأنت تظلين كما أنت، وردتي وكتابي، والقمر الذي ألامسه في محيط وجهك وأنا العاشق الذي لا يُهزم.

أرجوك لا تغضبي، فأنا أقول هذا العتب القاسي بسبب الحب، الحب الذي تتعفن الحياة من دونه. 

هل حقاً ما يحصل حقيقة؟ أم أنني أهذي وأواصل المنام صاحياً؟

*****

فتحت هاتفي وكتبت رسالة جديدة:

حبيبتي لقد كتبت لك منذ نصف ساعة رسالة لم تقرأيها بعد. مدي يدك إلى هاتفك المصاب لعلّ الحياة تعود إليه مرة أخرى، ويزول الموت. أتمنى أن تجدي أو أجد وقتاً لا يشبه هذا الكابوس لأتلوها لك.